«طبيب الخير» يظهر فى الأزمات: «ما ينفعش تبتز المريض مالياً عشان سعادتك»

«طبيب الخير» يظهر فى الأزمات: «ما ينفعش تبتز المريض مالياً عشان سعادتك»
- أسعار البنزين
- أسعار السلع
- الأدوية المحلية
- الأدوية المستوردة
- الأنف والأذن
- البنزين والسولار
- الجنيه المصرى
- الحكومة المصرية
- السوق المصرية
- آلام
- أسعار البنزين
- أسعار السلع
- الأدوية المحلية
- الأدوية المستوردة
- الأنف والأذن
- البنزين والسولار
- الجنيه المصرى
- الحكومة المصرية
- السوق المصرية
- آلام
«وإذا مرضت فهو يشفين»، تعلقت عين الرجل بالآية القرآنية التى وُضعت فى إطار خشبى بأحد حوائط العيادة، لكنه يسخر من استخدام بعض الأطباء للنص الدينى بما لا يتناسب تماماً مع زيادة أسعار الكشوف الطبية مؤخراً، ثم يشرد بخياله فى الورقة التى سيدون الطبيب عليها عما قليل أصناف الأدوية اللازمة لشفاء ابنه، متمنياً أن يكون سعرها فى نطاق ما يملكه من مال، وفى الوقت ذاته يخشى العودة مرة أخرى للطبيب، فهذا يعنى كشفاً جديداً بمبلغ آخر قد لا يملكه، إلا أن بعض الأطباء لا يزال يحتفظ بلقب «ملاك الرحمة»، لذا قرروا ألا يزيدوا من أسعار الكشف الطبى للمرضى، ومنهم من قدم خدمة الكشف المجانى للأرامل والأيتام، والبعض الآخر وقع فى حيرة بعد زيادة أسعار الدواء، فصار يبحث عن البدائل الأقل سعراً حتى يصفها للمريض، عله بذلك يخفف بعض العبء عنه.
{long_qoute_1}
داخل إحدى العيادات بروض الفرج جلس «محسن» مع طفله الصغير فى انتظار الطبيب، مرت ساعات حتى جاء دوره، وما إن دخل على الطبيب حتى همس فى أذنه فى غفلة عن طفله، «ياريت تشوف لنا دواء رخيص عشان مجمع سعر الكشف بالعافية»، ليقرر الطبيب إعادة ثمن الكشف إلى الرجل الذى اشتكى له زيادة أسعار الأدوية، وأنه بعد مرور شهرين فقط عاد المرض إلى ابنه فرجع إلى الطبيب نفسه، لكنه فوجئ تلك المرة بأن سعر الكشف ارتفع إلى الضعف، ليعود الرجل من عنده متوجهاً إلى مستشفى حكومى، يقول «محسن» الذى يعمل بأحد مصانع الغزل والنسيج: «الكشف كان بـ70 جنيه بعد شهرين بقى بـ150، هجيب منين سعر الكشف وسعر الدواء، لو قدرت على واحد مش هقدر على التانى»، مشيراً إلى أن راتبه الشهرى يكاد يكفى طعامه وشرابه بالكاد، «كل حاجة زادت الفترة الأخيرة، وبقينا ماشيين بالعافية».
فى يوليو 2016، رفعت الحكومة المصرية أسعار 4 آلاف صنف دوائى، يقل سعره عن 30 جنيهاً بزيادة 20% على السعر الأساسى، وهو القرار الذى أعطى لشركات الأدوية فرصة للتلاعب بأسعار الأدوية، «أنا كنت بكشف عند دكتور جلدية فى مصر الجديدة بـ150 جنيه، من فترة بقى بـ200 ولما سألته ليه قال لى كل حاجة حوالينا زادت»، قالتها أسماء أنور الطالبة الجامعية التى تعانى من مشكلات جلدية، مشيرة إلى أنها فضلت عدم الذهاب إلى الطبيب مرة أخرى والبحث عن آخر بسعر أقل، قائلة: «للأسف شىء زى صحة الإنسان بقى يخضع للربح والمتاجرة، بدل ما الناس بتحارب المرض بقت الأسعار هى اللى بتحارب مرضهم» مشيرة إلى أنها كانت تشرى أدوية ومستحضرات تجميل بأكثر من 200 جنيه، لكنها مع تلك الزيادة وصلت إلى أكثر من 260 «صحتنا أكيد ضمن أولوياتنا، بس دلوقتى مبقناش عارفين نعمل إيه».
