خبراء: الأدوية المغشوشة تدمر الخضراوات والفاكهة بالمحافظات

كتب: محمود عبدالرحمن

خبراء: الأدوية المغشوشة تدمر الخضراوات والفاكهة بالمحافظات

خبراء: الأدوية المغشوشة تدمر الخضراوات والفاكهة بالمحافظات

شدد الخبراء والباحثون فى مجال علم النبات على ضرورة مواجهة «مافيا» الاتجار فى المبيدات المغشوشة، التى تحولت إلى مصدر لانتشار الأمراض للإنسان والنبات وتؤدى إلى تدمير المحاصيل الزراعية، كما حدث فى محافظة كفر الشيخ، وأجمعوا على أن معظم المبيدات الحالية المتوافرة بالأسواق غير آمنة على صحة المواطن وبعضها يدخل البلاد بشكل غير شرعى عن طريق التهريب وبعضها الآخر يكون منتهى الصلاحية أو مغشوشاً ويتم تصنيعها فى مصانع بير السلم بمحافظتى البحيرة والدقهلية.

وقال الدكتور محمد عبدالحميد عابدين، الباحث فى مجال تربية النبات، إن المبيدات المغشوشة، طبقاً لتعريف لجنة المبيدات المصرية، هى المبيدات المهجورة أو الراكدة، وهى مخزنة لم يعد من الممكن استخدامها بحالتها التى عليها، وقد يُستخدم مصطلح نفايات المبيدات أو المبيدات غير المرغوب فيها كتعريف أوسع، وكما يطلق عليها أيضاً المبيدات «سيئة السمعة» والمنتهية الصلاحية، والتى يجب التخلص منها على الفور، نظراً لسمّيتها الشديدة وأضرارها التى تسبب أمراضاً خطرة، وليس تجاوزاً إذا قلنا إن معظم المبيدات الحالية الموجودة فى مصر غير آمنة على صحة المواطن المصرى، ومهربة أو مغشوشة أو منتهية الصلاحية.

{long_qoute_1}

وأضاف «عابدين» أنه يتحتم على المسئولين فى مصر إيجاد حلول جذرية لتلك القضية الخطيرة التى تهدد بقاء مصر عضواً فى المنظمة العالمية للأغذية والزراعة «الفاو»، خاصة مع وجود تقارير كثيرة رسمية لدى المنظمة، تؤكد أن مصر بها مخالفات وتجاوزات عديدة فى سوق المبيدات، سواء فاسدة أو منتهية الصلاحية أو مغشوشة من خلال تقليد العلامات التجارية للمبيدات الأصلية، أو مبيدات محظورة دولياً مثل اللاندين والـ ddt أو مبيدات تستخدم لرش الخضراوات وهى مخصصة لمحاصيل أخرى مثل القطن، حيث إن تأثيرها السام والقاتل يصل لمدة قد تزيد على 45 يوماً، وبالتالى لا يمكن أبداً استخدامها فى رش الخضراوات التى تعطى محصولها قبل هذه المدة الزمنية بكثير، مع ضرورة فرض إجراءات رقابية رادعة على من يثبت تورطه فى منظومة بيع المبيدات المغشوشة، سواء أفراد أو تجار تجزئة أو موردون أو موزعون أو شركات إنتاج أو حتى مستودعات التخزين، وللأسف معظمها غير مرخص، ولذا يصعب التفتيش عليها ما لم تكن هناك بلاغات حقيقية عن أى نشاط مشبوه فى سوق المبيدات.

وأكد «الباحث» أنه يجب تشديد الرقابة على المحال المرخصة والقيام بحملات تفتيشية مفاجئة عليها، خاصة أن الرغبة فى تحقيق ربح زائد تجعل كثيراً منهم يحتفظ بالعبوات الأصلية على الرف فى واجهة المحال حتى يخدع الجهات الرقابية، ولكنها تبيع المبيدات المغشوشة للمزارعين من خلال احتفاظها بها فى مخازنها الخاصة أو غير المرخصة.

{long_qoute_2}

وعن أهم أسباب فساد المبيدات الأصلية، قال «عابدين» إن معظم المبيدات صلاحيتها عامان فقط، وغالبية الفلاحين لا يشترون من التوكيلات والشركات الأصلية ومنافذها المفتوحة رسمياً وذلك لغلو أسعارها أو بُعد مسافة منفذ البيع الرسمى عن محل إقامتهم، وبالتالى يوفرون احتياجاتهم من المبيدات من الخارج من مصانع خاصة غير مرخصة أو منافذ غير رسمية وتعمل فى الخفاء، الأمر الذى يتطلب زيادة أعداد العاملين المتخصصين فى لجان الرقابة والمتابعة فى وزارة الزراعة مع منحهم صلاحية الضبطية القضائية حتى يستطيع المفتشون تغطية كل المحلات والشركات العاملة فى هذا المجال على مستوى الجمهورية، وخاصة المناطق النائية التى تعتبر سوقاً رائجة للمبيدات المغشوشة والمهربة، المقبلة عن طريق الحدود الشرقية مع إسرائيل أو الغربية مع ليبيا أو الجنوبية مع السودان، إذ تعد مناطق سيناء، الصالحية، الخطاطبة، النوبارية، وادى النطرون، الواحات، الوادى الجديد، الطريق الصحراوى الغربى، توشكى والعوينات من أكثر الأماكن التى تباع فيها مبيدات فاسدة ومغشوشة. ويجب فرض رقابة شديدة على الأنفاق فى سيناء وعلى الحدود الليبية والسودانية حيث يتم جلب مبيدات مغشوشة ومسرطنة ومحظورة دولياً، مع إجراءات تفتيش السيارات المقبلة من هذه المناطق الحدودية وتحمل شحنات مبيدات قبل توزيع ما تحمله من شحنات ليس لها أوراق رسمية وغير مصرح بتداولها والتحفظ عليها وتتبع خط سيرها للقبض على المتورطين فى غش المبيدات أو تهريبها.

