«عزازى».. عائلة فى شمال سيناء يقتلها «سرطان المخ».. وفاة 4 والباقى ينتظر الموت

«عزازى».. عائلة فى شمال سيناء يقتلها «سرطان المخ».. وفاة 4 والباقى ينتظر الموت
- أحمد سلامة
- إجراء عملية
- اكتشاف المرض
- الأمراض الوراثية
- الأوعية الدموية
- الجندى المجهول
- الجهاز العصبى
- الجينات الوراثية
- الحمد لله
- العمليات الجراحية
- أحمد سلامة
- إجراء عملية
- اكتشاف المرض
- الأمراض الوراثية
- الأوعية الدموية
- الجندى المجهول
- الجهاز العصبى
- الجينات الوراثية
- الحمد لله
- العمليات الجراحية
يحاصرهم الموت من كل جانب، ليس فقط من الإرهاب الذى يملأ «رفح» بشمال سيناء، حيث تعيش عائلة «عزازى»، فسنوات تمر وراء أخرى، وميراث يرجع عمره إلى أكثر من 50 عاماً، ليس ذهباً ولا أرضاً، بل «مرض قاتل»، تركته زوجة الجد الأكبر للعائلة، بعدما توفيت بمرض خطير فى المخ.
«عزازى» أنجب 5 أبناء ذكور، كل منهم لديه عدد من الأبناء أصيبوا بالمرض، ومنهم من أخذه الموت، فثلاثة أبناء توفوا على ترتيب أسمائهم «موسى، عيسى، محمد»، انتزعهم المرض من حضن أمهم، التى ما زالت تعانى من ألم الفراق على أبنائها الذكور، وألم الحياة وقسوتها ومرض بناتها.
تجلس السيدة الخمسينية ذات البشرة الخمرية ترتدى عباءة سوداء، تتذكر بداية إصابة عائلتها بالمرض الذى أودى بحياة أبنائها الذكور، وبعدها إحدى بناتها الخمس، تقول نوال أحمد سلامة، إن بداية انتشار المرض فى العائلة يرجع إلى إصابة زوجة الحاج عزازى التى كانت تعانى من أعراض صداع شديد، وفقدت بعده البصر، وانتقلت بعد ذلك إلى المستشفى، وأوضحت التحاليل والأشعة أنها مصابة بورم فى المخ، المرض الذى أنهى حياتها بعد ذلك.
{long_qoute_1}
تروى «نوال» أن أبناءها الثلاثة أصيبوا بالمرض فى مراحل متتالية، فكان الأكبر «موسى»، الذى توفى عند 27 عاماً، وبدأت تظهر عليه نفس الأعراض التى ظهرت على جدته، وتم نقله بعد ذلك إلى المستشفى وإجراء عملية جراحية له فى المخ لاستئصال الورم، لكن الأطباء أوضحوا أن الورم السرطانى طال النخاع، وهى نفس الأعراض التى ظهرت على إخوته بعد ذلك.
تصمت السيدة المكلومة، التى فقدت عينيها وقلبها معاً بعد وفاة أبنائها الثلاثة، تشرد قليلاً، ثم تعاود الحديث، واصفة أبناءها قائلة: «الضهر انقسم نصين، وراح السند اللى كان باقى ليا فى الدنيا بعد أبوهم».
أكثر من 10 سنوات عانتها «نوال»، وما زالت تعانى، فبعد وفاة أبنائها الذكور بدأت «نوال» رحلة جديدة من المعاناة مع بناتها الخمس، اللاتى توفيت أكبرهن، وأصيبت اثنتان من الأربع بعد ذلك.
تقول «نوال»: «الدكاترة بيقولوا إنه وراثة، ومش عارفة إيه السبب اللى يجيب المرض فى كل البيت، بقيت لما حد بيشتكى من الصداع بخاف، وبقول خلاص زيهم زى إخواتهم، والمرض منتشر فى عائلة عزازى كلها».
تخاف «نوال» على أحفادها: «ابنى عيسى مات، وساب ولدين صغيّرين، وخايفة عليهم، طبعاً الولد الصغير ساعات بيقول فيه حاجة بتوجعنى هنا يا ستى، عين من عينيه تلاقيها صغيرة كده، ويغمض عليها وخايفة عشان الدكاترة حذرونى إنه فى أى وقت ممكن يجيلهم المرض زى ما جه لأبوهم وأعمامهم».
