نعيم حمد الله: أول عملية أطلعها من ساعة ما دخلت «البحرية».. وأخذت بثأر لنشات «عونى عازر»

نعيم حمد الله: أول عملية أطلعها من ساعة ما دخلت «البحرية».. وأخذت بثأر لنشات «عونى عازر»
- أول عملية
- إطلاق الصواريخ
- الحديد والصلب
- السلطات المصرية
- السواحل المصرية
- الطيران الإسرائيلى
- العدو الإسرائيلى
- الكلية البحرية
- المدمرة إيلات
- أحمد شاكر
- أول عملية
- إطلاق الصواريخ
- الحديد والصلب
- السلطات المصرية
- السواحل المصرية
- الطيران الإسرائيلى
- العدو الإسرائيلى
- الكلية البحرية
- المدمرة إيلات
- أحمد شاكر
ملامح تبدلت، وجسد نحيل، وظهر قد انحنى من تقدم العمر، هو كل ما تبقى من العريف نعيم حمد الله، 72 عاماً، عامل الرادار الذى كان يعمل على لنش صواريخ 501، الذى شارك فى إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات، يوم 21 أكتوبر 1967، كما شارك فى غيرها من العمليات البحرية.
على أريكة فى إحدى شقق الطابق الخامس، بإحدى عمارات شارع الحديد والصلب بمنطقة العجمى فى محافظة الإسكندرية، يجلس نعيم مرتدياً بنطلوناً وتى شيرت وكاسكت على رأسه، يخفى معظم وجهه الأسمر، يتذكر بدايات التحاقه بالكلية البحرية، فيقول: «بعد الإعدادية دخلت البحرية متطوع، ودرست دبلوم رادار، وكان عندى وقتها 17 سنة، واخترت إنى أتطوع فيها عشان أنا كنت حابب البحرية وعاوز أكون ظابط بحرى، واتخصصت فى سلاح الرادار بناء على التدريبات والاختبارات اللى قدمتها الكلية».
بعد التخرج تم ترشيحه للعمل على لنشات الصواريخ: «اللواء الثانى للنشات الصواريخ كان بيختار الأوائل على الدفعة عشان يمسكهم سلاح الرادار، فأنا كنت الأول على الدفعة بتاعتى، فاختارنى كعامل رادار على لنش صواريخ 501».
كانت مهمة «نعيم» على اللنش من أهم الوظائف، لأنها تتطلب ذكاء وسرعة خارقة: «حياة كل الطاقم على اللنش متعلقة فى إيد عامل الرادار، لأن فى أى عملية قائد اللنش بيسلمه قيادة اللنش والتصرف، وكمان كل اللى على اللنش بيخلصوا مهمتهم قبل إطلاق الصواريخ، لكن اللى بيفضل شغال هو عامل الرادار».
«كانت أول عملية أطلعها من ساعة ما دخلت البحرية، هى عملية إغراق إيلات»، قالها نعيم متذكراً، يواصل: «كنت دايماً بطلع تدريبات، لكن دى كانت أول مرة أشترك فى عملية بحرية حقيقية»، بذهن حاضر يروى «نعيم» ذكرياته داخل البحرية، قائلاً: «جمال عبدالناصر اتنحى واحنا كنا فى بحر إسكندرية مستعدين باللنشات لأى أمر ييجى لنا بالاشتباك، عرفنا إن حصل نكسة فى البلد، كان عندى وقتها 22 سنة، رُحت سبت اللنش وطلعت على الرصيف»، يمرر نعيم أصبعه على وجهه قبل أن يقول: «أول ما سمعت خطاب التنحى قعدت عيطت على الرصيف، وأقول لنفسى يا ترى إيه اللى حصل عشان عبدالناصر يتنحى»، وتابع: «بصيت لقيت صحابى فى الطاقم اتجمعوا وعمالين يهتفوا عبدالناصر لازم يمسك البلد، وعدى اليوم ده، وتانى يوم جالنا القائد بتاعنا، وقالنا اهدوا عبدالناصر مش هيسيب البلد، وهنحارب إسرائيل ولو بالعصيان، وسمحوا لكل واحد فى الطاقم بساعتين يشوف أهله».
ظلام دامس، لا يكسره سوى أضواء منبعثة من الإسكندرية، تخلق ظلالاً على مياه البحر، يودعها «نعيم» بعينيه وقلبه، وكأنه سيراها لآخر مرة، متسائلاً هل سيرجع ويراها من جديد أم لا، عند توجه اللنشين لميناء بورسعيد فجراً، بعد أن قامت السلطات المصرية بتهجير أهالى بورسعيد تحسباً للحرب.
«قعدنا شهر فى ميناء بورسعيد، شفنا فيه الويل، والموت أشكال وألوان، والطيران الإسرائيلى عمل فينا عمايل، يعنى يوم كنت قاعد بتغدى أنا وزمايلى على سطح اللنش، فوجئت بطيران فوق رأسى بمسافة قليلة جداً، رحت ممدد على الأرض بسرعة، وضربوا يومها عمارة وفندق فى بورسعيد»... يتذكر نعيم.
تمتلئ عينا «نعيم» بالدموع، عند تذكره اليوم الذى توفى فيه زملاؤه فى لنشات عونى عازر، التى توجهت للاشتباك مع المدمرة إيلات عند اقترابها من السواحل المصرية، فلم تعد بمن عليها: «فى يوم كنت نايم فى اللنش، ودخل حسونة، عامل لاسلكى فى اللانش 501، عشان يصحينى، وبلغنى إن زمايلنا ماتوا فى الاشتباكات، وبقيت أبكى وأقول ليه ما بعتوناش احنا»، وقتها امتلأ قلب «نعيم» بالغيظ من العدو الإسرائيلى، وراح يتشوق لليوم الذى يأخذ فيه ثأر أصحابه، الذين راحوا شهداء فداء للوطن.