وأشار «عابدين» إلى ضرورة اتباع طرق حديثة للتخلص من المبيدات المنتهية الصلاحية أو المغشوشة، وذلك عن طريق الحرق فى محارق ذات درجة حرارة عالية تتجاوز الـ 1200 درجة مئوية، أو الدفن تحت سطح الأرض فى حفر وتبطن هذه الحفر بطبقات قوية من الخرسانة الإسمنتية، أو المعاملة الكيميائية باستخدام القلويات والأحماض حيث تغير من تركيبة المبيدات إلى نواتج آمنة غير سامة، كما أنه أصبح من الضرورى جداً استخدام بدائل المبيدات الآمنة، وهى عبارة عن مركبات حيوية ومواد طبيعية غير ضارة للإنسان أو النبات أو البيئة، كما أنها رخيصة الثمن مقارنة بالمبيدات الكيماوية، حتى نواكب تطور العصر فى الزراعة العضوية التى صدر قانونها مؤخراً وجاء متأخراً جداً، وهى تعد من المتغيرات اللافتة للنظر فى مجال مكافحة ووقاية النبات من الآفات، ووقاية الإنسان من أضرار متبقيات المبيدات الكيماوية والحفاظ على البيئة المصرية من الملوثات الكيماوية.

وقال الدكتور حاتم أبوعالية، الباحث بقسم بحوث التنمية الريفية فى مركز البحوث الزراعية، إن مصانع بير السلم التى تقوم بغش المبيدات تنتشر فى قرى سلكا ونوسا الغيط بمحافظة الدقهلية، وبمدينة دمنهور بمحافظة البحيرة، ومحطة الترانزيت بمنطقة النوبارية، ووادى النطرون فى محافظة البحيرة، طبقاً لما هو مسجل فى بحوث وضبطيات مركز البحوث الزراعية خلال العامين الماضيين، ووفقاً لإحصائية رسمية لوزارة الزراعة، بلغت نسبة الأدوية والمبيدات المغشوشة فى مصر 21% من إجمالى المبيدات المصنعة، بتعاملات مالية تصل لمبلغ 2 مليار جنيه سنوياً.

وأضاف «أبوعالية»، أن عملية غش المبيدات تتم بعدة طرق، إحداها عن طريق وضع سائل «الفينيك» على زجاجة المبيد لسهولة إذابته فى المحلول الكيميائى للمبيد حيث يشكل لوناً أبيض مليئاً بالرغاوى مثل اللبن الحليب، والطريقة الثانية تتم بإضافة بودرة السيراميك أو الجير على المبيد لتشابهها مع شكله ورائحته، وطريقة ثالثة، يتم فيها إضافة الجاز على المبيد، حيث ينتشر بسرعة فى الوسط الكيميائى، فيؤدى إلى احمرار الأوراق للمحاصيل واحتراقها، وفى الطريقة الرابعة يُضاف هرمون «مُحسن البصل» وهو نوع من البودرة بيضاء اللون يشبه بودرة السيراميك، ذو رائحه نفاذة وهذا الهرمون يجعل نبتة البصل تتضخم فى أقل مدة ممكنة ومن ثم يصيبها بالعفن بعد ذلك.

وأشار الباحث إلى أنه أثبت فى رسالة الدكتوراه الخاصة به، أن أراضى محافظة كفر الشيخ المزروعة بالخضراوات والفاكهة، تم تدميرها بشكل كامل، نتيجة استخدام الأهالى عبوات مقلدة للمبيدات الأصلية، ومن خلال جمع المعلومات من الأهالى، أخبروه بأن تجار المبيدات يشترون العبوات الفارغة من سريحة الخردة ويقومون بتعبئتها مرة أخرى فى منازلهم وإعادة بيعها للفلاحين، يحدث كل ذلك فى ظل غياب لجان الرقابة والتفتيش التابعة لوزارة الزراعة.

«ضرورة إعادة هيكلة لجان الرقابة والتفتيش على المبيدات، ووجود ملحق تجارى بسفارتنا فى دول العالم المختلفة للتأكد من صلاحية المبيدات الواردة إلى مصر، وإنشاء معامل فرعية فى المحافظات لاختبار المبيدات، مع ضرورة دعم الأبحاث العلمية المقاومة للآفات الزراعية»، حلول يطرحها «أبوعالية» من أجل النهوض بالزراعة وحماية الفلاح مما وصفه بـ«مافيا» الاتجار فى المبيدات المغشوشة، التى تحولت من النهوض بصحة النبات والإنسان، إلى مصدر للمرض والخراب، فبعد أن يقضى الفلاح عدة شهور يعمل فى أرضه يفاجأ بفساد محصوله وضياع مجهوده.


مواضيع متعلقة