تحرش وضرب فى اليوم العالمى لمناهضة العنف ضد المرأة

كتب: هدى رشوان

تحرش وضرب فى اليوم العالمى لمناهضة العنف ضد المرأة

تحرش وضرب فى اليوم العالمى لمناهضة العنف ضد المرأة

فى 25 نوفمبر، عام 1960، تعرضت عدد من الناشطات السياسيات يعرفن باسم «الأخوات ميرابال» بجمهورية الدومينيكان، الواقعة على الحدود بين كوبا وهايتى بأمريكا الجنوبية، لاغتيال وحشى من قبَل حاكم البلاد رافاييل تروخيلو، بعد أن تعرضت الشقيقة الصغرى للتحرش على يد «تروخيلو» فى إحدى المناسبات العامة، فلم تتردد فى صفعه على وجهه، إلا أن الديكتاتور سرعان ما اعتقل شقيقاتها واغتالهن مع عدد من المعارضين، بالضرب بالعصى حتى الموت. وقررت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1999 إعلان هذا اليوم يوماً عالمياً لمناهضة العنف ضد المرأة، داعية جميع المنظمات الرسمية وغير الرسمية ووسائل الإعلام حول العالم للترويج لثقافة القضاء على العنف ضد المرأة، الذى يعتبر قضية ليست جديدة، كما أنه ليس قضية محلية بل لها صفة عالمية، لانتشارها الواسع فى المجتمعات جميعها، المتحضرة والمتخلفة، لكن هناك قضايا تبقى فى الخفاء، لتداخلها مع المشكلات العامة التى تمنحها العادات والتقاليد غطاءً يحجبها عن الإعلام، كما أن الأسرار العائلية تحول دون الكشف عنها، ليقع العنف على المرأة دون حديث أو صخب إعلامى، والسبب صمت الضحية خوفاً من عنف جديد أو حكم خاطئ من الآخرين عليها، وبالرغم من سن القوانين والتشريعات، فإن هذا الصمت هو السبب الأقوى فى بقاء ذلك النوع من الجرائم بعيداً عن الضوء. «الوطن» تكسر صمت الضحايا فى اليوم العالمى للعنف ضد المرأة، وتقدم قصصاً لخمس فتيات تعرضن للعنف.

{long_qoute_1}

 

1: «مروة».. ماتت خوفاً من عملية الختان

«ليلى»: لاحظت عليها علامات الخوف والرعب إلى أن سقطت على الأرض وفقدت الوعى وتوفيت قبل إسعافها

«وأد البنات لم ينته فى مصر، طالما ما زلنا نعيش فى جاهلية، البنات يتعرضن بشكل يومى للوأد مع ممارسات مثل الختان». هذه الكلمات قالتها «ليلى» وهى غارقة فى البكاء، فبالرغم من أنها إحدى الناجيات من ختان الإناث، فإنها لا يمكن أن تنسى صديقتها «مروة» التى كانت أمها ترغب فى أن تجرى لها عملية الختان، ولكنها دفعت حياتها مقابل إنقاذها وشقيقتيها من مأساة الختان.

تروى «ليلى» أن «مروة» هى صديقة طفولتها، وجارتها، وزميلتها فى «التختة» بالمرحلة الابتدائية فى إحدى مدارس محافظة الفيوم: «ذات يوم سمعت أمى وأم مروة وجارتها بيقولوا هننفذ إمتى ولم نفهم وقتها ما يرتبن له».

وتضيف: كنا 4 بنات أنا ومروة وشقيقتاها، وكانت أعمارنا ما بين 7 و11 عاماً، وسمعت إحدى الجارات تقول لأمى: «هو انتو خايفين من إيه هو انتو ماتختنتوش ولا إيه، ولا بناتكم هيكونوا أحسن منكم، ما يشربوا من اللى شربنا منه كلنا وهو ده سلو البلد».

وتابعت: فى صباح اليوم المشئوم خرج والدى وإخوتى خارج البيت وكذلك والد جارتى، وتركونى مع والدتى وعدد من الجارات فى منزل جارتنا حتى جاءت سيدتان وقالت لى أمى إنهما من أصدقائها، وفوجئت بهما تمسكان بنادية، شقيقة مروة، وتخلعان ملابسها وهى تصرخ، لم تكن تدرى ماذا يحدث لها، ولكنا شعرنا بأرواحنا تضيع، وخوف ورعشة تسرى فى أجسادنا، تعالت مع صرخات الفتاة، التى لم يأبه لها أحد، وخرجت «نادية» من الغرفة شبه غائبة عن الوعى، منهكة من الصراخ والنزيف الدموى الذى تعرضت له، وارتمت على الأرض، وجاء دور الأخت الصغرى، التى تكرر معها نفس المشهد الذى لا تستطيع أن تنساه من خيالها، وتشعر بالاختناق وتدخل فى نوبات من البكاء كلما تذكرته.

