«مراكب الشمس» تعود إلى «النور» بعد دفنها 7 آلاف سنة

كتب: رضوى هاشم

«مراكب الشمس» تعود إلى «النور» بعد دفنها 7 آلاف سنة

«مراكب الشمس» تعود إلى «النور» بعد دفنها 7 آلاف سنة

وسط بوابة حديدية مغلقة، لافتة معلقة مكتوب عليها «ممنوع الدخول أو التصوير»، هنا منطقة أثرية هى الأعرق والأهم، على بعد بضعة أمتار من القاعدة الجنوبية لأعظم بناء هرمى عرفتة البشرية، هو «هرم خوفو»، وما إن تدلف من تلك البوابة، حتى تستقبلك خيمة عملاقة، يتوقف عندها آلاف الزائرين يومياً، يدفعهم فضولهم لمعرفة ما تحويه تلك الخيمة، هل هو كشف جديد يفك ألغاز لطالما حيرت العالم؟، أم أنه طريق للوصول إلى «الغرفة اللغز»، التى قيل إنها أسفل الهرم الأكبر بنحو 100 متر؟.. خطوات داخل الخيمة تنقلنا إلى حفرة محاطة بصخور جرانيتية، يقارب قطرها ثلاثة أمتار، ويتجاوز طولها 43 متراً، تبدو للوهلة الأولى وكأنها حفر عادية، أو أنها كانت يوماً تحوى كشفاً مهماً، ولا يوجد بها سوى بضع قطع من الأخشاب، إلا أن إحاطة تلك الغرفة بهذا القدر من الاهتمام، من وجود عشرات العاملين من إخصائيين وفنيين متخصصين فى أعمال الترميم، وحمايتها بقضبان حديدية علوية وأرضية، وحاويات ضخمة، وممشى خشبى يعلو المنطقة الأمامية للحفرة، يحرص الجميع على السير عليه بحذر شديد، لاستخراج كل قطعة خشبية، مهما كانت صغيرة أو متهالكة، بعناية شديدة، وكأنها طفل وليد، يؤكد أن ما تحويه تلك الحفرة هو كنز جديد، وسر من أسرار أرض مصر، أبت إلا أن تبوح به، بعد أن احتفظت به لآلاف السنين، وهو «مركب الشمس».

تروى أسطورة «الإله رع»، أى «قرص الشمس»، أنه يكون طفلاً عند الشروق، ثم رجلاً كاملاً وقت الظهيرة، ثم يصبح عجوزاً فى المساء، يركب مركبين، تُعرفان باسم «مراكب رع»، يعبر بهما النهار حيث يعلو فى السماء، ثم يختفى عن الأنظار وقت الغروب، ويبدأ رحلة البحر السماوى خلال الليل، وتحمل المركبان اسم الإله الملك، بعد وفاته أثناء رحلته المقدسة إلى عالم النور، وفق الأسطورة، وظلت «مركب الشمس»، أو «مركب خوفو»، التى كشفت الصدفة عن شقيقتها الأولى عام 1954، حبيسة الصخور، تعانى من النسيان، ومن حشرات بدأت تنخر فى أخشابها، وبدلاً من أن تشق طريقها نحو العالم الآخر، كما يقول «عيسى زيدان»، المشرف على الترميم الدقيق لمشروع «مراكب الشمس»، طالتها المياه الجوفية، ومياه بناء متحف المركب الأولى، حتى أصبح استخراج قطعها سليمة ومتكاملة عملية مستحيلة.

{long_qoute_1}

وحينما قادت الصدفة أحد العاملين، أثناء عملية تنظيف روتينية حول هرم «خوفو» سنة 1954، إلى حفرتين مسقوفتين عند القاعدة الجنوبية للهرم، وبعد البحث والتنقيب، تم العثور فى قاع إحدى الحفرتين على سفينة مفككة متقنة النحت من خشب «الأرز»، ومتصلة ببعضها بالحبال، ولا ينقص منها أى جزء، وبعد تجميع أجزاء المركب، التى بلغ عددها 1224 قطعة، اكتشفوا أن بها سفينة «خوفو»، أو ما يعرف بـ«مركب الشمس»، وتابع «زيدان» أنه بعد استخراج المركب الأولى، ظلت الثانية فى مدفنها حتى عام 2009، حين قرر المجلس الأعلى للآثار البدء فى مشروع جديد للخروج بها إلى النور، وبالفعل بدأ، فى نفس العام، إجراء الدراسات اللازمة، ورفع المساحات، وإنشاء مقر للمشروع ومعامل للترميم، والبدء فى رفع الأحجار المحيطة بالحفرة، والتى يتجاوز وزن الواحد منها 20 طناً، وضعها المصرى القديم بعناية فائقة، ووضع فى مقدمتها حجراً بمثابة «المفتاح» لما يتلوه، حتى يتمكن «الفرعون» من فتحه فى العالم الآخر، واستعادة مركبه.

