حــرب الموصـل.. «الوطن» وسط نيران المعارك ضد «داعش» بالعراق

كتب: رسالة العراق: أحمد العميد

حــرب الموصـل.. «الوطن» وسط نيران المعارك ضد «داعش» بالعراق

حــرب الموصـل.. «الوطن» وسط نيران المعارك ضد «داعش» بالعراق

لم نكن بعيدين عن ميادين القتال، بل وسط هؤلاء المقاتلين من أبناء الموصل. لم نتوقع كيف كان المدنيون الأبرياء يعانون تحت حكم تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام «داعش»، وحتى كلماتنا لن تصف ما عاناه هؤلاء المدنيون الأبرياء تحت نيران المدافع فى أكثر حروب الشوارع ترويعاً على الإطلاق. لم يخلف الدواعش هنا سوى الأرض المحروقة، ومئات الآلاف من المشرّدين والأيتام والأرامل والمقهورين، مساجد مهدمة، وجثث متفحّمة، وبلد منهار، وأعمدة دخان أبيار النفط التى اشتعلت فيها النيران، وجسور مفجّرة، هذه الصور ما زالت شاهدة على فظائع «التنظيم». ما زالت الصرخات تعلو وتعلو، وتطغى حتى على أصوات المدافع والصواريخ، ما زال الكثيرون يتمنون الموت هرباً من الجحيم، واختفى الإيمان من صدور الناس، فالموت هو المخلّص الوحيد من المعاناة التى تبدو بلا نهاية، هل نتحدث عن النساء اللاتى أجبرن على النكاح أو ارتداء النقاب، وشاهدن أبناءهن وأزواجهن يجلدون، أو تقطع أيديهم، أو يلقون من المرتفعات لأى شبهة؟. هنا لا شىء يعلو على جنون القتل والترويع والاغتصاب والحرق، وكأنها نهاية العالم، أو القيامة التى لا تُبقى ولا تذر، هوسٌ عارمٌ لنشر الخراب والدم فى جميع الأرجاء، تلك هى الصورة التى ستظل طويلاً فى ذاكرة الإنسانية، شاهداً دامياً على جرائم التعصّب والإرهاب والقتل على الهوية.

{long_qoute_1}

مع بداية رحيل الليل، كنا قد استيقظنا فى أحد فنادق بغداد وحملنا أمتعتنا فى سياراتنا المدنية شمالاً إلى أكثر المعارك دموية فى تاريخ الحرب على داعش بالعراق، كان الطريق سهلاً حتى خرجنا من بغداد وبدأت الأكمنة تزداد كلما اقتربنا من سامراء، لم نكن وحدنا على هذا الطريق الطويل بل كانت ترافقنا سيارات تبث أغانى حماسية لحشد طاقة كل الأمة ومصادرها حتى النهاية فى هذه الحرب الأخيرة، هذه السيارات سيارات نصف نقل محملة بالأغذية والأطعمة التى تذهب مباشرة إلى مناطق القتال لإطعام الجيش وباقى القوات المشاركة وحتى النازحين عقب خروجهم من مناطقهم.

حملت هذه السيارات أعلاماً عدة ترفرف فوق السيارة التى تجرى بسرعة كبيرة تتجاوز الـ140 كيلومتراً فى الساعة، كان أغلبها يحمل أعلام الحشد الشعبى، وهى مساعدات تأتى من محافظة النجف عبر عتبات علوية وحسينية، اعتادت إيصال المساعدات الغذائية إلى مناطق القتال منذ بدء الحرب على داعش بالعراق، إلى جانب عدد من السيارات الخاصة التابعة لبعض المواطنين العراقيين المتكفلين ببعض المناطق لإطعام المقاتلين والنازحين، وبالكاد يحصلون على تصاريح أمنية للوصول بعرباتهم إلى هذه المناطق العسكرية.

{left_qoute_1}

كان معنا وفد من قناة الفرات العراقية، وجلس إلى جوارى ليث الجزائرى وهو أحد أشهر مقدمى البرامج فى القناة، اعتدت أن أوجه له الأسئلة طوال الطريق الذى سلكه هو من قبل، لتغطيته بعض المعارك أمام تنظيم داعش خلال العامين الماضيين. ما إن خرجنا من بغداد ووصلنا إلى منطقة «بلد» التى تبعد عن شمال بغداد بـ85 كيلومتراً، حتى أطلقت الشمس ضوءها فى كل الأرجاء، وازدادت سرعة السيارات إلى 150 كلم فى الساعة، حيث قلت السيطرة من بعد منطقة بلد فى الطريق المتجه إلى «سامراء».

كنا قد مررنا على 12 سيطرة «كمين» للوصول إلى سامراء، حيث عبرنا من المقر المسيطر من شرطة سامراء المقدسة وتتصدر مقدمتها لافتة مكتوب عليها «قيادة عمليات سامراء»، وعندها انقسم الطريق إلى ثلاث حارات بعد أن كان حارة واحدة، وخصصت حارة للسيارات النقل التى تحمل البضائع وتمر السيارات على جهاز الكشف عن المتفجرات وهى الحارة على اليمين وحارة أخرى للسيارات المدنية فى المنتصف يتم التأكد من السيارات، وثالثة فى أقصى اليسار للسيارات العسكرية، عبرنا نحن من حارة المنتصف واتجهنا نحو تكريت وكثرت بعدها السيطرات التى تحصن نفسها بسواتر هيسكو كبيرة (أجولة رمل عملاقة على شكل مكعبات محاطة بأسلاك).

