«مبارك» ورجاله وسنواته الأخيرة

كتب: د. رفعت السعيد

«مبارك» ورجاله وسنواته الأخيرة

«مبارك» ورجاله وسنواته الأخيرة

تحت عنوان «ما تبقى من ذكريات» يعود المفكر والكاتب والمثقف الكبير دكتور رفعت السعيد، لتوثيق اللحظات التى كان شاهداً عليها، تلك اللحظات التى شكلت تحولات تاريخية فى مصر والمنطقة كلها.. خاصة فى الفترة القلقة التى سبقت 25 يناير وعملية تجهيز جمال مبارك والصراع الذى كان يدور بين الحرس القديم والجديد وموقف مبارك منها ومن القضايا الخلافية وعلاقته بالأقباط وسر حالة التوتر التى كانت بينه وبين البابا شنودة الثالث، ثم ما جاء بعدها ودخول المجلس العسكرى فى المشهد وتصدر الدكتور محمد البرادعى وحمدين صباحى وعمرو موسى لجبهة الإنقاذ.. هنا يتحدث دكتور رفعت السعيد بمنتهى الصراحة عن تلك الفترة وعن حقيقة الاتصالات التى كانت تتم مع الولايات المتحدة، وقصة مرحلة ما بعد مرسى التى كان يتم التجهيز لها والرئيس الإسلامى الذى تلقى تدريبات على يد متخصصين فى البروتوكول.

أهمية ما سنقرأه فى هذه الحلقة والحلقات المقبلة أنها تكشف تفاصيل جديدة من الصورة الغائمة.. التى استغلها البعض للترويج لنفسه فى وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعى وتقديم صورة مغايرة لما دار فى الجلسات المغلقة. {left_qoute_1}

 

«مبارك»

كان مبارك يعرف رجاله جيداً، واحداً واحداً، ويعامل كلاً منهم بما يرى أنه يستحقه.

وأعرف حكاية عن كمال الشاذلى، إذ دعاه لحضور كتب كتاب ابنته.

دخل الرئيس والمأذون هو الشيخ حسن، وكان مأذوناً مرموقاً، فهو أيضاً عضو بمجلس الشعب، وفى زحمة الاهتمام بكتب الكتاب صاح مبارك ضاحكاً: «شيخ حسن، بذمتك كمال خد منك كام علشان تكتب كتاب بنته.

ولم يملك أساطين النظام جميعاً بما فيهم كمال الشاذلى إلا الضحك على نكتة الرئيس».

 

كمال الشاذلى يستمع للدكتور رفعت السعيد

وفى واقعة أخرى عندما زار مبارك مجلس الشورى احتفالاً بالتجديد المهيب الذى أعقب الحريق، وكان الاجتماع فى قاعة غاية فى الفخامة والسقف يموج برسوم مذهبة غاية فى الجمال، وحيث يقف حارس وأمامه زجاجة ماء وكوب يكون مقعد الرئيس.

وتدافع الحضور، وهم أعضاء الأمانة العامة للمجلس، للجلوس بالقرب من مقعد الرئيس فى الصف الأول على يمين مقعده، فالصف الأول على اليسار به أوراق مكتوب عليها الأسماء لترتيب الجالسين، وأولهم المشير طنطاوى، ثم صفوت الشريف، وهكذا.

وفى مقاعد خلفهم جلس جمال مبارك وزكريا عزمى وشخص أعتقد أنه الطبيب الخاص. دخل مبارك، وبإشارة خافتة منه اقترب رئيس الديوان، انحنى ليستمع إلى همسة من مبارك وعاد.

وبعدها بدقيقة خرج هو وجمال، وانتظرا بالخارج. وتابعت هذه اللقطة فى دهشة.

كانت الأمانة العامة تحتل المقاعد بقدر ما استطاع المتزاحمون أن يتدافعوا. ولم أكن أنوى الكلام ولا التدافع.

وبعد أن جلس الجميع.. تركت مقعدين خاليين وجلست، فى إشارة إلى أننى لم أتدافع ولا أريد الكلام.

وبدأت الكلمات الاحتفالية المعتادة، ثم الكلمات المممتلئة بنفاق معتاد ومفترض وربما مفروض.

وفجأة نظر مبارك، ربما تعبيراً عن ملل، أو تنفيذاً لفكرة خطرت فى باله، نظر نحوى قائلاً: انت قاعد بعيد ليه؟ ونظر إلى صفوت: انتو عاملين Seating يا صفوت؟ فرد: لأ يا افندم.

