جولة داخل 3 أفراح شعبية ببولاق الدكرور: «هتعورنى أعورك»

كتب: أحمد العميد

جولة داخل 3 أفراح شعبية ببولاق الدكرور: «هتعورنى أعورك»

جولة داخل 3 أفراح شعبية ببولاق الدكرور: «هتعورنى أعورك»

على مسافة نحو 200 متر تتراص الدراجات النارية ومن خلفها مقاعد على شكل دوائر صغيرة أو جلسات مغلقة، رغم ضيق الشارع البالغ عرضه نحو 5 أمتار فقط، ومن خلفها أقيم السرادق على شكل مستطيل طويل ترتفع أعمدته الخشبية إلى نحو 10 أمتار لتتدلى منها مصابيح ليزر، بينما على طول ساقها يربط جدار السرادق من القماش اللامع والمزين بألوان مختلفة، بينما يأخذك السرادق إلى العمق حتى تصل إلى نهايته، حيث مكبرات الصوت العملاقة الموضوعة على منصة خشبية مرتفعة عن الأرض يقف عليها مجموعة شباب يمسكون بـ«ميكروفون» يوجهون به عشرات الشباب أسفلهم بالابتعاد أو الاقتراب من المنصة والنداء إلى مَن خارج السرادق للدخول إليهم ومشاركتهم فى رقصاتهم، داخل شارع مستشفى الرضوة بمنطقة «الطابق» ببولاق الدكرور.

{long_qoute_1}

هذه المنصة المقامة على عدد من مكبرات الصوت العملاقة «دى جى»، تخفى من يجلس خلفها، حيث النساء والبنات بمعزل عن الشباب، ويتركزن أمام «الكوشة» لالتقاط الصور مع العروسين، ليصبح هذا الحفل الشعبى مقسماً إلى ثلاثة أقسام، ما بين رجال وشباب فى مقدمته خارج السرادق، وصبية يرقصون داخل السرادق، وما بعد السرادق القسم النسائى بعيداً عما يجرى فى مقدمة «الفرح».

كانت لـ«الوطن» جولة فى عدد من الأفراح الشعبية فى بولاق الدكرور، والتى تشابهت إلى حد كبير فى أجوائها وطريقة إدارتها، فى داخل «فرح» مستشفى الرضوة كانت الأجواء أكثر صخباً، فمنذ الساعة التاسعة بدأ «المعازيم» فى التوافد إليه، بينما يدير الحفل المسئول عن الـ«دى جى» مشجعاً إياهم على الرقص بإذاعة أغان شعبية يحبونها، بينما تزيد من حماستهم أضواء الليزر التى تضىء وتنطفئ بطريقة خاطفة. {left_qoute_1}

رصدنا ما يجرى فى خارج السرادق، حيث كان الأكبر سناً والشباب الهادئون المشغولون بالحديث وتناول مخدر الحشيش ولفه على أحد المقاعد التى تتوسط الجلسة، بينما يُخدّم على هذه الجلسات أقارب العروسين بجلب الشاى لهم وأكياس «شيبسى» من الحجم الكبير، بينما يقوم أحدهم بتفتيت قطعة من الحشيش على ورقة بيضاء مفروشة بتبغ السجائر، ويخلطها حتى يعيد لفّ السجائر من جديد. هذا المشهد متكرر على أكثر من جلسة نُصبت فى خارج السرادق، حيث المصابيح البيضاء ذات الإضاءة العالية والتى يسودها الهدوء إلى حد كبير مقارنة بما يجرى داخل السرادق المظلم، حيث مصابيح الليزر لا يمكنها إضاءة ما بداخل السرادق المفتوح سوى لجزء من الثانية، ما يخلق جواً صاخباً وسط رقصات شباب وصبية تتراوح أعمارهم ما بين 16 عاماً وحتى الثلاثين، تبدو مناظرهم الخارجية مختلفة فى الشكل ولكن متّحدة فى الانطباع، بعضهم رؤوسهم ذات شعر طويل ملفوف «ضفاير» ومصبوغ بألوان «فاتحة»، وبعضهم الآخر شعرهم متوسط الطول لكنهم يحلقون جزءاً تماماً حتى الجلد ويتركون بعضه طويلاً، فيما تنتشر بينهم قصات شعر تُكتب خلالها أحرف على الرأس ما بين حرف الـ«m» وحرف الـ«z» أو الـ«w»، لم نتمكن من سؤالهم عن معنى الحرف، ولكن يبدو أنها الأحرف الأولى من أسمائهم أو من أسماء أشخاص عزيزين لديهم كعادة حمل الأحرف فى الميداليات الشخصية، بعض هؤلاء الشباب والصبية تظهر على وجوههم جروح قطعية قديمة تختلف أماكنها ما بين الخدين والذقن والجبهة وجروح أخرى متفرقة فى أجسادهم العارية التى تتصبب عرقاً من فرط الحركة والرقص المتواصل دون توقف بينما يزداد الرقص حدة والهياج اشتعالاً حينما يذاع أشهر المهرجانات الشعبية المنتشرة والذى يسمى «مزمار عبسلام» حتى يتطاير الغبار من بين الأقدام ويرتفع ويشكّل سحابة تزكم الأنوف، بينما يواصل الشباب العراة حمل بعضهم على الأكتاف والرقص بأسلحة بيضاء ما بين «مطواة» و«خناجر صغيرة».