حتى جاء دور «مروة»، صديقة طفولتها، والتى لاحظت عليها علامات الخوف والرعب الشديد، وكانت رعشتها تحرك كل جزء من جسدها، ولم تنطق بكلمة واحدة، سحبتها جارتها قائلة لها دورك زى إخواتك، فبمجرد أن وقفت الفتاة على السرير، توقف قلبها عن النبض وسقطت على الأرض، الجميع ظن أنها فقدت الوعى من شدة الخوف، وهرعت الجارات هنا وهناك يحاولن إفاقتها إلا أن السر الإلهى كان قد خرج، ورحمها من ظلم مجتمع يقهر الفتيات ويمثل بأجسادهن.

 

2: «جيهان».. قفزت من الشرفة بعد وصول تهديد زوجها إلى حد «السكين»

 

 

الزوج كان يعاقب الأبناء بالضرب المبرح.. فقررت خلعه.. ولكن المحكمة لم تلزمه بنفقة مناسبة تساعدها على الوفاء باحتياجاتها

«جيهان» ضحية جديدة لمسلسل العنف الأسرى الذى لا يزال حتى اللحظة يتكرر ولم ينته، قصتها تبدو تقليدية، هى زوجة وأم لـ3 أطفال، كثيراً ما تتعرض للضرب والإهانة، مثلها مثل الكثيرات من النساء اللاتى لا بد أن يتحملن صلف أزواجهن حفاظاً على أطفالهن.

تروى «جيهان» أنها كلما اختلفت مع زوجها فى الرأى يكافئها بضرب مبرح، وحينما تفر هاربة لبيت عائلتها تعيدها الأسرة بحجة أنها أم وعليها أن تتحمل، إلى أن جاء اليوم المشئوم الذى قضته فى المستشفى عالقة بين الحياة والموت، بعد أن حبسها زوجها فى دورة المياه، ودخل عليها ليضربها بسكين، فقررت أن تقفز من الشرفة، وحينما قفزت لم تفكر فى أن تهرب من سكين زوجها فقط، بل من حياة كرهتها بسبب زوج قاسى القلب يستمتع بممارسة القسوة والشدة مع الآخرين حتى أقرب المقربين له، فكان يضرب ابنه الأكبر ضرباً مبرحاً، ويتلذذ بإهانة وتحقير الآخرين ويستخدم قوته الجسدية التى تعكس ضعفه وقلة حيلته.

وفى هذا اليوم لم تمر واقعة الضرب مثل غيرها مرور الكرام، لم تسامحه وتعود إلى بيتها، فهذه المرة تسبب الضرب والإهانة لجيهان فى عاهة مستديمة فى قدمها، فقررت بعدها أن تطالب بحقها فى خلعه أمام المحكمة، ولم تهتم بكلام الأهل المعتاد عن بيتها وأطفالها، والعادات والتقاليد، ونظرة المجتمع السلبية للمطلقة، ودعمها وساندها فى هذا أبناؤها، الذين قد يتسبب الطلاق فى إبعادهم عن الأب، إلا أنهم أصبحوا لا يطيقون إهانة أمهم، وباتت «جيهان» تتعرض يومياً إلى لوم أبنائها لها على أنها كيف تتحمل هذا الكم من المرار والعذاب كل هذه السنوات دون أن تنفصل عن والدهم، إلا أنه بعد الانفصال واجهت نوعاً آخر من العنف ضدها من تعنت طليقها ورفضه أن يعطيها نفقتها أو نفقة أبنائها بالرغم من أنه ميسور الحال، وبدأت رحلة القضايا والمحاكم الموجعة والمفجعة، وبعد عامين متواصلين من الجلسات قررت المحكمة أن تصرف لها نفقتها ونفقة أبنائها، وبالرغم من أن ما حصلت عليه من نفقة أقل بكثير مما تستحقه إلا أنها قررت ألا تعود إلى زوجها مهما واجهت من مشاكل مادية، لأن نار الطلاق، ولا جنة الزواج.

