جبهة مواجهة «السحابة السوداء»: «حرائق القش» تنخفض 32٪ و«البيئة»: منعنا حرق 1200 طن.. و3 أقمار صناعية لرصد المخالفات

كتب: محمد مجدى

جبهة مواجهة «السحابة السوداء»: «حرائق القش» تنخفض 32٪ و«البيئة»: منعنا حرق 1200 طن.. و3 أقمار صناعية لرصد المخالفات

جبهة مواجهة «السحابة السوداء»: «حرائق القش» تنخفض 32٪ و«البيئة»: منعنا حرق 1200 طن.. و3 أقمار صناعية لرصد المخالفات

فتحت وزارة البيئة خزائن أسرارها حول عمليات مكافحة موجات تلوث الهواء الحادة، المعروفة إعلامياً بـ«السحابة السوداء»، حيث رافق محرر «الوطن»، شهاب عبدالوهاب الرئيس التنفيذى لجهاز شئون البيئة، على «جبهة» المواجهة، كما يحلو لقيادات الوزارة تسمية دوريات مكافحة «السحابة» فى 6 محافظات بالدلتا، لرصد طريقة عملها، وسرد التفاصيل الكاملة لـ«الحرب على السحابة السوداء»، بمشاركة عدد من قيادات الوزارة، منهم الدكتور سعد زامل، رئيس فرع جهاز شئون البيئة بالبحيرة، ومحمود بسيونى، عضو وحدة الدراسات الفنية والمتابعة بمكتب وزير البيئة، وأحمد توفيق، مدير عام الإعلام والإنتاج الفنى بالوزارة، ومسئولين بوزارة الزراعة، والمحليات فى محافظة البحيرة.

بدأ رئيس «شئون البيئة»، الجولة بالحديث عن وجود قرابة الألف موظف من رجال وزارة البيئة كل المهام الموكلة لهم هى العمل على مواجهة موجات تلوث الهواء الحادة، التى تظهر فى فصل الخريف نتيجة عدم تشتت الملوثات فى الهواء، لافتاً إلى أن الوزارة «تحارب»، «السحابة السوداء» على أكثر من جبهة، بعد تحديد مصادر تلوث الهواء فى مثل هذا التوقيت من العام.

{long_qoute_1}

وشرح «شهاب» لمحرر «الوطن» أسباب «نوبات التلوث» وكيفية مواجهتها، قائلاً إن هناك 4 مصادر أساسية لـ«السحابة السوداء»، أولها حرق المخلفات الزراعية، وخاصة «قش الأرز»، والتى تمثل 42% من مصادر التلوث فى مثل هذا الوقت من العام، وتحديداً خلال الفترة من 15 أغسطس حتى 15 نوفمبر، حيث يتم حصاد مساحات الأرز المنزرعة فى محافظات الدلتا، وحرق «القش».

وأوضح رئيس «شئون البيئة» أن الوزارة تحقق حتى الآن نجاحات كبيرة فى مواجهة «السحابة السوداء»، حيث زاد إقبال الفلاحين والمزارعين على كبس «القش»، والاستفادة منه، وتجاوباً مع حملات التوعية البيئية التى دشنتها الوزارة لهم، من خلال الجلوس معهم سواء فى الحقل أو فى ندوات لتوعيتهم بإمكانية الاستفادة منه فى عمل أسمدة أو أعلاف، وهو ما حفز المزارعين على استخدامه، بالإضافة لاستخدام 3 أقمار صناعية لمتابعة نقاط الحرق، واستخدام الفيس بوك للإبلاغ عن الحرائق من قبل المواطنين، وصولاً لاستخدام «التليجرام» فى متابعة «الحرائق».

وأضاف «شهاب» أن هناك 300 عنصر من رجال جهاز شئون البيئة موزعون على المحافظات التى يتم حصاد الأرز بها حسب مناطق الحصاد، يتحركون، وبصحبة بعضهم «ضبطية قضائية»، بحيث يضبطون أى مخالفة بالحرق المكشوف لقش الأرز، التى تكون عقوبتها بين 5 آلاف و100 ألف جنيه أو الحبس، وحال تكرار العقوبة تتضاعف، وهى عقوبة يحددها القضاء وحده، ولا يجوز التصالح فيها بحكم القانون، مع الاستعانة بالمطافئ ورجال الدفاع المدنى لمواجهة الحرائق الكبيرة. بدأت الجولة منذ لحظة ركوب السيارة وبدء التحرك على طريق «شبرا - بنها» الحر، الذى اختصر الطريق حتى محافظة البحيرة بأكثر من نصف ساعة، حيث قال رئيس شئون البيئة حينها، إن المشروع القومى للطرق أحد سبل مكافحة تلوث الهواء، لأنه سيقلل من الانبعاثات الصادرة عن السيارات والمركبات المختلفة، لافتاً إلى أن مشروعات الكهرباء التى تعمل بالطاقة الجديدة والمتجددة، وغيرها من المشروعات تقلل من الانبعاثات، مما سينعكس إيجابياً على البيئة ويحسن نوعية الهواء فى مصر.

