دمياط: منتجاتها من الألبان غزت العالم.. والحكومة تخلت عن مصنعها الوحيد «تخليص حق»

كتب: سهاد الخضرى

دمياط: منتجاتها من الألبان غزت العالم.. والحكومة تخلت عن مصنعها الوحيد «تخليص حق»

دمياط: منتجاتها من الألبان غزت العالم.. والحكومة تخلت عن مصنعها الوحيد «تخليص حق»

صناعة الألبان واحدة من الصناعات المهمة التى اشتُهرت بها دمياط قديماً، حيث كانت المحافظة رائدة فى تلك الصناعة لسنوات كثيرة، تمكنت خلالها من إنتاج جميع منتجات الألبان بأسعار زهيدة، من خلال «مصنع ألبان دمياط»، الذى كان أحد أهم معالمها، وكانت تصدّر منتجاتها إلى مختلف دول العالم، وهو ما جعل المحافظة، حتى تسعينات القرن الماضى، «قاطرة» إنتاج الألبان فى مصر، إلا أنها سرعان ما تراجعت عن ذلك الدور، بعد إغلاق ذلك المصنع، الأمر الذى كان سبباً مباشراً فى ارتفاع أسعار الألبان بصورة جنونية.

«بيوتنا اتخربت، وشقا عمرنا راح، وأصحاب المعامل مافيا بتتحكم فى سعر اللبن»، بتلك الكلمات بدأ عدد من مربى الماشية بدمياط حديثهم لـ«الوطن» عن تراجع صناعة منتجات الألبان بالمحافظة، متهمين التجار بأنهم السبب فى ارتفاع أسعار الألبان خلال السنوات الماضية، وأكدوا أنهم مع غلاء تكلفة التسمين، اضطروا إلى استخدام «قش الأرز» كعلف بديل، كما أشاروا إلى تقلص الثروة الحيوانية بنسبة تصل إلى 75%، بسبب الأمراض، وغلاء أسعار الأعلاف.

{long_qoute_1}

وقال «سامى سراج»، أحد المربين، إنه «عقب اندلاع ثورة 25 يناير، لحق الدمار بصناعة الإنتاج الحيوانى، حتى بات شخصان فقط يتحكّمان فى بورصة الأعلاف»، بالإضافة إلى تحكم أصحاب معامل الألبان فى تحديد سعر الشراء من المربين، وذلك حسب أهوائهم، دون النظر إلى ما يتكلّفه المربّون من تكاليف». وتابع قائلاً: «بعد ثورة يناير، خسرت 75% من ثروتى الحيوانية، التى كانت تُقدر بـ2 مليون جنيه، وتقلصت إلى 500 ألف جنيه فقط، وذلك نتيجة ارتفاع أسعار الأعلاف، وانخفاض سعر الألبان بما لا يتناسب مع تكلفة إنتاجها، حيث زاد سعر طن العلف من 1650 جنيهاً، عندما كان كيلو اللبن البقرى يُباع للمعامل بسعر 3.15 جنيه، ليبلغ سعر طن العلف حالياً نحو 5300 جنيه، بينما يبلغ سعر بيع لتر اللبن للمعمل 5 جنيهات».

وأضاف «سراج» أن المربين يتحمّلون تكلفة تغذية الماشية يومياً، مشيراً إلى أن استهلاك التغذية للماشية، لا يتماشى مطلقاً مع إنتاجها، حتى اضطر كثير من المربين إلى أن الاقتطاع من رأس المال، أو بيع عدد من رؤوس الماشية بأسعار أقل من تكلفة تربيتها، لتوفير مبالغ مالية لشراء أعلاف لغيرها من الماشية. ولفت فى هذا الصدد إلى أنه اضطر إلى بيع عدد من الرؤوس المنتجة للألبان، وعندما انتهى من بيعها، لجأ إلى بيع «الأمهات»، مؤكداً أن تكلفة التربية والأعلاف تصل إلى 10 آلاف جنيه أسبوعياً، وهو مبلغ كبير، لا يستطيع صغار المربين تحمّله.