ولم تكن على وجوههم آثار لجروح قطعية فقط، بل على أجسادهم أيضاً تظهر بوضوح جروح قطعية قديمة على مناطق مختلفة من الجسد المتصبب من العرق بفعل الرقص، حيث لاحظنا جروحاً على الذراع والصدر والكتف والظهر، وهى لا تزال معرضة للإصابة مرة أخرى بفعل الأسلحة البيضاء التى يمسكونها ويتحركون بها حركات خاطفة. بعض هذه الحركات هى نفسها الحركات المستخدمة فى الهجوم بالأسلحة البيضاء فى المشاجرة، حتى أصبح الرقص عبارة عن تمثيل لمشاجرة واقعة بينهما، لكن السرادق الضيق المكتظ بالشباب جعل أحد المشاركين فى الرقص يتعرض لجرح بسيط فى ذراعه، ما تسبب فى مشادة بينهما، إلا أن أصحاب «الفرح» تدخلوا هم والأصدقاء للتهدئة. أعقب فض المشاجرة صعود شاب يبدو أنه من أصحاب الحفل أو من الأقارب أو الأصدقاء وتحدث فى «الميكروفون»، ويسمى فيما بينهم «حديدة»، وألقى السباب لكل من يتشاجر ويفسد فرحة المشاركين فى الحفل الصاخب، ووصل فى تحذيره إلى حد السب بـ«الدين» لمن يفتعل مشكلة. على الجانب الآخر بينما ينشغل الشباب بالرقص وإشعال الشماريخ، يجلس العريس إلى جوار عروسه على «الكوشة» وبينما تحتفل السيدات والبنات بالحفل والرقص على بعض الأغانى، يقوم أحد أقاربه بسحبه إلى مقدمة الحفل ليتلقى التهنئة من «المعازيم» الجالسين خارج السرادق على المقاعد، بينما يخرج أحد العراة ويسحبه من كتف «بدلته» إلى السرادق حتى يصيح كل المحشورين داخله ويزيدون من قفزاتهم ورقصهم، ومن ثم يحملونه على الأكتاف، ويستمر كل الصبية والشباب بالداخل بالرقص حتى لا يجدون من يصفق لهم خلال رقصهم، ويخرج أحد الصبية «شمروخ» ويشعله ويلوح به يميناً ويساراً فى حركة دائرية حتى اقترب من جدار السرادق وكاد أن يشعله، إلا أن أحد الحاضرين أبعد يديه قبل أن يصطدم «الشمروخ» بجدار السرادق القماشى.