كان من الغريب أن نمر من السيطرات دون تفتيش السيارات أو فحص من بداخلها، وبسؤال «ليث» عن جدوى السيطرات من دون تفتيش أخبرنى أنهم على علم بقدومنا، وليس نحن فقط بل كل السيارات التى تمر من هذه المنطقة، مؤكداً أن هناك قطاعاً من دبابات الأبرامز يقف على الطريق من تكريت إلى منطقة القيارة، يضرب مباشرة أى سيارة لم تحصل على تصريح العبور، حيث كل سيارة تحصل على تصريح المرور من هذا الطريق المتجه إلى الموصل من الجهات الأمنية.

تنوعت السيطرات من الشرطة الاتحادية إلى قوات من الحشد الشعبى، لكن عاملاً مشتركاً فى السيطرات الكبيرة وهو رجال من المخابرات يرتدون بدلات نبيتية اللون، وقبعات تشبه «باريه» الشرطة العسكرية لدى الجيش المصرى لكنها أقل قليلاً فى الحجم، ولا يرتدون سوى مسدسات معلقة فى أحزمة خصرهم، بينما بقية القوات مسلحة ببنادق ومدافع ثقيلة موضوعة على أجولة رمل أو مكعبات خرسانية وغرف محصنة، تعطلنا قليل فى هذه السيطرة ذات الفحص المتشدد، وما إن خرجنا منها حتى سلكنا الطريق إلى تكريت.

{long_qoute_2}

مررنا على الكثير من القرى فى تكريت وسامراء ومكيشيفة التى شهدت دماراً مروعاً، حيث لا يوجد منزل سليم على طول الطريق، المحال على الطريق مغلقة بأبواب اخترقها الرصاص حتى جعلها تشبه «المصفاة» ومحال أخرى ترقد على الأرض بعد أن كسرت المتفجرات أقدامها وحوائطها، ولا أحد ممن شاركوا فى الحرب فى ميكيشيفة يستطيع أن ينسى حجم الدمار الذى أصاب المدينة والمناطق المحيطة بها، ومع «منتظر» أحد المصورين بقناة الفرات الذى عايش هذه الحروب أيضاً ويعلم جيداً طبيعة الأهالى وكيف كانت ردة فعلتهم خلال الحرب على «داعش».

وأكد «منتظر» أن المعارك التى دارت فى هذه المناطق لم تكن فقط خلفت ثأراً بين الجيش والإرهابيين، ولكن طبيعة السكان جعلت هناك ثأراً بين العشائر، زاد من تأكيد الحديث «ليث» ليقول: «مشكلة العشائر هنا أنه وقع بينهم دم، مثلاً عشيرة الجبور والبو فهد، فى يوم واحد يقتلون 100 شخص من عشيرة واحدة، بسبب وجود الدواعش فى بعض هذه القبائل، والمشكلة أن الدواعش عراقيون، فبالتالى الثأر أصبح موجوداً بعد كل هذه المعارك»، مشيراً إلى أن شيوخ العشائر انتهوا فى تسويتهم إلى تهجير كل من تلطخت يده بالدم ويهدم منزله، أما عائلته فتبقى ولا أحد يمسهم بأى ضرر، لافتاً إلى أن الدواعش والخلايا النائمة ما زالوا ببعض المناطق المحررة ويتخفون بين الأهالى أو على الأطراف.

ويقول «منتظر»، إن السلاح ما زال منتشراً، وهو سبب فى ما يجرى بهذه المناطق، حيث من السهل على أى أحد ارتكاب عملية سطو أو قتل أو اختطاف، وأن كميات الأسلحة الموجودة كبيرة وانتشرت بعد الاحتلال الأمريكى، لأن الجيش العراقى ترك أسلحته كلها بالشوارع وغادروا بعد دخول الأمريكان مباشرة، مشيراً إلى أن السلاح كان يباع بالكيلو وصل سعر الكيلو إلى 2500 دينار عراقى، أى ما يعادل دولارين للكيلو، وأن الأسلحة التى كانت تباع هى الخفيفة والمتوسطة والثقيلة وكل أنواع المدافع، ما جعل الأسلحة بحوزة الجميع وزاد من سوء الأوضاع الأمنية.