وأرجع تراجع جودة اللبن مؤخراً إلى قيام بعض المربين بـ«الغش»، حيث يقومون باستخدام «قش الأرز» كعلف للماشية، بعد ارتفاع أسعار أعلاف التسمين، وهو ما تسبّب فى إصابة الكثير من الرؤوس بالهزال، نتيجة سوء التغذية، وبالتالى تقلص إنتاجها من اللبن، مؤكداً أن نسبة تصل إلى 85% من صغار المربين اضطروا إلى استخدام القش كأعلاف بديلة مؤخراً، مشيراً إلى أن الثروة الحيوانية فى دمياط تقلصت بنحو 75%، وذلك نتيجة تراجع الرعاية البيطرية، حيث انتشر الكثير من الأمراض، مثل «الحمى القلاعية» و«الجلد العقدى»، بخلاف سوء التغذية الناتج عن ارتفاع أسعار الأعلاف، واستخدام «القش» كعلف بديل. ودعا «سراج» البنوك إلى منح تسهيلات للمربين للاقتراض، مشيراً إلى أنه عقب عرض مصنع الألبان بدمياط للبيع، أصبح المربّون «فريسة» لأصحاب معامل الألبان. أما «نادى الشناوى»، مربى ماشية، فأرجع ارتفاع أسعار اللبن إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج ونقص المعروض من الألبان، نتيجة تراجع عدد رؤوس الماشية، وكذلك ارتفاع سعر الأعلاف، وارتفاع سعر المواشى ذاتها، مشيراً إلى أن الرأس الواحدة ارتفع سعرها من 25 ألفاً حتى 45 و50 ألف جنيه، نتيجة ارتفاع أسعار الأبقار المستوردة بنسبة تصل إلى 200%. وأضاف أن كثيراً من المربين يفضلون هذه الأبقار بسبب إنتاجها الغزير، مقارنة بالأبقار البلدية، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة إنتاج فدان الأرض إلى أكثر من 12 ألف جنيه، وهى زيادة يتم أيضاً تحميل جزء منها على إنتاج الألبان، ولفت إلى أن سعر بيع لتر اللبن البقرى للمعمل ارتفع من 3.5 جنيه إلى 5 جنيهات، بينما ارتفع سعر لتر اللبن الجاموسى إلى 6.5 جنيه. وأضاف أن هناك بعض التجار الذين يلجأون إلى «الغش»، حيث يقومون ببيع اللبن «البودرة» على أنه «بلدى»، وذلك لرُخص تكلفته، كما يدخل فى صناعة بعض أنواع من الأجبان، خصوصاً المطبوخة منها.

{long_qoute_2}

وطالب «الشناوى» الدولة بالتدخّل لخفض التكاليف على المربين، من خلال دعمهم، وتوفير الأعلاف لهم بأسعار مخفّضة، وشراء الألبان منهم، بدلاً من وقوعهم «فريسة» فى أيدى أصحاب المعامل والتجار، وكذلك دعم الفلاحين، ببيع الأبقار لهم بأسعار مخفّضة، عن طريق الجمعيات، حتى لا يجد المربى نفسه تحت «مقصلة» مستوردى الماشية. واختتم حديثه لـ«الوطن» بقوله: «لم أشترِ هذا العام ماشية لتربيتها، حيث بات من الصعب تدبير 50 ألف جنيه لشراء بقرة واحدة».

واتّهم «أسامة الجلاد»، مربى ماشية، التجار والوسطاء، بالتسبّب فى رفع أسعار اللبن الجاموسى، حتى وصل إلى المستهلك بسعر 10 جنيهات للتر. وأرجع سبب ارتفاع السعر إلى استغلال التجار الموقف، وغلاء الأعلاف، وارتفاع تكلفة إيجار الأراضى، حيث يتراوح إيجار الفدان الواحد، خلال موسم الشتاء، بين 7 و8 آلاف جنيه، أما أسعار الأعلاف، والمتمثّلة فى «الذرة الصفراء»، فقد ارتفع ثمنها إلى 4 جنيهات للكيلو، بينما ارتفع سعر «الردة» إلى أكثر من 4 جنيهات، فضلاً عن إصابة عدد كبير من رؤوس الماشية بالكثير من الأمراض، مما كان له أثر سلبى فى انخفاض الثروة الحيوانية، كما أن نفوق المواشى كل عام، دون تعويض من الدولة للمربين، كان سبباً مباشراً فى تقلص الثروة الحيوانية.