 

 

فعاد ليسألنى: قاعد بعيد ليه؟ فقلت: «كل واحد على قد مقاسه»، فضحك وقال: «قرّب شوية».

وانتقلت إلى كرسى وتركت الآخر فارغاً موحياً بأننى أتعمد عدم التزاحم.

وقال: اتفضل، أنا عايز اسمعك.

نظرت إلى سقف الغرفة المتألق وقلت: السقف جميل جداً، والجمال إرادة، ولكن الإرادة تحتاج إلى مال.

ونحن نحتاج تعليماً جميلاً وصحة جميلة ومستوى معيشة أجمل، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بموارد كبيرة، والحل هو الضرائب التصاعدية، ولمحت ابتسامة عميقة على وجه المشير، فتشجعت ومضيت، لكن مبارك قاطعنى: يقولون إنها ستمنع تدفق المستثمرين.. وأجبت: وهل يوجد بلد رأسمالى بلا ضرائب تصاعدية؟ حيروح فين؟ وضحك مبارك ونهض منهياً الاجتماع.. وهنا نفّذ مبارك الفكرة التى ربما خطرت فى باله والتى استدعانى للكلام من أجلها، وفيما يحيط به الجميع كالمعتاد نفاقاً، أشار إلىّ، ولدهشتى وضع ذراعه على كتفى وتباعد فتباعد الجميع عنا، وهمس مبارك فى أذنى: «كده كلهم حيضربوا أخماس فى أسداس وحيسألوك فلا تجاوب».

وبالفعل ارتبك الجميع، وبدأت نظرات متسائلة تغلف لفتات صفوت الشريف، لكن أحداً لم يتجاسر أن يسألنى. المهم، اقتربنا من الباب، ووقف الجميع ليسلم عليهم الرئيس، فمضى سريعاً، وأنا كالعادة الأخير فى الصف، فقال وهو مبتسم ابتسامة مختلفة: «حاسب على نفسك لأن اللى ضد الضرائب التصاعدية حيقطّعوك». ووجدت نفسى أقول: «أنا ما بخافش يا سيادة الرئيس»، ومضى ومعه جمال.

{long_qoute_1}

■■■

وبمناسبة جمال أذكر عدة وقائع، الأولى عندما كان الرئيس فى زيارة سابقة، وكان جمال معه، فصافحنى قائلاً: «عايز أشوفك» ومضى. والسبب كان حواراً فى المجلس حول «المفاعل النووى»، وقلت فى كلمتى: «المصريون لهم شفرتهم الخاصة وقاموسهم الخاص»، وعندما يتحدثون عن المفاعل يقصدون «الضبعة» لأنهم استقر فى مشاعرهم أن هذا المكان هو المفاعل ولا مكان غيره.

والتفت لى وزير الكهرباء د. حسن يونس مبتسماً فى ارتياح لم أدرك أنه كان مكبوتاً. وفيما نغادر الجلسة همس «برافو» ولم أفهم.

واقترحت على فريد خميس فكرة أن تبنى الحكومة مفاعلاً وأن يبنى الشعب من تبرعاته مفاعلاً آخر.

وأعلن فريد فى جلسة للجنة الشئون الاقتصادية عن فتح باب التبرع بعشرة ملايين، وانهالت عدة ملايين أخرى، وتحمست فكتبت فى الأهرام: «فلنبنِ لمصر مفاعلاً آخر».

وبعدها همس محمد كمال، وكان عضواً معنا وأيضاً كان سكرتيراً لجمال (وقد سبق أن طلبت منه أن يبلغ جمال أنه لا يجوز أن يخاطب اجتماع اللجنة السياسية المذاع على الهواء وهو يضع يده فى جيب البنطلون. ونقل الرسالة وبالفعل لم يفعلها جمال مرة أخرى).

المهم همس لى محمد كمال: «الأستاذ جمال عايز يشوفك»، (وهذه كانت التسمية السائدة فى أوساط المحيطين به)، فتوقعت أن يكون الأمر متعلقاً بمشروع الضبعة، ومع مسار الجلسة انتقلت إلى حيث يجلس واحد من كبار الذين أعلنوا تبرعهم وسألته: أخبار الضبعة إيه؟ ففزع وقال هامساً: «شخطوا وقالوا ابعد عن الموضوع ده»، وعدت إلى مكانى، وقلت لمحمد كمال: ممكن نحدد الموعد بعد يومين تلاتة.

وأستكمل قصة الضبعة.