ما إن انتهينا من الحوار حول وضع العشائر بعد تحرير المناطق ومقتل المئات من أبنائها، كنا قد وصلنا إلى منطقة بيجى ووقفنا أمام مسجد الفتاح، وهو مسجد مهدم بعد أن تم قصفه لتحويل الدواعش له كثكنة عسكرية وراهنوا على عدم دخول القوات العراقية هذه المنطقة، ولكنها الآن خاوية ومهدمة، نزلنا إلى المسجد وترجلنا وكانت المنطقة شديدة الدمار، كنت أسير وأنا أفحص الأرض المليئة بقطع الحجارة والكسور خوفاً من أن يوجد بها مفخخات أو عبوات ناسفة صغيرة، كنت قد حصلت على الخبرة الكافية لاكتشاف العبوات بالنظر دون الحاجة إلى أجهزة الكشف عن المتفجرات خلال الجولات الميدانية فى مناطق النزاع المسلح السابقة، وطوال الرحلة أسير وأنا أفحص الأرض الترابية الفوضوية بدقة لكشف إن كانت هناك عبوة أو قنبلة، وبعد أن استأنفنا السير وبمسافة ليست بعيدة مررنا على مصفاة بيجى، لننزل للمرة الثانية على أقدامنا، ويقول «منتظر»: شاركت كمصور فى معركة بيجى وكانت من أشد المعارك وأول قتيل من الدواعش فى هذه المعركة كان صينياً، وكان جهاز مكافحة الإرهاب هو من يخوض الحرب بقولة فى مصفاة النفط بيجى، حيث كانت لدى الدواعش رغبة كبيرة فى السيطرة عليها ليذاع صيتهم إعلامياً بأنهم يسيطرون على النفط.{left_qoute_2}

تقع مصفاة بيجى بين جبل مكحول والطريق السريع المؤدى بين تكريت والموصل، مساحتها الشاسعة زادت من صعوبة السيطرة عليها أو إحكام القبضة الأمنية، لذلك قام الدواعش بعمل أنفاق وخنادق كثيرة لإرباك الوضع الأمنى فى هذه المنطقة حتى انتهى الأمر بطردهم نهائياً وتراجعوا نحو القيارة، بعد أن أحرقوا مستودعات الوقود ومصافى النفط، وما زالت بعض أبيار النفط مشتعلة بعد عام من الآن، وهى تنتشر على الطريق من تكريت وحتى القيارة، فى بداية الأمر عندما كنت أشاهد أعمدة دخان كبيرة من نافذة السيارة كنت أظن إن أحد التفجيرات قد وقع أو تم إحراق كميات ضخمة من المخلفات لكن أكد لى المرافقون أن هذه هى أبيار نفط أحرقها الدواعش، وما زالت تشتعل وتنطفئ بحسب قوة الرياح، فما أن تأتى رياح قوية تشتعل من جديد ويتصاعد منها الدخان.

من بيجى وحتى الشرقاط انتشرت على جانبى الطريق خنادق صغيرة أقامها الدواعش لإبطاء القوات العراقية التى تتقدم نحو الموصل، حجم الخنادق مثير للدهشة، حيث قطعت السيارة نحو أكثر من 30 كيلومتراً، بينما خنادق تنتشر على جانبى الطريق، وهى السياسة التى اتبعها الدواعش فى إيقاف تقدم القوات عبر التخفى فى الخنادق للمهاجمة وزرع المفخخات، وما أن قطعنا 60 كيلومتراً حتى وصلنا إلى تقاطع الحضر والقيارة وبها شاهدنا أسواقاً تفتح محالها بينما بدا واضحاً على معالم السوق أنها كانت ساحة حرب وأعيد نشاطها.

نظراً للمساحة الشاسعة من الأراضى التى استعادها الجيش، احتاجت الدولة العراقية إحكام القبضة على هذه الأراضى لمنع أى هجمات من الدواعش، برعت عدد من ألوية الحشد الشعبى فى هذا الأمر ولا سيما اللواء الثامن سرايا عاشوراء ولواء المنتظر وسرايا الجهاد التى برعت أيضاً فى الهجوم والإسناد المدفعى، وهم بالفعل القوات التى تلازم هذه المساحات الشاسعة من الأراضى من بيجى وحتى الموصل، حيث إن قوات مكافحة الإرهاب تمثل رأس الحربة فى حرب الموصل، بينما تقوم قوات الجيش والشرطة الاتحادية بالإسناد واستقبال النازحين، أما قوات الحشد الشعبى فيتولون بعض مهام الإسناد المدفعى وتحرير بعض القرى المفتوحة ومسك الأرض بعد استعادتها.

وصلنا إلى الجانب الأيمن من الموصل حيث دخلت سياراتنا مركز قيادة العمليات وهى قاعدة أمريكية تبعد فقط نحو 10 كيلومترات من منطقة الاشتباك، تلقينا تعليمات صارمة بعدم فتح الكاميرات أو الهواتف لالتقاط الصور، يعج هذا المعسكر بالعربات المدرعة التابعة لجهاز مكافحة الإرهاب وهى عربات من طراز «Humvee»، بينما وبعد أن انحرفنا يميناً للدخول إلى المعسكر فوجئ الجميع بوحش كبير حيث المدرعة الأمريكية «mrap» كانت هذه هى المرة الأولى التى نشاهد فيها الوحش «mrap» منذ أن تحركنا من بغداد حتى الموصل، وهى عبارة عن مدرعة وناقلة للجند مضادة للألغام والعبوات الناسفة ومتطورة إلى حد كبير، لم تهدأ المدافع طوال انتظارنا الفريق عبدالوهاب الأسدى، قائد جهاز مكافحة الإرهاب، للحصول على تصريح بالانتقال إلى الجبهة ورؤية ما يحدث على جبهات الحرب الأخيرة.