يتذكر نعيم أنه بعد مأساة لنشات عونى عازر عاد اللنشان اللذان يعمل على أحدهما مرة أخرى للإسكندرية، ليبقوا فيها 15 يوماً، قبل أن يعودوا مرة أخرى إلى بورسعيد، وفى يوم 20 أكتوبر عام 1967، أمر قائد اللنش «نعيم» بتشغيل الرادار، وبالفعل قام بتشغيله، ليظهر هدف على شاشة الرادار: «أى هدف بيظهر على شاشة الرادار فى صورة نقطة، فما كناش نعرف إيه هو الهدف ده، والقائد طلب إنى أوقف الرادار»، مواصلاً: «تانى يوم اللى هو 21 أكتوبر، الساعة 4 العصر تقريباً، طلب القبطان منى أشغل الرادار، وفجأة لقيت اللنش طالع، حسيت إن المرة دى هنشتبك فيها بجد».
سيطر الفرح الممزوج بالخوف على قلب «نعيم»، فقد جاءت اللحظة التى ينتظرها «بفارغ الصبر»، ولكنه يخاف أن يلقى مصير زملائه: «كنا طالعين خايفين جداً، لأن مفيش قوات جوية بتحمينا، والصواريخ كانت أول مرة تستخدم، وشايف على الرادار هدف ما أعرفش هو إيه بالظبط، وعشان أحسب السرعة الطولية والعرضية اللى بينى وبين الهدف ومسافته واتجاهه النسبى واتجاهه فى الحقيقة، لازم ما يزيدش الوقت عن دقيقة، لكن فى اليوم ده عمال أظبط الهدف، ومش عارف أحكمه، واكتشفت إن فيه عطل فى الأتوماتيك، عدت دقيقه ونص ومش عارف أحدد سير الهدف»، بيده اليسرى يشير «نعيم» إلى جبهته قائلاً: «فى الوقت ده، حسيت بالعرق الساقع وهو نازل على وشى كله، مش عارف أعمل إيه، الكلمة فى الوقت ده بحياة»، وعند استعداده لإطلاق الصاروخ، فوجئ بصوت قائد اللنش، وهو يقول له إن أحمد شاكر، قائد السرب، واللنش 504، قد أطلق الصاروخين، وأغرق الهدف وأن عليهم أن يعودوا باللنش مرة أخرى إلى بورسعيد، وفور وصول «نعيم» إلى بورسعيد، بعد مرور ساعة من إغراق الهدف الأول، قابله عدد من الصيادين، وأخبروه بأن قائد اللنش 501، لطفى جاد الله طلب رؤيته، ليذهب له «نعيم» فيفاجئه جاد الله بوجود هدف آخر بالبحر: «طلعت اللنش، ورحت الاشتباك للمرة التانية، كان إحساسى فيها أصعب من المرة الأولى، لأن المرة الأولى كان فيها مفاجأة لإسرائيل، لكن المرة دى إسرائيل ممكن تكون عرفت باللى حصل، واحنا مش عارفين إذا كان ده نفس الهدف اللى ضربه أحمد شاكر، ولا ده هدف غيره».
«رحنا منطقة الاشتباك، وفى أقل من دقيقة ضربنا الصاروخين، ولقيت واحد زميلى على اللنش بينادى عليّا، وبيقولى تعالى يا نعيم شوف المركب مولعة إزاى، طلعت على سطح اللنش وشفت نار ودخان على آخر مرمى البصر، على بعد لا يقل عن 18 كيلومتر، كان وقتها الساعة 7 المغرب، ونزلت تانى أراقب الرادار»، يواصل نعيم.
لا يعرف نعيم عدد المدمرات التى تم إغراقها خلال العملية: «لحد دلوقتى ما حدش يعرف إذا كانوا مدمرتين ولا مدمرة واحدة، وساعتها لما قالوا إنها مدمرة واحدة حصل مشاكل بين طواقم اللنشين، حول مين اللى غرق المدمرة، بس بعد كده قائد اللنش بتاعنا اجتمع بينا، وقالنا إن الصاروخين اللى غرقوا إيلات صواريخ لانش501، لأن الصواريخ بيكون عليها أرقام مسجلة، بعد لما رجعنا إسكندرية اتعمل احتفالات كتير لنصرنا، وأهلى وأصحابى، واشتركت فى أكتر من عملية بعد الإغراق، وكنت موجود فى حرب أكتوبر، لكن على البر فى تصليح اللنشات، وفضلت فى البحرية لغاية سنة 1990، وبعد كده اشتغلت ظابط أمن فى شركة خاصة»، يتذكر نعيم.
تزوج نعيم عام 1969، وكانت طبيعة عمله فى البحرية تحرمه من بيته وأولاده أغلب الوقت: «زوجتى كانت عارفة إن البلد فى حالة حرب».
احمرار شديد بعينيه، تتخلله الدموع، يقول نعيم: «كفاية إنى حاسس إن ربنا هو اللى كرمنى، مش محتاج حد من البشر يكرمنى، أنا عارف إنى عملت حاجة عظيمة للبلد، وإن ربنا هيجازينى بيها فى الآخرة، ولحد دلوقتى لازم أشوف البحر كل يوم، لو ماشفتوش يوم أتعب، لأنى قضيت حياتى كلها فى البحر».