وداخل الحفرة على عمق متر تقريباً، وقف «زيدان» مشيراً إلى طبقات المركب الثلاث الأخيرة المتبقية، وقال: «نجحنا حتى الآن، فى رفع عشر طبقات من المركب، بدون أى خسائر، بالرغم من تشبع الأخشاب بالرطوبة، التى طالتها من بناء متحف المركب الأولى، فى سبعينيات القرن الماضى، حيث كان خلط الأسمنت يتم على بعد خطوات من الحفرة، وها نحن بعد نحو سبع سنوات من بداية الحفر، على بعد خطوات من أكبر قطعة خشبية وأكثرها سمكاً، وهى القطعة رقم 894، ويبلغ طولها نحو 23 متراً، مشيراً إلى أن المشروع يعمل به نحو 30 شخصاً، نصفهم تقريباً يشكلون فريق الترميم، ويتعاملون فى كل يوم مع ما وصفه بـ«المستحيل»، حيث إن الأخشاب أصابها التحلل الحرارى، ووصلت نسبة «السليلوز» فيها إلى 1% فقط، مؤكداً أن القطع الخشبية يتم ترميمها بصورة مبدئية داخل الحفرة، وإحاطتها بمادة عازلة، قبل رفعها على دعامات، ونقلها إلى معامل الترميم المجاورة للحفرة، إما على محفات أو عبر القضبان، واختتم رئيس فريق الترميم تصريحاته لـ«الوطن» بقوله: «لدىّ أمل كبير فى أننا سنستطيع، عند الانتهاء من المشروع ورفع آخر قطعة خشبية للمركب، أن نجد ممراً يقودنا إلى غرفة دفن وكنوز الملك خوفو، هذا الملك الغامض، الذى حير العالم بأكبر بناء هرمى، ولم ينحت له تمثال».

{long_qoute_2}

أما المشرف على مشروع «مراكب الشمس»، الدكتور هيروساما كروكوشى، من مؤسسة التعاون اليابانية «جايكا»، فقال: «فى عام 2011 بدأنا استخراج أول قطعة خشبية، ونحرص على أن نتعامل مع كل قطعة يتم استخراجها وكأنها طفل وليد، نحيطها بكل عناية واهتمام»، مشيراً إلى أن المصرى القديم قام بفك المركب وصفها بعناية وترتيب دقيق، ووضع فى الأعلى المقصورة والمجاديف، وأضاف: «من المفاجآت أننا وجدنا نحو 50 مجدافاً، فيما بلغ إجمالى ما وجد فى المركب الأولى 12 مجدافاً فقط، أما المفاجأة الثانية فكانت وحدات الربط المعدنية، التى لم نجد مثيلاً لها فى أى من المراكب الأخرى، حتى المركب الأولى، التى جمعت بكاملها عن طريق مجموعة من الحبال»، لافتاً إلى أن «هناك المئات من المراكب فى الممالك القديمة، إلا أن مركب الشمس هى الأقدم والأعظم والأكثر أهمية على مدار التاريخ فى كل العالم».

وبحذر شديد غادرنا منطقة استخراج المركب، واتجهنا إلى معامل الترميم والتوثيق، يضم فريق الترميم 15 مختصاً، بينهم 6 سيدات، يعكفون على قطع خشبية أتى عليها الدهر، حتى ظهرت الجذوع داخل أكياس بلاستيكية، تحوى شظايا أخشاب، يهيأ لمن يراها للمرة الأولى أنه لا سبيل لإعادة تجميعها مرة أخرى، إلا أن أرفف المعمل تكشف أنه لا وجود لليأس عند أحفاد بناة الأهرام، وبادرنا أحد الإخصائيين قائلاً: «لا وجود لكلمة مستحيل فى قاموسنا»، وأضاف: «عقب خروج كل قطعة، نضع عليها طبقة أوراق عازلة، ونقوم بمعالجتها كيميائياً، وتركها لمدة تتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع، قبل أن يتم ملء الفراغات بمادة استرجاعية، فى محاولة للوصول إلى شكل القطعة، دون استخدام أى نوع من الأخشاب الجديدة»، وتابع بقوله: «أصعب قطعة كانت تلك القطعة الموجودة بين أيدينا الآن، والتى تحمل رقم 845، تسلمناها شبه مفتتة، ولكننا نجحنا فى ترميمها دون أن نخسر أى جزء منها، لتشق طريقها إلى مقرها الجديد فى المتحف الكبير، حيث تجرى مرحلة الترميم النهائية، استعداداً لجمع المركب بعد انتهاء أعمال الرفع، فى غضون عامين».