بجوار «نوال»، كانت تجلس ابنتاها «حنان وصالحة»، اللتان تعانيان من نفس المرض، تتحدث «حنان»: «أنا أصبت بالمرض وعندى 17 سنة، ولما حسيت بالتعب، أول حاجة مسكنى الصداع، بعدها ماقدرتش أمشى، وبعدين لما تعبت خالص، اتحولت على مستشفى الإسماعيلية عملت عمليتين».
بمرور الوقت، اشتد المرض على حنان، التى فقدت إحدى عينيها، تقول: «العين دى مش بشوف بيها، والعين الثانية حالتها ساءت، يعنى دلوقتى وشّك أنا مش كاشفاه، حاجات كتير أنا مش بشوفها كويس، لولا حافظة البيت اللى أنا قاعدة فيه والمنطقة اللى أنا قاعدة فيها، غير كده مش بشوف حاجة ومش كاشفة أى حاجة».
تعاود «نوال» الحديث مرة أخرى: «أنا وبنتى قاعدين فى البيت وبيطلع لى 420 جنيه معاش، وطبعاً مايعملوش حاجة وعايزة علاج وعندى عيال يتامى ولاد ابنى عيسى، برضو عندى فى البيت وعايشين على الـ400 جنيه، ومفيش غيرهم، ولكن أولاد الحلال بيحنوا علينا والناس بتساعدنا كده».
تصمت «نوال» قليلاً قبل أن تعاود الحديث مرة أخرى: «لو فيه حد تعب مش قادرين نصرف عليه ومفيش حد يساعد ولا حد يقف جنبنا ولا أى حد، كان ضهرى ولادى وجوزى وماتوا. وكل اللى أتمناه إن ولادى يتعالجوا.. واللى ماتوا ربنا يدخّلهم الجنة».
الجندى المجهول فى عائلة عزازى، سلامة عبدالرحمن عزازى، ابن العم الذى يرعى البنات بعد وفاة الإخوة الذكور، يقف بجانبهن ويسخّر وقته لرعايتهن، خاصة فى الفترة التى يضطررن فيها للقدوم من «رفح» إلى القاهرة، لتلقى العلاج بمستشفى الدمرداش.
يروى «سلامة»، الرجل الأربعينى الذى ورث العمل بالزراعة عن أبيه وأعمامه الأربعة، أن عائلتهم تشتمل على أكثر من 13 حالة مصابة بهذا الورم، ووضعهم يزداد صعوبة كلما مر الوقت دون تلقى علاج، خاصة للحالات التى تم اكتشاف المرض بها حديثاً.
يقول «سلامة» إن العائلة بها ما يقرب من 100 فرد جميعهم مهددون بالإصابة بالمرض، وجميعهم إخوته وأبناء أعمامه، الذين لم يتبق منهم سوى أبيه وعمه «محمد»، فأعمامه «فايز ومصطفى وأحمد» توفوا منذ سنوات، وكل منهم ترك عدداً من الأبناء، منهم من هو مصاب بالمرض، وآخرون مهددون بالإصابة.
ويروى «سلامة» أن بداية معاناتهم مع المرض تعود لـ15 سنة تقريباً، منذ بداية مرض أبناء عمه الثلاثة «موسى وعيسى ومحمد»، من قبلهم كانت «حنان» أختهم الكبرى، لكنه يوضح أن المعاناة تكمن فى تكلفة العلاج وصعوبة الوصول إلى مستشفى فى حال حدوث أى متاعب عند أحد أفراد العائلة: «كل اللى نتمناه إن يكون فيه رعاية من البلد، عشان العائلة ممكن كلها تموت فى حالة إصابتهم بالمرض».