هذه القاعدة الأمريكية بها مستشفى ميدانى عبارة عن مخيم كبير به أطباء أمريكيون يستقبلون الجرحى العائدين من المعركة ليجروا لهم الإسعافات الأولية، شاهدنا ثلاثة جرحى مصابين، بينما يتم إسعافهم تقوم بعض السيارات بحملهم ونقلهم إلى مناطق أخرى إلى مستشفيات فى المدن المحررة القريبة أو تنتقل بهم إلى بغداد، إن كانت الحالة فى حاجة إلى إجراء عمليات، يجرى العمل فى المعسكر بينما تجاوره أسلحة أمريكية تطلق النار بكثافة، ما جعلنا نظن فى البداية أننا نتعرض لهجوم والقوات تصده، لكن علمنا من الجنود الموجودين أن الأمريكيين يفحصون أسلحتهم وذخائرهم.

عند الساعة الرابعة والنصف سمعت صوت انفجار مختلف عن صوت المدافع الأمريكية التى كانت تطلق، حيث كان الجنود الأمريكيون يجربون ذخائر هاون ومدفع m 2 browning ومدفع vulcan وهى مدافع تطلق طلقات ذات أعيرة كبيرة يطلق عليها فى مصر «نص بوصة»، كان هذا التفجير خارج القاعدة حيث انفجر اللغم فى الزميلة الصحفية العراقية شفاء كردى ما أدى إلى مقتلها وإصابة الزميل المصور يونس مصطفى الذى كان برفقتها، بعد أن ترجلت من الطريق الأسفلتى واتجهت نحو الرمال للحصول على صورة كبيرة للموقع، لم أدر أن الصوت هو عبوة ناسفة وظننت أنه صوت مدفع قوى لم أره، خلف سور المعسكر، وبعد دقائق، خرجنا من المعسكر متجهين نحو أحد المواكب التى أسسها المتطوعون لتزويد القوات والنازحين بالطعام، وما أن خرجنا وجدت أحد الأشخاص المتطوعين بالموكب يقول لى: «أكو صحفية مالتكم طقت بيها عبوة هاى هناك، بقت أشلاء»، لم يكمل الحديث حتى رأيت سيارة تابعة لشبكة رووداو الكردية تسرع إلى الطريق السريع وتبعتها سيارة إسعاف، وأكد المتطوعون فى تقديم الطعام على الموكب أنها قبل دقائق وقفت لتناول بعض من الطعام وذهبت للتصوير بينما حذرها بعض المقاتلين من المرور إلى الجانب الآخر من الطريق لأنه غير نظيف، وبه عبوات، وبعدما تحققنا من موقع مقتل الصحفية، أشار إلينا أحد المتطوعين فى الموكب بأن الانفجار وقع أمام المعسكر الذى نتمركز فيه بمسافة 500 متر فقط.

عدنا ليستقبلنا أحد ضباط مكافحة الإرهاب وأوصانا بنفس التعليمات التى تلقيناها على مدخل المعسكر، وطلب منا الانتظار حتى يعود القائد من الجبهة، وبتدقيق النظر فى كميات المركبات المدرعة الموجودة فى القاعدة لاحظنا أن المدرعات «Humvee» همفى تمتلكها قوات مكافحة الإرهاب، بينما الوحش «mrap» الأكثر تطوراً خاص بالجنود الأمريكيين، تحدثنا مع عدد من قوات مكافحة الإرهاب العائدين من جبهة القتال ليروى لنا غانم الصغير ما يجرى بقوله: «أكو انتصارات نحققها لكن القتال كثير عنيف بسبب المفخخات، وداعش يخاف مواجهتنا ويتخفى بالبيوت».

ويضيف «الصغير» أن داعش استحدث فى حرب الموصل تكتيكاً جديداً وهو الطائرات المسيرة، موضحاً أنهم يستخدمون الطائرات المسيرة فى تنفيذ هجماتهم من خلال إدخال تكنولوجيا جديدة يتحكمون بها فى الطائرة عن بعد، حيث تحمل الطائرة قنبلة أو قذيفة هاون وتنطلق نحو سماء القوات العراقية وما أن تصور مركبات يقوم المتحكم فى الطائرة بإلقاء القنبلة وهو ما يسبب خسائر فى صفوف القوات والآليات، وبسؤاله عن التكتيك المواجه من قوات الجيش قال إنه يتم ضربها بالقناصة، موضحاً أنه تم إسقاط بعضها بالفعل وبعد الفحص ثبت أنها روسية وإسرائيلية الصنع.

وعن مشاركاته الأخيرة، أضاف أنه عائد من القتال وأن قوات مكافحة الإرهاب تمكنت من دخول منطقة حمام العليل وحى الأمير ومعسكر الغزلانى، إلا أن الأخير ما زال به بقايا دواعش، رغم أن المنطقة خالية من السكان إلا أن بعضهم ما زالوا محاصرين فيها ويتحركون من منزل إلى آخر، وبسؤاله عن قصف المنطقة طالما خرج كل الأهالى، قال «التعليمات من مجلس الوزراء صدرت بالحفاظ على حياة المدنيين أولاً ثم البنية التحتية»، فهمت أن فى هذه الحرب لا يمكن استخدام القصف الاستراتيجى وفقط القصف التكتيكى هو المسموح به، وبعد الحديث حضر الفريق «الأسدى» وسمح لنا بالانتقال إلى الجبهة لكن كان الليل قد حلّ، فاضطررنا إلى المبيت فى هذا المعسكر حتى شروق الشمس للانتقال إلى الجبهة.

