وزير أوقاف اليمن: آن للمتصدرين للفتوى أن يتقوا الله في الشعوب

وزير أوقاف اليمن: آن للمتصدرين للفتوى أن يتقوا الله في الشعوب
- الأدلة الشرعية
- السنة النبوية
- الفقه المقارن
- القرآن الكريم
- اللغة العربية
- الهوية الإسلامية
- حب الناس
- دار الفتوى
- دماء الأبرياء
- رجال الدولة
- الأدلة الشرعية
- السنة النبوية
- الفقه المقارن
- القرآن الكريم
- اللغة العربية
- الهوية الإسلامية
- حب الناس
- دار الفتوى
- دماء الأبرياء
- رجال الدولة
قدم القاضي الدكتور أحمد عطية وزير الأوقاف والإرشاد اليمني بحث للأمانة العام لدور وهيئات الفتوي في العالم برئاسة الدكتور شوقي علام حول « دور الفتوى في الحفاظ على هوية».
وقال «عطية» في بحثه: الفتوى مرسوم ديني في شريعة الإسلام، يقوم بإصدارها علماء الفقه والشريعة حسب الأدلة الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، ويصور الإمام الشاطبي رحمه الله مكانة المفتي أدق تصوير بقوله: "المفتي هو القائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم"، ولمَّا كان للفتوى هيبتها القدسية ومكانتها العظيمة؛ فقد لزم ألا يتصدر للاشتغال بها إلا من كان أهل لها صفةً وخُلقًا وعلمًا ودراية، والمتصدرون للفتوى قليل على الجملة، وهم نوادر العلماء الأبرار وأعدادٌ من المجتهدين الأخيار، قد شربوا من مناهل المعرفة معظم ما صُنفَ وكُتبَ في الغابر والحاضر، واستوعبت عقولهم تجارب الأمس واليوم، واستشرفوا بتقدير حكمتهم مسائل الغد والمستقبل، كما أن إصدار الفتوى يكون في قضايا تحتمل أكثر من رأي وفي مستجدات معاصرة، لكنها تقرر حالة من الانسجام الإيجابي بين مسار الحياة العامة وروح الإسلام الحنيف، والفتوى اجتهاد شرعي في أمر من أمور الفقه الإسلامي تأتي نتيجة غياب الجواب الواضح الصريح في مسائل ومستجدات ذات أبعاد سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو دينية، ويتفق عليها عدد من العلماء المعتبرين.
وأضاف: «للمفتي صفات وشروط ينبغي ألا تتناقص أو تغيب فهي وكما أَصَّلَ لها علماؤنا في القديم والحديث من كون المفتي مسلمًا مؤمنًا تقيًّا ورعًا فلا بد أن يتصف بالعدل، وأن يكون ثقةً أمينًا متنزهًا عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، فقيهُ النفس سليم الذهن رصين الفكر صحيح التصرف والاستنباط، قوي الضبط ومستيقظ الشعور، ومع صفات الخُلق العظيم لا بد من اكتمال الدراية العلمية والإحاطة المعرفية والوصول إلى درجة الاجتهاد وامتلاك زمام الفقه والفهم والاستنباط، والجلوسُ استحقاقًا على كرسي الإمامة في علوم شتى أهمها علوم القرآن الكريم من ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وتأويله وتنزيله ومكيِّه ومدنيِّه، ثم علوم الحديث والمصطلح واللغة العربية بكل تفريعاتها، وعلم أصول الفقه والفقه المقارن، والإلمام بالفتاوى الكبرى في الماضي والحاضر على مختلف اتجاهاتها وظروفها وأسبابها، وعلى المفتي أن يكون أشد حرصًا على تنقيح وظيفته من كل شوائب سوداء تُخِلُّ بالفتوى أو تحط من قدره ومكانته، فهو المخلص في دينه والمتجرد في عمله، والمستشعر دومًا لحاجته إلى عون الله وتوفيقه وتأييده، كذلك فالمفتي مثل كوكبٍ مضيءٍ قد شَعَّتْ منه أنوار العلم والخُلق والمكانة الرفيعة، وحوى من الصفات والمؤهلات ما جعله دليلًا للسائرين وهداية للحائرين وبلسمًا للضرير والسقيم والعليل.