يقول «سلامة»: «إحنا مش عارفين نعمل إيه، ولا نروح فين، ولا نتكلم مع مين، ولا نشتكى لمين، والحمد لله إحنا برضو بنقول يا رب، مش مستنيين حد، بس إحنا بنتمنى حد يشوف الوضع اللى إحنا فيه، الوضع عندنا مأساوى يعنى، على ما تروح وتيجى من رفح لو انت كنت بتيجى فى أربع ساعات أو خمسة دلوقتى عايز 12 أو 13 ساعة، وعلى ما تتكلم هتكون مت».
يقول الدكتور أحمد زهران، المدرس المساعد بكلية طب عين شمس، إن بداية اكتشافه لمعاناة عائلة «عزازى»، كانت فى 2013، أثناء زيارة «أم موسى» لمستشفى الدمرداش، بإحدى بناتها لإجراء عملية فى المخ للمرة الرابعة.
يروى «زهران» أن عائلة عزازى مصابة بمرض وراثى، يؤدى إلى تجمع ورم سرطانى على منطقة «المخيخ»، ما يجعل من الصعب علاجها، خاصة فى حالتهم، فإجراء العمليات الجراحية يهدف إلى استئصال الورم، لكنه لا يقضى على الجينات الوراثية الموجودة بالفعل.
ويوضح أن مرض العائلة يسمى «فون هيبل لينداو»، وترجع تسميته إلى «فون هيبل»، عالم رمد ألمانى اكتشف هذا الورم فى الشبكية لدى المرضى، وهو عبارة عن «متلازمة» تحتوى على مجموعة من الأورام تسمى «أرومة وعائية»، لأنها تخرج من الأوعية الدموية، وتأتى فى أماكن مختلفة من الجسم، وأكثر مكان معرض للإصابة بهذا الورم، هو الجهاز العصبى خاصة «المخيخ»، وهو ما يعانيه جميع أفراد عائلة عزازى المصابة بالمرض.
ويؤكد «زهران» أن سبب مرض عائلة «عزازى» يدفعنا للحديث عن نقطة مهمة، وهى نشر الوعى الصحى الخاص بالأمراض الوراثية التى تنتشر خصيصاً نتيجة زواج الأقارب، قائلاً: «عشان أعرف أقضى على الورم ده أو أقلله لازم يتجوزوا من بره أو مانتجوزش أو نتجوز ومانخلفش لو إحنا عاوزين نقضى على الورم، لأن غير كده كل جيل هتزيد نسبة إصابة الورم فيه عن اللى قبله».
ويوضح أن الأجيال الجديدة فى عائلة «عزازى» تحتاج فحوصات دورية كل عام، لأن الجيل الثالث فى العائلة من المؤكد أن لديه جين الوراثة للمرض، ومُعرض فى أى وقت للإصابة، ويجب اكتشاف المرض مبكراً، لأن ذلك يساعد على استئصاله قبل تفشيه، وبالتالى يتم الحد من خطورته وتقليل مضاعفاته، ما يحتاج إلى إمكانيات لحماية أطفال هذه العائلة من الإصابة، مع توقف زواج الأقارب، الذى يُعد أكبر مشكلة لديهم.
ويقول «زهران»: «نداء إنسانى، الناس دى محتاجة إن الدولة تنظر ليهم، محتاجين يكون فيه دعم من الدولة للأسرة دى عشان نقدر نحمى الجيل اللى طالع والأطفال الصغيرين من أن يتم تجاهلهم لحد ما يجولنا بأورام كبيرة، وتعمل عمليات خطيرة، وبالتالى مضاعفتها هتكون أكبر، ونهايتها الموت».
«معلومات عن متلازمة فون هيبل لينداو»:
-تعد المتلازمة من الأمراض الوراثية النادرة التى تصيب الجهاز العصبى تحديداً فى المخيخ والشبكية، وتمثل نسبة الإصابة به واحداً لكل 36 ألف مولود، وتزداد عند وجود جين لأحد الأبوين به نسبة إصابة.
-يرجع اكتشاف المرض لعام 1904، عند ملاحظة طبيب العيون الألمانى إيوجين فون هيبيل، وجود سرطانات دموية أثناء فحص الشبكية، ترجع إلى وجود صلة قرابة بينهم.
-وفى عام 1927، اكتشف عالم الأمراض السويدى أرفيد لينداو وجود سرطانات دموية فى عينات أورام المخيخ عند بعض المرضى.