{long_qoute_2}
وعقب تحرير سعر صرف الجنيه فى نوفمبر 2016، ورفع أسعار البنزين والسولار، تحركت أسعار السلع داخل السوق المصرية بشكل كبير متأثرة بالفارق بين الجنيه المصرى والدولار، وهو سبب آخر كان له أثر فى زيادة قيمة «الفيزيتا» لدى بعض الأطباء.
وهو الأمر الذى وضع العديد من الأطباء فى حيرة عند كتابتهم الأصناف الدوائية للمرضى، كان أحدهم د. محمد صبحى، طبيب الأنف والأذن والحنجرة، الذى أوضح أنه أصبح يعطى الأصناف الأقل سعراً لمرضاه، مشيراً إلى أن هناك أزمة ثقة فى الدواء المحلى بين مجتمع الأطباء، وأن العديد منهم يلجأ إلى الأدوية المستوردة: «المريض بيجيلى ماببقاش عارف أعمل إيه وأنا بكتبله الدواء، كل الأصناف رفعت، ولإنى واحد منهم فبحس بيهم وبدور على إيه أرخص وأكتبهوله، لكن فى حالات بتبقى محتاجة دوا معين غالى، فبرفع عنهم الحرج وبخصملهم من تمن الكشف»، يحكى الطبيب الشاب، مشيراً إلى أنه لم يقم بزيادة قيمة كشفه منذ فترة طويلة، شعوراً منه بالمرضى، «الكشف عندى بـ40 جنيه وليَّا أصدقائى خلوه بـ100 وبينصحونى أعمل زيهم، بس أنا باستحرم عشان مهمتنا إنقاذ الناس مش التربح من آلامهم»، الطبيب الذى يمتلك عيادة منذ سنوات ويعمل بأحد المستشفيات الحكومية، يشير إلى أن كثيراً من المرضى يأتون للمستشفى لأن الكشف هناك بـ3 جنيهات فقط، لكنهم لا يملكون ثمن الدواء، «فيه ناس بتقولى متكتبلناش أدوية من اللى بره المستشفى عشان مش هنجيبه، وللأسف أدوية المستشفى كلها اللى أنا فيها 20 صنف بس بيتوزعوا على كل الأمراض»، مشيراً إلى أنها أدوية مسكنات وأخرى للضغط والحساسية والمضادات الحيوية، قائلاً: «بعض زمايلى بيدفعوا من جيبهم للمرضى عشان يجيبوا الدوا، وكل واحد عنده مقدرة يطلع حاجة واجب عليه يعمل ده»، يتذكر الطبيب حين دخلت له أم مع طفلتها الصغيرة، فهمست للطبيب «أنا مش هقدر أشترى الدوا اللى بره فشوفلى حاجة مجانية من المستشفى»، لكنها دخلت فى نوبة بكاء بعدها قائلة «والله يابنى إحنا مش شحاتين بس هنجيب منين»، فرأى الطبيب الشاب أن عليه واجباً تجاه مرضاه، فاتجه إلى الصيدليات فى محيطه واستفسر عن أسعار الأدوية والثمن الذى وصلت إليه، لكتابة أصناف بدلاً من أخرى، وليختار الأدوية المحلية التى لم تتأثر كثيراً بالزيادات الأخيرة عوضاً عن المستوردة، قائلاً: «فيه مضاد حيوى بـ90 جنيه والمحلى بتاعه بـ20، وفيه حقنة مستوردة بـ52 جنيه والمحلى منها بـ28، والمريض بقوله ده مستورد وده محلى وهو اللى يختار».