وأضاف قائلاً: «كل شىء أصبح غالياً، المياه المستخدَمة فى الرى بـ3 جنيهات للمتر، ويستخدم الفلاح كميات كبيرة من المياه فى تربية العجول، ومتوسط الشرب لعجول العلف، وكذلك ماشية إنتاج اللبن، يبلغ من 40 إلى 60 لتراً يومياً، وقديماً كنا نعتمد على مياه الترعة، وكانت نظيفة، لكننا حالياً لو استخدمناها فى تغذية المواشى، هيموتوا، بعدما اختلطت مياه الترع بالصرف الصحى. وأشار إلى أن نسبة البروتين فى قش الأرز محدودة للغاية ولا تتخطى 4%.

واشتهرت دمياط بمصنع ألبانها الذى كان جزء كبير من منتجاته يخصّص للتصدير، واكتسب شهرة كبيرة بعدما غزت منتجاته السعودية والإمارات والكويت والأردن، ودولاً أوروبية وأفريقية، إلى أن وضعت الحكومة نهاية حزينة لقصة نجاح ذلك المصنع، الذى تبلغ مساحته نحو 6.5 فدان، أى 40 ألفاً و322 متراً مربعاً، حيث قامت الهيئة العامة للصناعات الغذائية ببيعه للبنوك، وفاءً لديون مستحقة عليها، بقيمة 8.5 مليون جنيه، وفى أعقاب إتمام بيع المصنع، الذى كان يعمل به أكثر من 1200 عامل وإدارى، تم إغلاق أبواب المصنع، وتشوين ماكيناته فى قطعة أرض فضاء، تابعة للهيئة، بالإسماعيلية.

{long_qoute_3}

وكان هذا المصنع أحد 9 مصانع لمنتجات الألبان بالجمهورية، إلا أنه كان أكبرها حجماً، وهى مصانع «الإسكندرية، وطنطا، والمنصورة، وكفر الشيخ، والإسماعيلية، وكوم أمبو، ونستو، والقاهرة»، كانت مملوكة لشركة مصر لصناعة الألبان والأغذية المحفوظة، وأثناء عملية بيع المصنع، تمت «المقايضة» عليه، على أساس أنه «أرض غير مستغلة».

وعن عملية بيع المصنع، قال الدكتور شريف الدمرداش، خبير اقتصادى، لـ«الوطن»، إنه «لا بد بداية من الوقوف على أسباب توقف المصانع عن العمل، حتى يتم تحديد أسلوب العلاج»، مضيفاً أنه «قد يرجع التوقف لخلل فى التقنيات، أو الإدارة، أو نقص السيولة، ولا يمكن تعميم السبب على جميعها، فلكل مصنع أسباب بعينها للتوقف، فقد يعود السبب لخلل فى تدبير السيولة المطلوبة، لوجود فجوة بين دورة الإنتاج والبيع، ورغم ذلك قد ينتج المصنع منتجاً جيداً، وعليه طلب كبير، ومن الممكن أن تتدخّل الدولة لإعادة تشغيل المصانع من هذا النوع».

وتعبيراً عن رفضه بيع مصنع ألبان دمياط، أقام «محمد الطرابيلى»، أحد المحامين من أبناء المحافظة، دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإدارى برأس البر، ضد كل من رئيسى مجلس إدارة البنك الأهلى وبنك مصر، ومحافظ دمياط، ورئيس الوزراء، ووزير التموين، بصفتهم، ويطلب فى دعواه إلغاء قرار بيع أرض ومنشآت ومحتويات المصنع، وما ترتب على ذلك القرار.

وأكد مقيم الدعوى «مخالفة قرار البيع للقانون والعدالة والتشريع بمعناه الواسع، وضد المصلحة العامة، ويشمل سوء الإدارة والتعسّف فى استخدام السلطة، والمخالفة لوعود وقرارات الحكومة بإلغاء الخصخصة». ودعا الحكومة إلى «استخدام بدائل، كالاكتتاب بالأسهم للشعب، كما حدث بقناة السويس الجديدة، أو تمويل من صندوق تحيا مصر». وطالب بصفة مستعجلة، وقف تنفيذ قرار بيع أرض ومحتويات المصنع، بكل صوره ومشتملاته، أو لحين الفصل فى الدعوى، وإلغاء قرار البيع بكل صوره وأشكاله، وبطلان كل التصرّفات السابقة والحالية بشأن أرض مصنع ألبان دمياط ومشتملاته، سواء بالرهن أو التسليم والتسوية للبنوك، مقابل الديون على الشركة القابضة، وعدم جواز استغلال أرض المصنع ومشتملاته فى غير الغرض الذى تم بقرار إنشائه، وهو تشغيله لصناعة وبيع منتجات الألبان.


مواضيع متعلقة