{long_qoute_3}

مع حلول الشفق استيقظنا فى البرد القارس كان جسدى يرتعش من البرد واضطررت إلى الحركة السريعة لاكتساب جزء من الحرارة، ثم تأهبت وركبت مدرعة «همفى» خلف عدد من المدرعات التى كانت تتوجه نحو الجبهة، تقدمنا إلى أرض ترابيه خصبة، تلال صغيرة مخيفة، حيث تسير وتتقدم دون أن ترى ما خلف التل الصغير، كان الدواعش يستخدمون هذه التلال فى التخفى خلفها بعرباتهم المفخخة ثم الهجوم حال لحظة ظهور المركبات التابعة للجيش، كنا نتجه إلى القطاع الجنوبى من الجانب الأيمن للموصل وهو قطاع الخليفة المأمون.

تقدمنا بعرباتنا المصفحة والغبار يحيط بنا، وصلنا إلى خط الجبهة حيث تنعدم الطرقات أو الأسفلت، كان هذا فظيعاً دخل هذا الغبار الرطب الأصفر أو الأحمر إلى عيوننا وأنوفنا وأفواهنا، سمعنا أصوات الطائرات وهى تحلق على ارتفاعات شاهقة وتقصف مواقع الجبهة، لا يمكنك أن ترى الطائرة بل تسمع صوتها فقط، كنا برفقة الفريق الركن عبدالوهاب الساعدى.

بشعر يغزوه اللون الأبيض وقامة طويلة تصل إلى نحو 190 سنتيمتراً، يسير «الساعدى» وسط جنوده دون أى سترة واقية من الرصاص ويعاين ضبط الأوضاع العسكرية، ويفحص الخرائط ويوجه الطيران لضرب الأهداف، هذا الرجل سيطر على بيجى وتكريت وحرر الأنبار والفلوجة، وحقق انتصارات حاسمة، ثمة هدوء فى تعامله مع المعركة واتخاذ القرارات، بعينين حادتين ينظر إلى المعركة ويراقب الصواريخ وهى تهبط بقوة نحو أهدافها، ثم يعاود الاتصال بجهازه اللاسلكى ليتحقق من إصابة الهدف المطلوب، سرنا إلى جنب خطواته على الجبهة وتحدث لنا عن ما يجرى على أرض الواقع.

ويكشف «الساعدى»، أنه يتحرك فى هذه المعركة الأخيرة بحذر نظراً لكثافة السكان واختلاط الدواعش بهم، يؤكد المحارب البارع أن أسلوب الدواعش كان يتطور باستمرار المعارك، وأن معركة الجانب الأيمن من الموصل أظهرت نوعاً جديداً من الهجمات تمثلت فى الطائرات المسيرة، موجهاً بعدم القلق من هذه الاستراتيجية الجديدة، حيث قناصوه البارعون جاهزون للتعامل مع هذه الأهداف، متوقعاً أن تتأخر العملية لأجل الحفاظ على المدنيين، مشدداً على وجود خطة للتعامل مع هذا الوضع العسكرى الحرج.

وبسؤاله عن سبب توقعه بتأخر العملية رغم تحرير الجانب الأيسر بشكل سريع، وهو ضعف مساحة الجانب الأيمن، أكد أن الجانب الأيمن به كثافة سكانية وطبيعة جغرافية صعبة وأرض غير متعاونة مع الجنود، وأن الجانب الآخر أرضه منبسطة ومفتوحة تسهل على القوات التقدم، والاشتباك المباشر مع الدواعش. لم نتمكن من مواصلة الحديث مع الرجل ذى القامة الطويلة الذى يهابه «داعش»، تركنا القائد يقود دفة المعركة وانصرفنا إلى القوات التى تنتظر لحظة انطلاقها نحو العمق لإطلاق النيران، رفض السماح لنا بالدخول لانفجار 5 سيارات مفخخة بأول خط، مما أربك الخطوط الأمامية ومنعنا من التواصل مع القوات فى المقدمة لمرافقتهم.

بجسد صلب وبزة عسكرية سميكة تحكمها شدة ميدانية بها 6 خزنات للذخيرة وسلاح «m - 4» أمريكى، يقف حيدر جميل، 32 عاماً، شارك فى حروب عدة، لكن بالنسبة إليه حرب الموصل هى المعركة الأخيرة التى سيجلس بعدها ويرتاح، قتل هذا الرجل الكثير من الدواعش فى معركة بيجى، حيث كانوا يختبئون فى الخنادق الطويلة بينما يتتبعهم ببندقيته، وما إن يُخرج أحدهم رأسه ليطلق عليه وابلاً من النيران، قام بالخطة نفسها أيضاً فى الجانب الأيسر من الموصل، لكن فى الجانب الأيمن لم يعثر على أى خنادق يتربص للدواعش أمامها، لذا احتاج الأمر لأن تترك قوات المكافحة الشوارع للدواعش وتعتلى أسطح المنازل، لاصطياد قناصى الدواعش والطائرات.