{long_qoute_3}

واستطرد قائلاً: «نجرى رسومات للقطعة، ومسح بالليزر، لعمل شكل تخيلى للقطعة، ساعدنا فيها المصرى القديم بعمل رقم دقيق لكل قطعة، وإشارات مرجعية لكل منها»، وبلغ طول أولى «مراكب الشمس»، بعد تركيبها، نحو 42 متراً، وسُميت بـ«مركب الشمس»، كما أُطلق عليها اسم «سفينة خوفو»، ومن أبرز السفن فى مصر القديمة، مركب «خوفو الأولى»، ومركب «خوفو الثانية»، ومركب «حتب حرس»، ومراكب «خفرع»، حيث كانت المراكب الشمسية تستخدم كسفن جنائزية فى مصر القديمة، وكان للملك «سنفرو» أسطول من 40 سفينة، استخدمت فى نقل ألواح خشب الأرز من لبنان، وتنوعت معالم وتصميمات المراكب المصرية القديمة وفقاً لوظائفها، وإذا ما كانت للاستخدام فى الإبحار عبر نهر النيل، أو فى البحر المتوسط، أو البحر الأحمر، وأبحرت المراكب الدينية والمراسمية فى النيل والبحيرات المقدسة.

وعن سبب وجود المراكب فى تلك المنطقة، قال المشرف الأثرى على مشروع «مراكب الشمس»، ممدوح طه: «انتشرت عبادة الشمس على الأخص فى شمال مصر، فى عهد الفرعون خوفو، وبدأ الملوك الفراعنة فى تسمية أنفسهم بابن رع، منذ عصر خفرع، عصر بناة الأهرام، وظلت هذه القرابة الشمسية فى الألقاب الملكية حتى نهاية التاريخ المصرى الفرعونى، وفى عام 1954، اكتشف عالم الآثار المصرى، كمال الملاخ، حفرتين مسقوفتين عند القاعدة الجنوبية لهرم «خوفو»، عُثر فى قاع إحداهما على سفينة مفككة متقنة النحت من خشب «الأرز»، كان عدد أجزاء المركب 1224 قطعة، لا ينقص منها أى جزء، من ضمنها خمسة أزواج من المجاديف، واثنين من زعانف التوجيه، والمقصورة الرئيسية، وأُعيد تركيب مركب الشمس الأولى، فبلغ طولها 42 متراً.

وتابع «طه» قائلاً إن «رحلة الشمس اليومية فى السماء، أوحت بالأساطير، التى أدمجت رع فى الشمس، حيث تصف النصوص شروق الشمس على الشاطئ الشرقى البعيد، حيث تحييه فرقة من القردة بمجرد ظهوره فوق المياه، فإذا ما استيقظت هذه الحيوانات، ترقص طرباً لظهور الشمس، فكانت القردة أيضاً مقدسة لدى قدماء المصريين، بعد ذلك يركب رع سفينته النهارية، التى تبحر به عبر السماء، حتى المساء، ثم ينتقل من سفينته النهارية إلى سفينة الليل، التى تبحر به فى العالم السفلى، قبل شروقه مرة أخرى فى يوم جديد، ونسجت أساطير وقصص حول رحلة الشمس ومراكب الشمس، كما كان فى عقيدة المصريين القدماء، وأضاف أن المقر الرئيسى لعبادة «الإله رع» كان فى «هليوبوليس»، حيث كان يرأس «التاسوع المقدس»، باسم «أتوم»، وترأس «رع» مجموعة الآلهة الرسمية فى شمال البلاد، خلال الأسرة الخامسة، أما فى الجنوب، فكانت تغلب عبادة «الإله آمون»، ومع الوقت تم توحيدهما فى عبادة «رع»، وعندما تربع «أمنحتب الرابع» على عرش مصر، خلال عصر الأسرة الثامنة، فكر فى أن يكون قرص الشمس هو الإله الأوحد، وسماه «آتون»، وترك عبادة «آمون- رع»، وغير اسمه الشخصى إلى «إخناتون»، ودعا إلى عبادة «آتون»، وقام ببناء مدينة «أخيتاتون»، ليبتعد عن كهنة «آمون»، الموجودين فى طيبة، واتخذ من قرص الشمس رمزاً لـ«آتون»، داعياً إلى توحيد الإله.


مواضيع متعلقة