فأحد كبار المستثمرين فى هذا المكان قابلنى ساعة جنازة المرحوم إبراهيم شكرى، وكعادته فى مناداة أصدقائه قال: «يا سيد الناس، عايز أحذرك من المطالبة بمفاعل فى الضبعة لأن اتجاه الريح سينقل الإشعاعات فى حالة وقوع كارثة مثل تشرنوبل إلى الدلتا ليقتل ويصيب عشرات الملايين».

ولم يكن مناخ الجنازة والزحام فى مسجد عمرو بن العاص ملائماً لأى نقاش ولا حتى لما قاله المستثمر الكبير، ولم أرد.

ويبدو أنه كرر هذه العبارة مع كثيرين حتى استدعاه مبارك ساعة الخروج من أحد الاحتفالات وقال له بصوت عال: «ابعد عن موضوع الضبعة».

وتناثرت معلومات عن خلاف حتى فى نطاق الأسرة حول «الضبعة».

وتأجل الأمر كله رغم إلحاح وزير الكهرباء حسن يونس، فالقوى الرافضة كانت الأقوى، فهناك جمال وصهره وشركاء صهره.

ونبقى مع رسائل مبارك العلنية التى اعتاد أن يطلقها وكأنها «هزار» غير متعمد، لكنها كانت مقصودة.

وأذكر يوم عقد قران جمال، وقد وُجهت الدعوة لعدد كبير فى نادى القوات الجوية، ووقف الرئيس وحرمه وجمال يتلقون التهانى.

وكالعادة تزاحم المتزاحمون المعتادون، وكنت بعيداً بعض الشىء، حتى يخفّ الزحام، أتحدث مع محمود محيى الدين عن أحوال الأستاذ خالد، حتى أوشك الزحام أن يتلاشى فتقدمت للتهنئة، لكن الرئيس باغتنى قائلاً بصوت مرتفع: عايزينك تكتب لنا كتاب ضد فاروق حسنى واللخبطة اللى عاملها.

وأجبت وبسرعة: «يا سيادة الرئيس، بعد 200 أو 300 سنة سيردد المؤرخون المقبلون أنه فى زمن حسنى مبارك تم إنقاذ وترميم الآثار الإسلامية والقبطية، وهذا يكفى فاروق حسنى ويزيد، وفوجئت بمبارك يخاطب شخصاً يقف خلفى قائلاً: «ابسط يا عم».

والتفتُّ لأجد خلفى فاروق حسنى الذى ظل ممتناً لهذا الرد.

لكن المثير للدهشة أن مبارك كرر طلبه هذا أكثر من مرة، وكنت أكتفى بالابتسام.

(وحاول بعض الذين يزعمون أنهم عالمون ببواطن الأمور تصوير أنها مناكفة عائلية بين الرئيس وحرمه، فقد أشيع أن الفنان فاروق حسنى كان يرسم خطوط وألوان الموضة لفساتينها).

وبما أن الرئيس كررها فقد حاولت أنا أيضاً، ففيما كان الرئيس مرشحاً وحيداً فى الاستفتاء الذى أُجرى لآخر مرة، قرر حزب التجمع الامتناع عن التصويت مطالباً بانتخابات تعددية وليس مجرد الاستفتاء على مرشح واحد، وأذكر أننى تعرضت لإلحاح مرير من جانب عديد من المسئولين وخاصة د. مصطفى كمال حلمى رئيس مجلس الشورى، وكمال الشاذلى، وغيرهما.

وكانت الجملة الأثيرة لدى الجميع ضرورة إبراز وحدة الصف فى ظل الظروف الصعبة، وفى كل مرة كنت أسأل محدثى: هل طلب الرئيس منك ذلك، وكانت الإجابة بالنفى.

وكان الأستاذ خالد قد تعرض لذات الضغوط فى مجلس الشعب وأجاب بذات السؤال. وعندما أعلن فوز الرئيس فى الاستفتاء ذلك الفوز المعتاد وبالنسبة المعتادة كانت وفود التهنئة تتدفق على قصر القبة.

وسبقنا وفد أمانة مجلس الشعب، وعندما اقتربت عبر الطابور من مصافحة الرئيس خطر فى بالى أن أوجه رسالة للسامعين، وفيما الرئيس يصافحنى سألته بصوت عال: حضرتك زعلان من موقفنا؟ فضحك، وقال: أبداً، وأكملت: «لازم الجميع يعرفوا إن الصورة متعددة الألوان أجمل من الصورة الأبيض وأسود»، فالتفت إليهم وقال عبارة لا أعرف إن كانت استحساناً أم لا.. فقال: «سامعين»، وهز الجميع رؤوسهم.. طاعة من غير رضاء. {left_qoute_2}

■■■

وتكرر الأمر عندما كانت الانتخابات التعددية الأولى.. وقد بدأت ملامح القرار عندما همس الصديق شوقى يونس وكان دائم الجلوس خلفى. وفيما الجلسة تناقش مسائل لا أهمية لها، قال هامساً: ستسمع أخباراً هامة جداً بعد يوم أو يومين.