يروى بعض الجنود الذين رفضوا الإفصاح عن أسمائهم وتصويرهم لوجود خلايا نائمة قد تتبعهم، أن الدواعش أقاموا خنادق طويلة لمهاجمة القوات من الخلف بعد تقدمها فى مناطق الاشتباك، بالإضافة إلى تصميم مدرعات من الخشب لخداع القوات بأنها معدات حقيقية، ومن ثم يكشفون موقع القوات التى تطلق النيران على الأسلحة المزيفة، حتى يقوم الدواعش باصطياد مصدر القذائف والصواريخ.

وهى خدعة قديمة استخدمها الألمان فى الحرب العالمية الثانية، حيث كانت تصمم هياكل دبابات من البالون ويقومون بنفخ هذه الهياكل ووضعها على بعض الجبهات لإيهام الروس بأن هذه الجبهة محصّنة ولا يمكن اختراقها، ويصرفون النظر عن اقتحام هذه المنطقة.

وتُعتبر قوات مكافحة الإرهاب العنصر الأساسى والرئيسى فى معركة الموصل، حيث تُعد القوة الرئيسية التى تقاتل، بينما بقية القوات تقف إلى الخلف أو تقوم بمهام إسناد وحمايات، كما تقلص دور الحشد الشعبى فى هذه المعركة عكس بقية القوات، ليبدو أن الجيش العراقى استعاد عافيته بهذا الجهاز البارع فى صيد الإرهابيين، وهو جهاز مكافحة الإرهاب. ولم يمر سوى أقل من ساعة حتى خرج النازحون بعد أن نثرت الشمس ضوءها فى كل أرجاء السهل المفتوح الترابى الخصب، خرجوا فى صفوف من بين نيران المدافع على أطراف المدينة، حاملين رايات بيضاء ومتاعهم، وما استطاعوا أن يأخذوه معهم تاركين خلفهم منازلهم وحكايات الرعب التى عاشوها فى هذه المدينة التى تسيطر عليها أشباح «داعش».{left_qoute_3}

لم يكن من السهل وقف بعض النازحين للحصول منهم على تصريحات صحفية، فهم خرجوا من جحيم لا يصدّقون ما رأته عيونهم، وهم فى حالة من الذعر والفزع، يفرون وهم متعطشون للمياه والراحة، بطونهم جوفاء وأعينهم باهتة، كدهم التعب والألم، إنهم قد خرجوا للتو من مقابر جماعية كانت مغلقة على أحياء، إلى صحراء واسعة يمرحون فيها كالطير الحبيس حينما يخرج.

كان على رأس النازحين سالم بدر، 37 عاماً، هو أول من تقدم صفوف النزوح والخروج العظيم من المدينة المشتعلة، شدة الانفجارات تسبّبت فى آلام مبرحة بالرأس، لذا ربط رأسه بشال أبيض حتى يتمكن من مواصلة السير والخروج إلى منطقة آمنة، حمل طفلين معه أثناء الخروج، وكان يُشجع عائلته على الخروج والجرى بدلاً من المشى، معلقاً بقوله: «أنا لو قدرت أطير راح أطير، هاى الحرية والرحمة، والهروب من الشياطين اللى ما يعرفون الرحمة ولا الدين»، يصف الرجل الذى ترك والده محصوراً لدى الدواعش، ونجا بإخوته وأولاده ورحل، مشيراً إلى أن والده يسكن فى موقع يتحصّن به الدواعش لا يستطيع أن يذهب إليه، أو أن يهرب أبوه منهم ويشارك العائلات فى النزوح.

أما شهاب أحمد، 36 سنة، يعمل «لباخ» (محار)، فى منطقة المأمون، فقد حالفه الحظ عندما رفض فتح المنزل للدواعش، وقال لهم عندى 5 عوائل، ما أقدر أدخلكم، متابعاً «ظلوا يدقون على الباب وأنا ما أفتح، أقول لهم عندى عوائل، حتى راحوا يطبون فى البيت اللى يجاورنى، وبعدها بساعات صعدوا إلى سطح العمارة، لكشف قوات مكافحة الإرهاب، لكن الطيران والمدفعية استهدفت المنزل»، مشيراً إلى أن القصف أدى إلى انهيار المنزل، مما تسبّب فى مقتل أبناء جيرانه ومحاصرة جيرانه داخل المنزل المهدّم، ومن بين المحاصرين تحت الأنقاض ابن جيرانه الصغير، لكنه لا يستطيع أن يدخل وينقذ طفل جيرانه، لأن الأطفال فى الشارع، ومحتمل قتلهم إذا تأخر عليهم.

