«هيكل».. البداية مع «سرحان» والنهاية بـ«الحوارات الممتدة» مع «الحديدى»

كتب: عبدالفتاح فرج

«هيكل».. البداية مع «سرحان» والنهاية بـ«الحوارات الممتدة» مع «الحديدى»

«هيكل».. البداية مع «سرحان» والنهاية بـ«الحوارات الممتدة» مع «الحديدى»

بشعر أبيض خفيف، وعينين ثاقبتين، وبملابس شديدة الأناقة، اعتاد الأستاذ محمد حسنين هيكل أن يطل على الشاشة من داخل مكتبه الأثير المُطل على نهر النيل، ثقافته الموسوعية واطلاعه الكبير على التاريخ والجغرافيا والحروب والثورات أمور كانت تساعده على تحليل الأحداث بشكل مميز ومختلف عن باقى السياسيين والمحللين، تسأله عن الثورة فى مصر، فيحدثك عن معطيات قيامها وعوامل انفجارها وعن شبيهاتها فى أوروبا وأمريكيا اللاتينية، ثم ينتقل إلى آسيا وأفريقيا، ليعطى صورة موسوعية وشاملة عن الوضع المحلى وإحداثياته من باقى العالم، يتحدث عن شخصية سياسية مصرية واحدة، فيعطى لها أكثر من نموذج حول العالم بالأرقام والتاريخ، ظاهرة موسوعية يصعب أن تتكرر مرة أخرى.

{long_qoute_1}

سنوات طويلة قضاها «هيكل» بعيداً عن شاشات التليفزيون المصرى مجبراً، حيث لم يرق لقيادات نظام مبارك ظهور الرجل على الشاشة من جديد، للحديث عن وضع مصر والعالم العربى سياسياً وجغرافياً لعدم إحراج النظام، ولم يقتصر حظر ظهور «هيكل» على قنوات التليفزيون المصرى فحسب بل امتد إلى القنوات الفضائية الخاصة المصرية الأخرى، قبل أن تكسر الإعلامية هالة سرحان هذا الحظر فى عام 2003، عبر شاشة دريم، حيث قامت بعمل سلسلة حوارات مع «هيكل»، قال إنها دفعت ثمنها غالياً فيما بعد، حين تم إخراجها فى مصر بعد أن كانت تشغل منصب رئيس قناة دريم الفضائية. {left_qoute_1}

بعد ظهور «هيكل» الأول على شاشة قناة دريم انفرط عقد ظهوره على الشاشات، حيث توالى ظهوره بشكل متقطع على قناة الجزيرة بداية من عام 2004، حيث حاورته الإعلامية الجزائرية خديجة بن قنة فى برنامج «حصاد»، وتحدث «هيكل» خلال حواره عن أهم اللحظات فى عام 2004، والمقاومة العراقية والقضية الفلسطينية، والقضايا العربية عموماً وغياب الدور المصرى وقتها، كما تحدث عن الخطر الإيرانى، وعن اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريرى، وعن حال سوريا ولبنان، وصراع القوى الخارجية بالشرق الأوسط، بجانب مشروع الشرق الأوسط الكبير الذى شهد جدلاً واسعاً فى الأوساط السياسية والإعلامية حينئذ فى برنامج «الملفات الساخنة» على قناة الجزيرة أيضاً والذى كانت تقدمه الإعلامية الجزائرية فيروز زيانى.

وفى عام 2007 بدأ الإعلامى التونسى محمد كريشان إجراء سلسلة من الحلقات التليفزيونية على قناة الجزيرة مع الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل بعنوان «المصير»، وواصل «هيكل» لقاءاته حتى عام 2010، إلى أن تم منع مذيع الجزيرة من دخول مصر، بعدما كان يتردد على القاهرة بصفة دورية لتسجيل حلقات مع الأستاذ هيكل للحديث عن آخر التطورات السياسية العربية، قبل أن يتوجها معاً إلى لندن لتسجيل الحلقات هناك فى مكتب قناة الجزيرة، وبعد ثورة يناير، قام المذيع التونسى بإجراء سلسلة حوارات قصيرة مع «هيكل» عبر شاشة الجزيرة والتى تناولت رأيه ورؤيته فى ثورات الربيع العربى، وكانت الإعلامية منى الشاذلى أول مذيعة فى مصر تجرى حواراً مع الكاتب الراحل فى قناة فضائية مصرية خاصة، عقب تنحى «مبارك» من خلال برنامج «العاشرة مساء».