وجاء الخبر الهام بتعديل الدستور بحيث تجرى انتخابات الرئيس من بين أكثر من مرشح. وجرت محاولات للضغط علينا للترشح. وفى بادئ الأمر قرر الحزب أن يترشح الأستاذ خالد. وأعلن بالفعل ترشحه خلال ندوة صحفية أجريت معه فى مجلة المصور، وتتالت عدة وقائع.. كنت أسجّل على الهواء ندوة مع لميس الحديدى فى ماسبيرو، ثم فاجأتنى فقالت: سنخرج إلى فاصل، وبعدها أسألك: هل من الملائم أن يترشح الأستاذ خالد وهو فى هذه السن؟ وأثناء الفاصل قلت بصوت غاضب: حذار أن تسألى هذا السؤال، فإجابتى ستكون أن خالد محيى الدين ليس أكبر كثيراً من مرشحكم.

فقالت: يا نهار إسود.. ولم تسأل السؤال، لكن الحاضرين جميعاً سمعوا.. وطبعاً نقل البعض ما سمع.

والذى حدث أننا استشعرنا حقيقة التمثيلية التى تجرى، فتقرر انسحاب الأستاذ خالد بحجة حالته الصحية.

وفى ذلك الحين كانت هناك ضغوط أخرى كى أترشح أنا، وكان صاحب هذه الضغوط د. نعمان جمعة الذى كان الوفد قد رشحه للرئاسة، وكان يستشعر أنها محاولة من خصومه فى الحزب لإحراجه.

وفى جلسة رباعية تكررت عدة مرات (صفوت الشريف، كمال الشاذلى، نعمان جمعة، وأنا)، طالب «نعمان» أن أترشح أنا وهو، حتى لا يتحمل الإحراج وحده، ورفضت بحسم، وكانت تمت دعوة د. نعمان إلى برنامج «البيت بيتك» لعرض برنامجه الانتخابى استكمالاً لديكور مسرحية الانتخابات. وسأله مقدم البرنامج: هل ترشح شخصاً يساندك أمام جمهور المشاهدين، فاختارنى.

واستكمالاً للإخراج المسرحى استدعونى على التليفون، وحاول مقدم البرنامج أن يضع بعض الحصى فى فمى قبل أن أؤيد انتخاب «نعمان»، فسألنى: ما رأيك فى البرنامج الذى أعلنه السيد الرئيس مبارك فى مدرسة المساعى المشكورة؟ وفهمت الملعوب، فأجبت إجابة لم تكن تخطر على بالى ولا بال «نعمان».

وطبعاً لم تخطر على بال مقدم البرنامج، قلت فى هدوء: «أعتقد أن الرئيس مبارك خالف القانون بأن عقد مؤتمراً انتخابياً فى إحدى دور العلم، وهذا ممنوع قانوناً، ولو كنت مرشحاً لسافرت فوراً إلى المنصورة وعقدت مؤتمراً انتخابياً فى مدرسة الملك الكامل الثانوية».. وأحسست أن مقدم البرنامج وزميلته قد أوشكا أن يغمى عليهما من الخوف، وخرجا إلى فاصل. بعدها قالت لى «جاسمين»، الشريكة فى تقديم البرنامج، إنها وزميلها كانا فى حالة رعب حقيقى.

وبعدها أيضاً جرت محاولة إصلاح الديكور الانتخابى، فاتجه الرئيس لعقد مؤتمرات فى حديقة الأزهر.

وعندما سافر إلى المنيا وتمت استضافته فى عشة على شاطئ النيل حيث تناول الشاى من يد زوجة صاحب العشة الذى بدا مرحباً بصورة مبالغ فيها.. أرسل زميلنا المرحوم د. وجيه شكرى، أمين الحزب فى المنيا، أن صاحب العشة المزعوم مخبر فى مباحث المنيا، ونشرنا الخبر فى الأهالى، بما أغضب الكثيرين (وهو ما تكرر نقلاً عن جريدة الأهالى فى فيلم طباخ الرئيس).