أما أحمد على، فى العقد الخامس من عمره، ويعمل حداداً، فقد عاش فيلماً سينمائياً مرعباً داخل بلدته التى تحولت إلى ثكنة كبيرة للإرهابيين، تتكون عائلته من 6 أفراد، زوجته ونجله وثلاث فتيات، أول ما فعله به الدواعش هو إجباره على ترك اللحية، وحينما قام بحلقها مرة واحدة قاموا بجلده وجعله عبرة لمن لا يعتبر، كما أنهم يتدخلون فى كل كبيرة وصغيرة فى حياته، فعندما نفد الجاز من بيته طلب من زوجته أن تُعد الخبز على الحطب فى فرن طينى موجود خارج المنزل، وحينما خرجت زوجته لتخبز أجبروها على ارتداء النقاب، مما شكل خطراً عليها، حيث كانت تتعرض لنار الحطب وهى تلقيه، مما يعرض قماش النقاب إلى التقاط النيران وحرق وجهها، حتى أحرقت النار وجهها بالفعل بسبب اشتعال النيران فى النقاب المتدلى على الحطب وهى تُعد الخبز.

ويضيف «على» أن غالبية النازحين من الموصل غير قادرين على السير، متوقعاً أن يسقط بينهم ضحايا من شدة الإنهاك أو إصابتهم بالتهابات، لم يكن الطحين الذى كان يأخذه فى الأيام الأخيرة كافياً حيث لجأت الدولة الإسلامية إلى جلب القمح من سوريا بعدما فقدت جزءاً كبيراً من أراضيها فى الأنبار وصلاح الدين ونينوى، ومع صعوبة وصول الإمدادات من سوريا فى نوفمبر وديسمبر الماضيين، انخفضت حصص الغذاء إلى ما دون الحد الأدنى المطلوب، وكان خروجهم فى الوقت المناسب، حيث لم يعد تنظيم داعش قادراً على الوفاء بالتزاماته الغذائية أمام من فى قبضتهم.

ويتابع «على»: «كل شىء كان محظوراً، الهواتف أو التليفزيون، وإذا عثروا معك على منشورات تلقيها الحكومة العراقية، يقومون بقطع يدك، كنا نقعد فقط فى البيت، والطعام يأتى إلينا»، مشيراً إلى أنهم كانوا يحكمون الأوضاع الاجتماعية من خلال الحسبة -الشرطة- كانت لحاهم طويلة وكان لباسهم قصيراً.

وعن وجود أجانب ضمن مقاتلى «داعش» فى الموصل، أكد «على» وجود أجانب، لكنهم كانوا قليلى الوجود فى المدينة، وكانوا يرابطون على الجبهات، وما رآه من الأجانب كانوا موجودين على السواتر وفى الأسواق، معلقاً: «كانوا يتحدّثون العربية الفصحى بصعوبة، وبدا أنهم حديثو الالتحاق بالديانة الإسلامية، وهؤلاء وقت الهجوم كانوا يتحامون بالمدنيين هم وباقى المقاتلين الدواعش، وهم الذين كانوا يقصفون منازلنا، ونحن داخلها بعدما كانوا يحتمون فينا، فعندما انهزموا وتراجعوا أمام مكافحة الإرهاب، تراجعوا إلى الخلف وبدأوا يدكون منازلنا وشوارعنا، بهدف ضرب الجيش ومكافحة الإرهاب»، لافتاً إلى أن إحدى السيارات المفخّخة اتجهت نحو مدرعات الجيش وقامت بتفجير نفسها أمام منزل جيرانه، لينهار المنزل ويستشهد كل من كان بداخله من أطفال ورضع صغار.

ويقول نجله «محمد» صاحب الثلاثين خريفاً: إن ما رأوه داخل الموصل هو أفلام رعب، معلقاً بقوله: «نحن طلعنا من جهنم وبعثنا من جديد، كنا نشوف الموت، لكن ما نموت، وهاى أكبر مراحل التعذيب أن ترى الموت دون أن تتذوقه أو تنتهى من هذا الجحيم»، موجهاً نصيحة بأن «من يأتى إليكم ويقول إنه يحكم باسم الجهاد أو الدين ما تصدقوه، فهم انكشفوا على حقيقتهم».

وأضاف «محمد» أنهم كانوا يدسون عناصرهم المخابراتية ليكونوا عيوناً لهم، ودائماً يكون من أبناء المنطقة، حيث يجلس ويحتسى معك الشاى وإذا يراك تتحدث بأى كلمة على حكم الدواعش يبلغ الحسبة -شرطة داعش- لتأتى وتعاقب من انتقد حكمها سواء بتعذيبه أو قتله بتهمة الخيانة، موضحاً أن بعض الأمراء يكونون أجانب، والبعض الآخر يكونون من أبناء الموصل.

وبسؤاله عن سبب توجه بعض أصحاب المناطق إلى تولى مناصب قيادية فى «التنظيم»، وكيف لا يخاف على أسرته من الحرب، قال «محمد» إنه شاهد عوائل هؤلاء الدواعش يخرجون من الموصل قبل أسبوعين من الهجوم على الجانب الأيمن، مؤكداً أنهم سلكوا طريق «تلعفر» متجهين إلى سوريا، مؤكداً أن الأهالى انتظروا القوات الأمنية ومكافحة الإرهاب بفارغ الصبر، حيث كانت تصلهم رسائل من أهالى المدن المحرّرة بحسن تعامل القوات الأمنية، لكن كانت تأتى الرسائل بشكل سرى، حيث كانت تهمة من يتم العثور على هاتف معه هى الإعدام بتهمة التجسس، حتى لو كان الهاتف بلا خط وقديم، حيث منع الدواعش كل أنواع الاتصالات والتليفزيون والراديو، وحظروا امتلاكها على أبناء المنطقة.