ونقطة الوصول كانت محافظة البحيرة، وبمجرد أن وطئت أقدامنا أرض المحافظة شاهدنا العديد من الماكينات التى تقوم بأعمال فرم قش الأرز، وأخرى تقوم بـ«كبسه»، وسط منظومة عمل تجرى بشكل منظم وفجأة شاهدنا انبعاث حريق عبارة عن دخان أبيض وسط الزراعات، فقال «عبدالوهاب» إن ما حدث فى هذا الموسم هو إنجاز كبير، ولكن الوزارة لن تتمكن من القضاء على كل حرائق قش الأرز، ولكنها توفر الآليات اللازمة لاستغلاله.

وأشار رئيس «شئون البيئة» إلى أن دولة الإمارات استوردت كميات من قش الأرز من مصر مؤخراً، مضيفاً أن الحكومة تسعى لتوفير فرص عمل وصناعات جديدة للشباب، نظراً لوجود رواج لتجارة معدات التعامل مع القش فى المحافظات التى تزرعه، فضلاً عن مشاهدة معدات فى الحقول تأتى كاستعمال من الخارج بسعر أرخص من سعر المعدات الجديدة. وأوضح «شهاب» أن دراسات تحديد أسباب «السحابة السوداء»، تشير إلى أن عوادم السيارات والمركبات تأتى كثانى أسباب نوبات تلوث الهواء الحادة، بالتساوى مع الانبعاثات الصناعية، بنسبة 23% لكل منهما، ثم حرق المخلفات البلدية الصلبة بواقع 12%.

وبالحديث عن انبعاثات «المركبات»، وصلنا لإحدى حملات التفتيش على الانبعاثات الصادرة من السيارات فى «إيتاى البارود» بمحافظة البحيرة، وكانت «الحملة» مشكلة من عاملتين من فرع جهاز شئون البيئة بـ«البحيرة»، وبصحبتهما جهازان حديثان لقياس الانبعاثات الصادرة من السيارات، بالإضافة لعدد من رجال وزارة الداخلية.

وتابعت «الوطن»، عن قرب، سير الحملة حيث يتم اختيار سيارة بشكل عشوائى، وإخضاعها للدراسة بواسطة الأجهزة، وسأل «شهاب» عن نسبة توافق السيارات مع حدود الانبعاثات الملوثة المسموح بها، فوجدها مرتفعة عما هو متوقع، فقال لهم: «أنا مش عايز أعمل محضر أأذى بيه الناس.. لأن الغرض مش جباية، لازم يكون فى حملات توعية، وتنزلوا ببرشورات فيها أضرار عوادم السيارات».

وأوضح رئيس «شئون البيئة»، أن الحملات تتم بشكل عشوائى مفاجئ على الطرق، وفى حال ضبط سيارة تخرج منها كمية ملوثات شديدة يتم إجراء محضر، وسحب الرخص، ويتم إعادة اختبار فحص السيارة بعد 60 يوماً، لو كانت مطابقة للمواصفات يتم دفع غرامة، والتصالح، وتعاد له الرخص، وإما يتم تحريك قضية فى حال عدم التصالح.

{long_qoute_2}

انتقلنا بصحبة «شهاب» لمركز «إيتاى البارود» حيث يتم تجميع محصول الأرز، وكبس «القش»، أو حتى «حرقه»، وفى طريقنا لـ«الريف»، قال رئيس «شئون البيئة»، إن الوزارة دورها المفترض فى منظومة مواجهة «السحابة السوداء» هو رصد مؤشرات ونوعية الهواء فقط، وهناك أدوار لجهات حكومية أخرى، إلا أن الدكتور خالد فهمى، وزير البيئة، يتبع سياسة أن الوزارة «بتنزل وتشمر وتشتغل» فى القضايا الحساسة التى تحتاج للتدخل السريع، وبدأ جهاز شئون البيئة منظومة المواجهة على الأرض منذ عهد المهندس أحمد أبوالسعود، رئيس الجهاز الأسبق.