{long_qoute_1}
وتابع: لكي نصون الفتوى من تعدي الظالمين وأطماع المُغرضين فينبغي أن تُسند لأهلها ممن اكتملت فيهم شروط الفتيا والإمامة، ونكون بذلك قد أغلقنا الباب على كل متطفل باغٍ ومتنطع مغرور، ونكون قد نزهنا الفتوى من جشع المتعالمين وأنصاف المتعلمين وأبعدنا المتقوِّلين والمتعلقين بأستارها والطوافين في حماها مِن غير سندٍ ولا برهان، ومما يلزم الفتوى في زماننا أن تكون مقترنةً بالمستجدات والحوادث مما سكت عنه الشرع رحمة بالناس ورغبةً في اختبارهم بسنةِ الابتلاء والامتحان، ويلزم الأمة وخصوصًا العلماء ورجال الدولة والسياسيين وأصحاب الفكر والتأثير أن يبنوا سياجًا منيعًا يحمي الفتوى من افتئات البغاة الغاشمين، وتعدي الغلاة الظالمين، وأن يجعلوا الفتوى في حصنٍ حصين يمنع تسلق المارقين وتطفل المدلسين والدجالين.
وقال "عطية": المفتي ميسرٌ لا معسر ومسهل لا منفر، وهو الوسطي في قياسه والميزان في إنتاجه، يحفظ أحكام الإسلام من تلاعب المتهاونين، ويشدُّ من عزيمة السائرين في طريق الحق بالقول الحسن والحجة القاطعة، والمفتي يحقق إقرار الخالق في تشريف هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطًا بين الأمم، فهي السائرة بين خطين منحرفين وهما خَطَّا (الإفراط والتفريط) وبسبب هذا التوسط استحقت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون شاهدة على الناس والنبي شاهدًا عليها، فالدين متين ووصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن نوغل فيه برفق فما شَادَّ الدين أحد إلا غلبه، والمُنْبَتُّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.
وتابع بقوله: ولما كان من الأمور المقررة أهمية الفتوى وخطر تأثيرها على المستفتين، فلا بد أن يتحرى المفتي في اجتهاده إصابة الحق ما وسعه ذلك، ومن مقاصد الشارع على المكلفين: حملهم على التوسط في شأنهم كله من أمور الدنيا والدين؛ من غير إفراط ولا تفريط، وأي خروج عن منهج الوسط هو في حقيقته خروج عن قصد الشارع، والانحراف عن الوسطية يؤدي إلى جنوح المكلف لأحد الطرفين المذمومين الخارجين عن الجادة، وهما: الجفاء أو الغلو وهما الابتعاد عن الهدي الشرعي في الاعتقاد والسلوك، فدين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، فكما أن الجافي عن الأمر مُضيعٌ له، فالغالي فيه مُضيعٌ له أيضًا، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بمجاوزته الحد، وعدم تحرير هذه المصطلحات والمعاني بشكل دقيق يوقع في كثير من الخلط والنزاع، ويؤدي إلى فساد التصور الذي ينبني عليه -في الغالب- عدم صحة الأحكام، وعلى الأمة أن تراجع نظرتها إلى الفتوى؛ فلا تستسلم إلى ما آلت إليه من ضعف وهوان، ولا تتشدد في حكمها عليها فتحجبها عن طُلَّابها، وتقطع عن مريديها سُبل الوصول إليها.
{long_qoute_2}
وأضاف: مما يؤسفُ له أن تصبح الفتوى كلأً مباحًا لكل جائع وشارد، ولكل عصابة مارقة امتهنت الفتوى لتقتات بها على دماء الأبرياء فتشرع للجرائم وتؤصل للعنف وتُقَنِّن للإرهاب وتُنَظِّر للتطرف، فويلٌ لهؤلاء وهم -باسم الله- يسفكون الدماء وينتهكون الحرمات ويعتدون على الحقوق والممتلكات، ويروعون الآمنين ويثيرون الفتن ويشعلون الحروب، ويقولون على الله ما لا يعلمون، والله ورسوله وشريعة الإسلام بريؤون مما يرتكبه هؤلاء من فسقٍ، وما تخطه أيديهم من فتاوى وأحكام، وما تَلُوكُه ألسنتهم من افتراءٍ وأباطيل، فأمتنا اليوم أمام مسؤولية عظيمة ومهمة جسيمة، تتمثل في مواجهة العنف بكل أشكاله وأنواعه، وأخطره عنف الفتاوى وتطرف الأحكام والتصورات، وضبط الفتوى وتنظيمها أصبح واجب الوقت ومهمة العقلاء والربانيين من علماء ودعاة وقادة مخلصين.