 

 

3: «ياسمين».. تعرضها للتحرش تسبب لها فى «عقدة» أفشلت زواجها

 

لم أشك أن يطلب منى أن أذهب معه إلى المسجد لمساعدته فى قضاء حاجته ثم يفعل أمراً مشيناً

«ليس للحروف أن تبدأ، فهى تُحرق كلما حاولت أن أنسجها على لوحتى المؤلمة». هكذا بدأت «ياسمين» الفتاة القروية التى تبلغ من العمر 21 عاماً، تروى قصتها التى مرت بها فى طفولتها، حينما تعرضت لواقعة تحرش أصابتها بضرر نفسى بالغ، وبعد أن أدركت حقيقة الواقع المؤلم الذى عاشته، ظلت أياماً وليالى لا تنام، وحتى الآن حينما تتذكر تلك الواقعة تكثر ذكريات المشهد المؤلم، ما أصابها بعقدة نفسية من الزواج.

كانت «ياسمين» طفلة صغيرة لا تعرف الجمر من التمر، اعتادت أن تمضى فى الطرقات والشوارع القريبة من البيت لتلعب وتمرح مع بنات الجيران، وفى ذات يوم مر بها رجل لا تعرف ملامحه التى لا تزال تتذكرها جيداً، فهو فى سن جدها، يظهر على طيات وجهه علامات المرض. وقال لها بصوت حزين: «أنا تعبان وعايز أرتاح»، فشد الرجل العجوز انتباه الطفلة، فاقتربت منه، وقالت له بصوت برىء: لماذا؟ فرد، وهو يصطنع البكاء، أنه لا يعرف كيف يتبول بنفسه، وأن زوجته توفيت منذ سنوات وأبناءه جميعهم تركوه وسافروا خارج القرية، ويريدها أن تساعده، وطلب منها أن تأتى معه داخل المسجد القريب من مكان الواقعة.

تقول «ياسمين»: «لم أشك لحظة أن هذا الشيخ العجوز يطلب منى أن أذهب معه إلى المسجد، ذلك المكان الطاهر المقدس، ليفعل شيئاً خاطئاً أو مشيناً، فقررت أن أذهب معه لمساعدته فى قضاء حاجته، وكان المسجد خالياً من المصلين، وحينما اصطحبنى إلى دورة المياه حدث ما لم أفهمه أو أستطيع تفسيره».

وغابت فى مشهد حطّم حياتها المستقبلية، وحينما ذهبت لأمها لتحكى لها لم تفهم ما تقوله، وعاقبتها على تأخيرها فى اللعب.

ومضت سنوات، والمشهد لا يزال عالقاً فى ذهنها ولن تنساه، وكان عبارة عن صدمة كلما تذكرتها انتفض جسدها من الرعب والقلق والخوف، ومرت الأيام وكبرت الفتاة وتزوجت، وفى ليلة دخلتها لم يمر الأمر بسهولة، فالواقعة القديمة تسببت لها فى عقدة نفسية أطاحت بحياتها الزوجية، وعلاقتها الحميمية مع زوجها فيما بعد.

 

4: «مريم».. داهمها شبح العنوسة فماتت أمها حزناً عليها

نوع جديد من العنف أصبح كالكابوس الذى يلازم الفتيات اللاتى وصلت أعمارهن إلى 35 عاماً ولم يتزوجن، فأصبحت الفتاة التى تلقب بـ«العانس» تعانى أشد أنواع المعاناة النفسية التى تحاصرها من قبل أسرتها ومجتمعها، بسبب قسوة نظرة المجتمع لها وكأنها مصابة بعاهة أو داء، ما يدفعها إلى الوحدة والعزلة والغربة المعنوية، وهو ما تعانى منه «مريم» يومياً من المحيطين بها.