وفى أول ظهور له على شاشة التليفزيون المصرى بعد منعه لمدة تقترب من 40 سنة متصلة، ظهر الأستاذ «هيكل» مع الإعلامى محمود سعد فى برنامج «مصر النهارده»، بعد ثورة 25 يناير متحدثاً عن الثورة وتوابعها، ووصف «سعد» الأستاذ هيكل بـ«أسطورة التحليل السياسى»، وقال إنه نال شرف ظهور «هيكل» معه على التليفزيون المصرى لأول مرة منذ 40 سنة، ورد عليه «هيكل» بأنه لم يكن سبب الغياب، وأضاف: «أتيت احتراماً للرأى العام المصرى»، مؤكداً أنه لم يكن يتصور أنه سيشاهد فى حياته ثورة فى مصر بهذه الطريقة، رغم أنه كان يتوقع ما حدث بصفة عامة لأن الأوضاع القائمة فى مصر كانت لا بد أن تصل بنا إلى الانفجار، خاصة أن هناك دولة يصيبها الفساد، بينما ما حدث فى مصر أنها أصبحت دولة تؤسس للفساد، إضافة إلى وجود قبضة بوليسية غليظة.

ظهور «هيكل» على شاشات القنوات المصرية استمر بشكل منتظم بعد الثورة، حيث ظهر على قناة «أون تى فى» مع الفنان عمرو واكد فى برنامج «مصر تتحدث» متحدثاً عن الأسماء المرشحة لرئاسة الجمهورية، كما أجاب عن أسئلة الشبان المصريين الذين وجهوها لـ«هيكل»، وفى منتصف عام 2012 استضاف الإعلامى شريف عامر الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، على مدار حلقتين متتاليتين فى برنامج «الحياة اليوم» الذى كان يُقدمه على شاشة «الحياة»، وقام «هيكل» بتحليل موقف مرشحى الرئاسة، إلى جانب استعراض نتائج فرز أصوات المصريين بالخارج، وما يمكن أن تشير إليه، والسيناريوهات المحتملة مع فوز كل مرشح، قبل أن تبدأ الإعلامية لميس الحديدى بإجراء سلسلة حلقات الحوارات الممتدة مع الأستاذ محمد حسنين هيكل «مصر أين.. ومصر إلى أين» على شاشة CBC لتوثيق وتحليل الوضع السياسى الراهن بشكل مفصل مع تقديم صورة عامة عن وضع مصر الجغرافى والسياسى بين دول الشرق الأوسط ودول العالم بطريقة سلسة ومشوقة كانت تبهر جميع المشاهدين الذى رأوا فيه فلتة تاريخية لن تتكرر فى مصر مرة أخرى بل فى العالم العربى.

{long_qoute_2}

الدكتور سامى عبدالعزيز، عميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة القاهرة، يعلق على ظهور «الأستاذ» على الشاشة قائلاً: «فى بداية الألفية الثانية أدرك الكاتب الكبير أن الصحافة لم تعد الوسيلة المثلى لتوصيل أفكاره للجميع، خاصة جيل الشباب، فاختار الظهور على الشاشة، موجهاً أفكاره للجميع عبر شاشات متنوعة لديها عدد كبير من المشاهدين، ووافق على ظهوره على الجزيرة لأنه كان يعلم مدى شعبيتها قبيل اندلاع ثورات الربيع العربى، ورغم أن ظهوره على شاشة الجزيرة شكّل استغراباً لدى البعض وقوبل بعدم الترحيب أحياناً لمعاداة الجزيرة للنظام الحاكم وقتئذ، وبذكائه الشديد اختار القنوات المصرية للظهور عقب اندلاع ثورة يناير، ووجد فرصة ذهبية لتبسيط أفكاره لشرائح أقل ثقافة ومعرفة».

وأضاف «عبدالعزيز»: اهتمام «هيكل» بجماهيريته مع اختلاف مراحل سنه كان عنصراً أساسيا، وواقعاً أساسياً فى إقدامه على خطوة الظهور على الشاشة، لأن «هيكل» بكل تأكيد شخصية مثيرة للجدل دائماً وفى كل مرة كان يظهر بها كان يطلق تصريحات غير مكتملة ليثير العديد من التفسيرات المختلفة، وخير مثال على ذلك عندما قال: نريد ثورة على الثورة، وعندما استأذن فى الانصراف أثار جدلاً واسعاً وعندما عاد أثار جدلاً واسعاً أيضاً، وبحكم تكوين شخصية «هيكل» التى اعتادت على النجومية والجماهيرية والشهرة فكان يصعب عليه الابتعاد عن الجمهور أكثر من ذلك، واختار الشاشة لتوسيع قاعدته الجماهيرية وساهم ظهوره على الشاشة فى معرفة شرائح وأجيال لم تكن على معرفة بأفكاره وآرائه، ومما لا شك فيه أن ظهوره على الشاشة كان يرفع من مستوى الطموح والتحديات.


مواضيع متعلقة