وبالحديث مع أحد الحضور بصورة سريعة عن الأجواء التى نراها من مخدر الحشيش والرقص بالأسلحة البيضاء، أوضح «محمد. أ»، شهير بـ«عبودة»، أنها عادات موجودة فى كل الأفراح، وأن مخدر الحشيش يتوافر بكثرة فى غالبية الأفراح، وأنه لا يباع داخل «الفرح» وإنما يجلبه صاحب «الفرح» أو يأتى به الضيوف ويقومون بتدخينه هم بل وتوزيعه على أصحابهم أو أقاربهم، معلقاً: «الأفراح ما بيتباعش فيها حشيش، هو كل واحد بيجيى وبيكون معاه الحشيش بتاعه وبيلف على الكرسى، ولو قابل العريس أو أخو العريس أو حد معرفة بيمسّى عليه، وساعات أصحاب الفرح هما اللى بيجيبو فرش حشيش ولا نص فرش وبيعملوا الواجب مع الضيوف».

وبسؤاله عن أسعار «فرش الحشيش» الذى قد يشتريه أصحاب «الفرح» لتوزيعه على الضيوف، يفيد بأن سعره يبلغ نحو 6 آلاف جنيه وأن وزنه 150 جراماً تقريباً، مشيراً إلى أن بعض «الواجبات» ليست مخدر الحشيش فقط وإنما أيضاً تشمل الحبوب المخدرة كالترامادول والتامول وغيرها، قائلاً: «وبرضو بيكون فيه واجب تانى شريط برشام ممكن يتوزع منه كام حباية على القعدة أو حتة أفيون، ده العادى يا أستاذ وفى كل حتة، اللى بينزل بفلوس بس هى البيرة، كل ترابيزة بتحاسب على البيرة اللى بتنزل، كان فيه فرح من فترة كان فيه بيرة وضرب نار بالبنادق الآلى للصبح، ودى الأفراح اللى المعازيم بتتكيف منها، لو كانت كبيرة وفيها رقاصات، بس كده كده إحنا بنعمل الواجب يعنى».

وعلى بعد نحو أقل من كيلومتر واحد فى أحد الشوارع المتفرعة من شارع «همفرس» ببولاق الدكرور، يحتفل نحو 60 صبياً بأحد الأفراح بالرقص عراة وإطلاق طلقات «خرطوش» فى الهواء بشارع يتسع بعرض 8 أمتار فقط وبنايات سكنية تتعدد طوابقها إلى 9 طوابق، ما يشكل خطراً على السكان بالشارع. اختلف هذا الفرح قليلاً عن سابقه، ففى زيارة سريعة إليه لاحظنا أن كل من يحضره هم أطفال وصبية من عمر 6 إلى 20 عاماً تقريباً، فيما يمسك أحد الصبية لا يتجاوز 15 عاماً «الميكروفون» مطلقاً السباب للأطفال الذين يحاولون إحداث شغب داخل الحفل، لكن فى هذا «الفرح» اندلع الشجار بين الأطفال أكثر من مرة، ويتدخل أصدقاؤهم لفضها، إلا أن الكثير من الأطفال والصبية تجردوا من ملابسهم عدا الملابس الداخلية من النصف الأسفل، واستمروا فى الرقص على الأغانى بصورة هيستيرية، وأطلقوا الألعاب النارية فى الهواء بعدما كف أصدقاؤهم عن إطلاق الأعيرة فى الهواء.

وعلى الصف الآخر من شارع جمال عبدالناصر الذى يتوسط منطقة الطابق ببولاق، يقام أيضاً «فرح» شعبى لا يبعد كثيراً عن الحفلين السابقين، إلا أنه كانت المفاجأة بمشاهدة عدد من الصبية يرقصون فى إحدى الحفلات السابقة، وهى التى انتهت جميعها ما بين الساعة الواحدة والثانية فجراً، وبسؤال أحدهم عن علاقته بأحد العروسين أشار إلى أنه من المنطقة ويذهب إلى أى حفل يسمع به أو يشاهد نصب سرادقه خلال النهار، قائلاً: «إحنا هنا ولاد المنطقة دى، حتى لو مش عارفين العريس ولا العروسة بنروح نرقص ونظبط الأداء، واحنا شلة مع بعض يعنى بنقضيها، وكفاية إننا جايين نعمل الواجب، إحنا مش جايين نبوظ الفرح»، مشيراً إلى أن عدداً آخر من الأطفال والصبية قد يفتعلون المشاكل ويتسببون فى كثير من الأحيان بمشاجرات تنهى الحفل وتفسده، وقد ينجم عن المشاجرة إصابات.


مواضيع متعلقة