وتابع: غاية الفتوى أن تخلق في ضمير الناس حب الله وحب التدين وحب الأوطان، وحب إشاعة العدل والرحمة والمساواة، وحب الناس أجمعين، وغاية الفتوى في بلاد الأقليات المسلمة أن يجد المستفتي ما يُشجعه على التمسك بدينه والاعتزاز بانتمائه وما يُحَفِّزُهُ على الاقتدار بتقديم نفسه قدوةً حسنةً للآخرين في أقواله وأفعاله وأفكاره وسلوكه، فالفتوى من أعظم الحراس الأمناء على الهوية الإسلامية، فكلما كانت خالصة متجردة كانت صمام أمان لاستمرار الشريعة وبقائها وامتياز صلاحيتها في كل زمان ومكان، لهذ كان من أوجب الواجبات إعادة الاعتبار للفتوى ابتداءً باقتصارها على أهلها الشرعيين، ثم تطوير وظائفها من خلال اعتماد الهيئات والمؤسسات الخاصة بها، وإعداد الدراسات والبحوث المطورة لها، وعقد المؤتمرات والملتقيات والندوات المنظمة لشؤونها على المستوى القُطْري والإقليمي والدولي، ومِن رد الاعتبار للفتوى أن تخصص لها منابر وقنوات ومواقع معتبرة تليق بوظيفتها وتُناسب مقامها، ويتفرغ لنقلها والتوسط بينها وبين جمهورها إعلاميون محترفون يتميزون بحسن الخُلق وسحر البيان، وعلى العلماء ورجال الثقافة والإعلام وأصحاب الكلمة والتأثير أن يصنعوا هيبة الفتوى في القلوب والضمائر، وأن لا يسمحوا لغير أهلها بالاشتغال بها صيانةً لجوهرها وحرصًا على قداستها.
{long_qoute_3}
وإكمل حديثه: فتوى التكفير فكرة شيطانية أوحى بها إبليس إلى الغالين ليفتنوا الناس في دينهم، ويشعلوا فتيل الحقد والكراهية في أوساطهم ليصدوا عن سبيل الله وعن دين الحق، فالإسلام بمناهجه الصحيحة بريء من فِرْيَة التكفير التي انبرى لها ضعاف النفوس وهم يفتون بغير علم فضلوا وأضلوا، وعلى الأمة أن تتبرأ من هذه الفكرة الشيطانية وأن تحاصر أشرارها وتوعي المجتمع بخطر هؤلاء التكفيريين على هوية الأمة وعقيدتها وأخلاقها واستقرارها، فرسالة الإسلام جاءت لتخرج الناس من ظلام الجهل والتخلف إلى مروج الأنوار والحضارة، ومن أتون الشقاء والهوان إلى رحابة العدل والسعادة، ليس بالتكفير والتجريم والخيانة وإنما بالسماحة والحكمة والموعظة الحسنة.
وإختتم بقوله: لقد عانت أمتنا الويلات من جراء الفتاوى الخاطئة، فاختلط الحابل بالنابل والغث بالسمين؛ فأصبح لزامًا على أمة الخير والفضيلة أن تطهر واحة الفتوى من الشوك والحنظل والأثل والقتاد، فآن لفوضى الفتاوى أن تتوقف، وآن للمتصدرين لها أن يتقوا الله في شعوب قد أعياها التعب وأنهكها القتل والتشريد والحرب، وآن لخوارج العصر أن يعتبروا بما حل بالأمة في القديم والحديث جراء الفتاوى الخاطئة والمنبثقة عن رغبة الانتقام والتسلط، وحان الوقت أن تمسح أمتنا عن جبينها غبار الزمن وضبابية الفتوى، وتسوي خلافاتها مع فكرها وتصوراتها، وتحزم أمرها، وتسند فتاواها إلى أهلها الشرعيين من أصحاب الدين والعقل والحكمة.