«مريم» فتاة تبلغ من العمر 35 عاماً، تخرجت فى كلية الألسن، وعلى قدر من الجمال، تعمل فى وظيفة محترمة، لكن لم يطرق أحد بابها للزواج منها، ولو لمرة واحدة، حتى وصل عمرها إلى 32 عاماً، وهو الأمر الذى تسبب لها فى حالة من الحزن الشديد الذى خيم على أسرتها طوال الوقت، فالأمل الوحيد الذى تعيش من أجله والدتها أن تتزوج مريم ليطمئن قلبها عليها قبل وفاتها، وهذه الطمأنينة من قبل أمها لن تحدث إلا بالزواج، وبالرغم من أن «مريم» متألقة دائماً فى عملها وحققت من خلاله نجاحاً لافتاً إلا أن شبح العنوسة يطاردها ليلاً ونهاراً، وأصبحت لا تستطيع إيقاف التفكير فى الزواج، وما يزيد حزنها وحزن أمها أنها ترى يومياً جميع الفتيات من حولها، واحدة تستعد للزفاف، وأخرى للخِطبة، وثالثة مشغولة فى شراء الجهاز، رغم أنهن أصغر منها فى العمر، ولا تعلم ماذا ينقصها، وكلام الناس بات كـ«السكين» يقطع قلبها: «كيف لا تتزوجين والعمر يمضى وما زلتِ فى بيت أهلك»؟ فى أواخر عامها 32، وبمساعدة إحدى أقاربها تقدم لها شاب، ومنذ أن سمعت والدتها الخبر والسعادة كانت ترفرف على أجواء البيت كله، حتى «مريم» نفسها كانت سعيدة، وبعد لقاء العريس فى المرة الأولى شعرت العروس بعدم الارتياح، وأن الفوارق الاجتماعية والتعليمية بينهما قد تمنع إتمام الزواج، ولكن والدتها وجدته «عريس لقطة»، وأنه الوحيد الذى طرق بابها وهو الأجدر بها، فقررت أن تعطى نفسها فرصة للحوار معه إلا أن الأمر لم يكلل بالنجاح، وقررت رفض العريس الوحيد الذى تقدم لها، كانت صدمة شديدة، ونزلت الحسرة فى قلب الأم التى رسمت فى خيالها تفاصيل زواج ابنتها ورؤية أحفادها، ما تسبب فى مرضها، وازدادت الأمور سوءاً يوماً بعد يوم حتى توفيت الأم بحسرة مريم، واتهمتها الأسرة بأنها السبب فى وفاتها، وحتى الآن تُحاسب «مريم» على خطأ لم ترتكبه، فبين عذاب الضمير الذى تعيشه بسبب وفاة أمها، وبين نظرة المجتمع لها بأنه «عانس»، تعيش الفتاة ابنة الـ35 عاماً فى معاناة نفسية لا تقل عن آلام المرض المبرحة.

5: «هدى».. فقدت ابنها وتعجز عن المطالبة بحقها فى الميراث

«هدى»، تعيش فى قرية نائية بمحافظة أسيوط، يرقد زوجها المصاب بالفشل الكلوى طريح الفراش، وعندما بلغ ابنهما الوحيد الرابعة عشرة من عمره أرسلوه على مراكب الموت المتجهة إلى إيطاليا، تقول والدموع تنساب على خديها: «ابنى سافر من أربعين يوم ومعرفش عنه حاجة، كل ما أتصل بحد من ولاد بلدنا اللى هناك يقولوا ماشفناهوش، وحتى المركب اللى غرقت فى رشيد مكانش موجود عليها، أنا نفسى أشوف ابنى مرة واحدة قبل ما أموت، ولولا الظروف الصعبة اللى إحنا فيها مكنتش سبتو يخرج برة البيت».

«حالة تصعب على الكافر» هو مثل شعبى دارج لكنه لا يجسد هذه المعاناة، فحالة «هدى» تصعب على الحجر، فهى تعانى من إعاقة بيدها اليمنى تجعلها غير قادرة على العمل، وليس لديها مصدر دخل إلا محل بقالة صغير تقتات هى وزوجها المريض من إيراده الذى لا يتعدى 20 جنيهاً يومياً، أما تكاليف علاجه من الفشل الكلوى فيتكفل بها بعض أهل الخير.

فدان ونصف الفدان من الأراضى الزراعية الخصبة ميراث «هدى» من بعض ما تركه والدها من أراضٍ زراعية وأموال، لكنها تعجز عن مجرد المطالبة بهذا الحق فى مجتمع يرفض فكرة توريث المرأة، فمجرد طلبها قد يتطور الأمر لمقاطعة إخوتها، بالإضافة إلى أنها لن تستطيع أن تحصل على حقها حتى لو حكم لها بمليون حكم.

ميراث تتعدى قيمته المليون جنيه لا تحصل منه على شىء سوى بعض الأجولة من القمح فى موسم الحصاد، وبين زوج طريح الفراش وابن مفقود ويد تعجز عن العمل، «هدى» مأساة إنسانية تمشى على الأرض.


مواضيع متعلقة