كان فى ذيل النازحين من المنطقة التى يدور فيها القتال بشكل عنيف، محمد مجيد، فى العقد السادس من عمره، خرج مع زوجته وبناته، بينما أصيبت إحدى بناته بالإنهاك، فآثر أن يحملها على ظهره ويمتطى بها الأرض الترابية الصعبة، يرفض الرجل الحديث، قائلاً: «والله إذا لازمتك سنة كاملة، ما راح أعرف أعبر لك عن الرعب اللى عملوه فينا، كرهونى فى الدين، وأنا على عتبة الموت».

ويتابع: «أخذت معى الملابس والمستمسكات، ويتصيدون الناس، ما خلونى أنى جلدت عدة مرات، كان عندى سيارة تاكسى لما وقفت فى الطريق.. جلدونى عدة مرات، شُفت إعدام فى ساحة المحافظة، وقطع يد، ويرمون الناس من أعلى العمارات بسبب تهمة اللواط، ويجمعون الناس علشان ينظرون إليهم»، مستطرداً: «إحنا رايحين فى أى مكان، بس نخلص من الدواعش، يضربون طلقات لفوق، يسحبون علينا السلاح لنرجع للبيت»، مشيراً إلى أن الحسبة كانت تجلد النساء الخاطيات، وهذا إذا ظهرت العين أو اليد أو الكف، تنجلد المرأة، قائلاً: «بعض النسوان الخاطية انظلموا وانجلدوا، وبعضهم ماتوا من التعذيب، فقط ظهر الكف أو عيونها، تم تعذيبها حتى الموت».

أما أحمد حسين على، فى العقد السادس من عمره، فقد خرج من منزله وهو يحمل رضيعته «هدى»، أصغر نازحة من الموصل، التى أوشكت على الموت بسبب المعارك التى دارت وهدمت بعض المنازل المجاورة، قائلاً: «هاى البنتة عمرها ما وصل لـ40 يوم، ما أعرف شو كانت تطلع لما تكبر»، مشيراً إلى أن تحذيرات «داعش» من انتهاكات الجيش العراقى وتعذيبه هو مع «الحشد الشعبى الذى يصفونه بالروافض الكفرة، لكن كنا ما نصدقهم، لأننا نعرف أنهم إخواننا».

ويتابع «حسين» الذى كان يعمل سائقاً على خط بغداد فى نقل المسافرين، أن ابنته التى وُلدت قبل 40 يوماً كانت ستُقتل تحت الأنقاض بعدما تركت أمها البنت مع الجيران، وعقب أن أخذته من الجيران انهدم المنزل، حيث تسلل بعض مقاتلى الدواعش، كما أنه منذ سقوط أجزاء من الموصل ظل عاطلاً بلا عمل. وحول السبايا والمختطفات أكد «حسين» أنه يعرف أحد الدواعش من المنطقة نفسها التى يسكن بها، وعنده سبايا، ويُدعى «خضير» من الموصل، وكان يجلد إحدى سباياه بعد أن ينكحها.

وبينما جاء إلى هذه الصحراء مسرعاً، بلحية صفراء ووجه أبيض، يواصل السير خروجاً من جانب الموصل من الأيمن، التى لم تعتبر بلده، فقد أجبر على الانصراف من قريته ومنزله الذى يملكه، حيث كان يعيش فى الكسك، ولديه بيت هناك، لكن ينتظر الدواعش حتى يعود إليها، مشيراً إلى أن الإمعان فى التعذيب أدى إلى مقتل إحدى السيدات التى كانت تخرج فى السوق دون أن تنزل شبكة على العين، وتوفيت بعد أسابيع من التعذيب والتنكيل، لمجرد أنها نسيت الخمار أو الشبك.

ويضيف النازح أن الأمراء كلهم لديهم سبايا، أشهرهم عبدالبر الأردنى، الذى لديه 4 سبايا، مشيراً إلى أنه كان يأتى إليهم للمتعة، ثم يغادر، وكان قيادياً فى أمن المدينة، مؤكداً أنه شاهد عملية ذبح وقطع يد ورمى من أعلى برج سكنى بتهمة اللواط، متذكراً أن الذى أوقف رتل النازحين وأجبرهم على البقاء هو طفل 13 عاماً، من الدواعش كان يمسك ببندقية، وما إن غادر، عاد النازحون إلى طريقهم نحو القوات الأمنية، مضيفاً أن القوات الأمنية إذا رفضت أن تسمح لهم باعتلاء الأسطح والمنزل يحاولون قتلك بقولهم «تخاف على عائلتك وما تخاف علىّ»، لم يكمل هذا الرجل حديثه حتى جاءت امرأته تطلب منى أن أترك زوجها وتناشدنى أن تقبل قدمى على أن أترك زوجها ولا أذكر اسمه أو صورته، خشية من الدواعش، إذا عادوا مجدداً، وهو ما جعلنى أفكر بأن هؤلاء العائدين من الجحيم ما زالوا غير مدركين بالواقع، ويظنون أنهم يعيشون فى حلم.


مواضيع متعلقة