على الروشتة التى يكتبها لمرضاه، قرر الطبيب أحمد الروبى أن يترك رسالة إلى الصيادلة «الأخ الزميل الصيدلى برجاء صرف الأدوية الأرخص سعراً»، وذلك للفت انتباه الصيدلى إلى ضرورة مراعاة حالة الشخص الذى يقف أمامه، كى لا يصرف له الصيدلى الدواء الأكثر سعراً، ولاقى الأمر استحسان العديد من أصدقائه الأطباء وقرر بعضهم تقليده، لكنه يؤكد على ضرورة أن تكون علاقة الطبيب بالصيادلة حوله جيدة، قائلاً: «بنزل بقعد معاهم وأشرحلهم أوضاع الناس، وهما بيتفهموا ده لإن الربح فى النهاية بيبقى للشركات مش ليهم»، طبيب الأطفال بشبرا الخيمة رفض أن يقوم برفع قيمة كشفه، بل يفكر فى خفضه بقيمة 10 جنيهات ليصبح 30 جنيهاً بدلاً من 40، «والله بتجيلنا ناس ممعهاش أى حاجة وبتبقى مكسوفة وبيبان ده فى عينيها، فبنقولهم ادفعوا أى حاجة، ومنهم اللى بيسيب 5 جنيه ويمشى ومبنقولوش حاجة لأنه ده مريض وماينفعش تبتز المريض مالياً عشان سعادتك انت»، ومع الوقت فكر الطبيب فى فكرة يستطيع من خلالها خدمة الفقراء، فاقترح على أصدقائه تكوين مجموعة باسم «طبيب الخير»، يتكفل كل واحد من أفرادها بالكشف على اليتامى والأرامل بعد تقديمهم ما يثبت ذلك بمبالغ رمزية «تدفع جنيه واحد أو 5 أو 10، زى ما تحب بس هتاخد حقك زيك زى اللى بيدفع 100»، فانضم له الكثير من أصدقائه ما دفعه لجمع أرقامهم وتوزيعها على الناس «عشان لو حد احتاج دكتور يلاقى واحد مستعد يعالجه بأقل سعر» يتذكر الطبيب ما يحدث له بين الحين والآخر من بعض المرضى، حين يفتح أحدهم حديثاً عن الأسعار الجديدة، أو عن ظروف الحياة ومشاكلها ليدرك أن المقصود «ماتكتبش أدوية غالية»، لكن الدمع يغلبه وهو يتذكر الأم التى بكت حين أعاد لها قيمة كشفها «ماكانتش تعرف إننا عاملين مبادرة واللى ممعاهوش ممكن يكشف عادى، فحسيت إنها غلبانة ورجعتلها الفلوس فبكت، وأصرت تدفع نص المبلغ وشكرتنى».
فى ليلة شتوية دخلت العيادة أم تحمل طفلاً على يديها والآخر يمسك بجلبابها، فتوجهت إلى موظفة العيادة ودفعت 10 جنيهات قيمة الكشف الخيرى، ثم انتظرت دورها، لتدخل على الطبيب خالد عبدالحفيظ فى عيادته بالشرابية، الذى استجاب لمبادرة صديقه بالكشف على الأرامل والأيتام مقابل مبالغ رمزية، فكشف الطبيب على الطفل وكتب له مجموعة من الأدوية، لكنه لاحظ أن أخاه الصغير يسعل، فطلب من الأم أن يكشف عليه لكنها رفضت، قائلة: «أنا معايا 10 جنيه بس لواحد، الأسبوع الجاى أجيلك تكشف على ده»، لم يستطع الطبيب الذى أتم الـ50 أن يمنع الدمع من عينيه، فقام بالكشف على الطفل ومنحها ثمن الأدوية للطفلين، «مقدرش أشوف طفل مريض وأسيبه، هقول لربنا إيه لو سألنى إزاى تشوفه تعبان وماتساعدوش» قالها الطبيب الذى أوضح أن كثيراً من الأشخاص يدفعون له نصف قيمة الكشف ويؤجلون الآخر لحين الاستشارة: «وهما ماشيين بديهم الفلوس، لكن اللى مقتدر باخد منه، لأن ده بجانب إنه مهنة سامية بس أكل عيشى»، يرى طبيب الأطفال أن كثيراً من الناس تحولت الصحة بالنسبة لهم إلى أمر فرعى، وأن الأولوية الآن صارت للأكل والشرب والسكن، «الناس ليها عذرها، وكل واحد فى المجتمع هيتحاسب على اللى كان يقدر يعمله ومعملوش للغلابة».