وبالوصول للريف، وجدنا أغلب الأراضى تعمل على كبس وفرم وجمع القش، وقال «شهاب» إنه يتم توعية الفلاحين منذ موسم ما قبل «الحصاد»، بأهمية «القش»، وإمكانية استغلاله اقتصادياً. وانضمت إلينا خلال الجولة عدد من سيارات دوريات التفتيش البيئى، وقال «شهاب» إن نحو 300 فرد يعملون فى هذه الدوريات، ليس بشكل عشوائى، ولكن بناء على توقعات مدى سكون الهواء، وغيرها من المؤشرات التى يقوم برصدها قطاع نوعية البيئة بجهاز شئون البيئة، موضحاً أنه يتم توجيه «الدوريات»، التى تسميها الوزارة «محاور»، لأكثر الأماكن المتوقع حدوث أزمات بها، مع تخصيص محور احتياطى لكل محافظة تقريباً.

وقال إن الوزارة ضاعفت عدد مواقع تجميع قش الأرز هذا العام لتبلغ 500 موقع تجميع فى محافظات منظومة المواجهة الـ6، موضحاً أن الحجم التقديرى لكمية قش الأرز بها هى 3.5 مليون طن، يفترض أن تتعامل الوزارة معها، وعدم حرقها خلال 75 يوماً فقط، مشيراً إلى أنهم يحاسبون المتعهد عن جمع القش بـ50 جنيهاً لطن القش الواحد بعد نهاية الموسم، مع حصولهم عليه، حيث يوجه لمزارع الخيول، أو التصدير، أو للاستخدام الصناعى، أو استخدام الفلاح ذاته، مؤكداً أن طن القش الواحد وصل سعره لـ1200 جنيه فى بعض أوقات السنة لأنه أصبح بديلاً عن الأعلاف غالية الثمن، كما يستخدم لإنتاج السماد العضوى.

وخلال الجولة اقتربنا من كومة كبيرة تشبه التربة الزراعية، وبالاقتراب منها وجدنا أنها عبارة عن كومات سماد، حيث قال رضا رحيل، مسئول ما يعرف بمنظومة «المزارع الصغير» فى محافظة البحيرة، إنهم يعطون المزارعين أصحاب المساحات الصغيرة من الأراضى يوريا ومواد لعمل كومات سماد من القش، والمتر الواحد منها يباع بـ220 جنيهاً فى السوق، أو يستخدم لـ«تسميد الأرض».

وخلال حديثنا مع «رضا»، شاهدنا دخاناً كثيفاً يتصاعد من من إحدى الأراضى، ظننا أنها قريبة منا ولكن الوصول إليها استغرق نحو 15 دقيقة بالسيارة بخلاف 10 دقائق أخرى داخل الأراضى الزراعية حتى وصلنا لموقع الحريق، الذى كان يبعد نحو 10 كيلومترات من مكان الأرض الزراعية الأولى، وحين وصلنا للأرض وجدنا قرابة 700 متر من الأراضى محروق بها كميات من قش الأرز، وحينها وجدنا مزارعاً يملك أرضاً تجاور «الأرض المحروق القش بها»، وقال لرئيس «شئون البيئة»: «وفروا مكابس وماحدش هيحرق»، فأشار أحمد عبدالحفيظ، أحد مسئولى محاور وزارة البيئة لمواجهة «السحابة السوداء»، إلى موقع قريب لا يبعد نحو كيلومتر عن مكان الأرض فقال الفلاح: «ارحمونا، ممكن أدفع 700 جنيه عشان جمع وكبس القش»، فرد عليه «شهاب»: «البالة بتتعمل ومش هتكلفك 3 جنيه يا حاج، والناس نزلوا حملات توعية وأكيد كلكم عارفين»، ورداً على قول الفلاح له «ارحمونا»، قال: «واللى بيطلع فى صدره الدخان ويموت هو وعياله مين هيرحمه»!.

وقال رئيس «شئون البيئة»، لـ«الفلاح»: «لو كنت شايف إن المنطقة هنا محتاجة موقع تجميع غير اللى هناك اعمل طلب، وافتحه وده مشروع مربح»، ثم غادر «شهاب» أرض المزارع، والتفت إلى محرر «الوطن» قائلاً إن القش يتم أخذه من الفلاح «ببلاش» فى المنظومة، مقابل تأجير المكبس للمتعهدين فى مواقعهم بـ200 جنيه فى اليوم.

مشيراً إلى أن المتعهدين كانوا يرفضون أن يحصلوا على معدات الكبس أقدم من عامين من تاريخ الحصاد، ولكن الطلب المتزايد عليها دفعهم لأخذ أى موديلات، والمهم أن تعمل، وعن إمكانية حدوث أعطال بها قال إن هناك بروتوكولاً مع وزارة الزراعة للتعامل مع هذه الأعطال، وتجرى عمليات الصيانة للمعدات. وشدد رئيس «شئون البيئة»، على أن الدولة تعى وجود بواقى قش قليلة فى أرض المزارع، لا يتم كبسها أو جمعها، وتكون قليلة للغاية، ومن ثم يتم التغاضى عن الحرائق البسيطة، ولكن الدولة «بتحارب الافترا فى حرق القش»، لافتاً إلى أن الدولة أنفقت قرابة 100 مليون جنيه على معدات التعامل مع «القش»، منذ بدء منظومة المواجهة حتى الآن، لافتاً إلى أن المعدات التى يتم تأجيرها للمتعهدين تؤجر بـ«سعر مدعم». وأضاف أن الوزارة تدرس إمكانية توريد مفارم للقش للفلاحين بسعر من 10 إلى 15 ألف جنيه خلال الموسم المقبل بالتعاون مع جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، والذى حل محل الصندوق الاجتماعى للتنمية، وذلك بديلاً للمكابس التى وصل سعرها حالياً لـ300 ألف جنيه، موضحاً أن عقوبة من يحرق المخلفات الزراعية وقش الأرز فى القانون هى الغرامة 5 آلاف جنيه حتى 100 ألف جنيه، والحبس، ولا يجوز التصالح فيها، وحال العودة يتم مضاعفة العقوبة. وأكد أنه يتم تنظيم حملات تفتيشية على الفواخير، والمسابك، والصناعات الثقيلة الملوثة للهواء، والطوب، ومكامير الفحم، وغيرها من المصادر الصناعية التى تسبب تلوث الهواء، مع تفاعل من قيادات القطاع الصناعى، وتركيب أجهزة رصد لحظى للملوثات الخارجة من مداخن تلك المنشآت.

وتساءل: «هل حلوان مثلاً النهارده زى من 20 سنة فاتت؟!».. ثم أجاب بالقول: «لا.. الوضع اتحسن.. زمان لما كنت تقفل الشيش وتفتحه تلاقى أسمنت متحجر على الشباك.. دلوقتى الوضع أحسن بكتير»، مشيراً إلى أن حرائق قش الأرز تراجعت بنسبة 32٪ حتى يوم 6 أكتوبر.

{long_qoute_3}

من جانبه، قال محمود بسيونى، مسئول منظومة متابعة حرائق القش على «التليجرام»، إنه يتم استخدام تطبيق مطور لصالح معرفة الإحداثيات التى يتم التوجه بها عبر الـ«GPS»، وأطلع محرر «الوطن» على سير عمل المنظومة، حيث يتم تحديد نوع الحريق سواء كان قش أرز أو مخلفات بلدية أو غيرها من الحرائق، ومدى استدعاء المطافئ من عدمه، ومساحة الحريق، وإحداثياته، وهل تم عمل محضر بشأنه أم ماذا. وأضاف الدكتور مصطفى مراد، رئيس الإدارة المركزية لنوعية الهواء والحماية من الضوضاء بالوزارة، أن جهود مكافحة «السحابة» أثمرت عن منع انبعاث نحو أكثر من 1200 طن من ملوثات الهواء نتيجة النجاح فى تدوير كمية من قش الأرز، والتى كان سيكون لها تأثير سلبى كبير على جودة الهواء فى الدلتا والقاهرة الكبرى.

وأضاف «مراد» أن أعمال المتابعة مع المنشآت الصناعية الكبرى المرتبطة بالشبكة القومية لرصد الانبعاثات الصناعية ساهمت فى خفض أحمالها البيئية، حيث تم النجاح فى خفض الملوثات الصادرة بكمية تقدر بأكثر من 150 طناً.

من جانبه، قال سعد زامل، مدير عام فرع جهاز شئون البيئة بالبحيرة، إن أعمال كبس وتشوين وفرم قش الأرز، أدت إلى تراجع عمليات الحرق بنسبة 50%، حيث إن عدد محاضر حرق القش 347 محضراً، وفى العام الماضى كان نحو 700 محضر، مشيراً إلى أن ذلك يعود لعمليات التوعية للمزارعين، مضيفاً أن القش أصبح سلعة لها سوق وسعر.

وأضاف «زامل» أن فى منطقة المحمودية فى محافظة البحيرة كان يصل سعر قش الأرز لـ900 جنيه فى موسم مواجهة «السحابة السوداء»، والآن يتراوح سعره بين 1200 و1400 جنيه، وهو مربح للمتعهد، ومفيد للفلاح حتى لا يأخذ مخالفة غرامتها حدها الأدنى 5 آلاف جنيه، طبقاً للقانون.

 

مزارع يجمع «القش» بعد استخلاص الأرز من المحصول

كبس كميات من «القش» فى البحيرة

.. والحرائق لم يتم القضاء عليها تماماً بعد

عامل أثناء جمع قش الأرز

رئيس شئون البيئة مع متعهد لجمع القش


مواضيع متعلقة