واستمرت التداعيات، فقد تحولت اجتماعات رؤساء الأحزاب التى سبقت الانتخابات إلى كوميديا سوداء.

الجلسات تُعقد لكى يرتل رؤساء الأحزاب الولاء والمديح للرئيس المرشح والتهكم على منافسيه.

وكان من بين منافسيه أحمد الصباحى (رئيس حزب الأمة) الذى أعلن أنه يترشح استكمالاً لولائه للرئيس، وأنه سوف يعطى صوته للرئيس (وبالمناسبة هو كمرشح حصل على نصف مليون جنيه دعماً من الدولة خُصص مثله لكل المرشحين.

ولما طُلب منه تقديم كشف حساب عن نفقاته رفض مؤكداً أنه مش فاكر).

المهم اتفقنا (نعمان جمعة وضياء داود وأنا) على الانسحاب من هذه الاجتماعات التى توقفت بعدها، ومُنح كل رئيس حزب من غير المنسحبين خمسين ألف جنيه كسلفة تُستقطع من الدعم الذى يقدم للحزب على أقساط.. ولم تستقطع. وقد نُبه عليهم بعدم إعلان ذلك.

لكن المستشار فرج الدرى أبلغنى بذلك سراً، وشجعنى على أن أطلب مثل ما كان للآخرين، ورفض صفوت الشريف معرباً عن غضبه، وربما متصوراً أنه يلقننى درساً فى ضرورة الطاعة، ولكنى لم أتعلم الطاعة وظللت كما أنا.

حلقة النار

وقد نجح زكريا عزمى فى أن ينسج شبكة غير مرئية تُحكم حصارها على مبارك، بحيث يمتنع على أحد الاتصال بالرئيس إلا عن طريقه وحده.

وكان يسميها متباهياً «حلقة النار».

وأذكر أن صديقاً، هو د. طه عبدالعليم، تم اختياره رئيساً للهيئة العامة للاستعلامات، وهو منصب هام، وفى إحدى سفريات الرئيس اصطحبوه على الطائرة الرئاسية، واستدعاه الرئيس خلال الرحلة ليتعرف عليه، وبعد حديث قصير كان على د. طه أن يترك المقصورة الرئاسية، فتجاسر وقال للرئيس: «أنا من موقعى يا سيادة الرئيس أحتاج إلى الاتصال بسيادتكم لأتلقى توجيهاتكم»، ورد مبارك: «إن شاء الله».

لكن زكريا عزمى انتحى به وزجره بشدة: «انت كده تخترق حلقة النار»، ولم يدرك د. طه عمق الكارثة، وعندما تحدث معى عقب عودته تليفونياً وروى ما حدث قلت له: احذر فقد يطاح بك.

وبالفعل ربما بسبب ما طلبه من الرئيس أو بسبب أنه حكى لى ما لا يجب أن يحكى.. أطيح به.

 

المعارضة جزء مهم من النظام الديمقراطى.. رسالة من البابا شنودة

 

رسالة من البابا شنودة إلى الدكتور رفعت السعيد

مبارك والبابا شنودة

وذات يوم استدعانى قداسة البابا شنودة غاضباً وساخطاً بعد حكم محكمة الجنايات ببراءة المتهمين فى قضية قرية الكشح وقال: بلغ الرئيس أن دم الأقباط مش ماء.

وكان الأمن قد رتب المحاضر لتقود لهذا الحكم، خاصة أن المعتدَى عليهم كانوا يوجهون اتهامهم الأساسى لشخص واحد، وكان من الصعب تصور وجوده فى أكثر من مكان فى وقت واحد.. والقاضى يحكم بما أمامه من أوراق.

واتصلت بجمال عبدالعزيز، السكرتير الخاص للرئيس، بعد اتصال بتليفون د. زكريا الخاص ولم يرد، وأجاب جمال عبدالعزيز: «الرئيس عنده ضيف، سأتصل بك فور انتهاء المقابلة».

ولم يتصل، ولم أكرر المحاولة.

وأعتقد -مجرد اعتقاد- أن سكرتير الرئيس كان متمماً لحلقة النار، وأبلغ د. زكريا الذى طلب منه ألا يُبلغ الرئيس، منتظراً أن أتعلم ألا أخترق حلقة النار.

وعاند، وعاندت، فلم أكرر المحاولة، لا من جمال ولا من زكريا، رغم أننى كنت أبلغت السكرتير أن الأمر هام جداً وعاجل جداً.

وبعد يومين اتصل د. زكريا: «انت زعلان مننا؟»، وقلت: لا، مش زعلان.

وقال إن جمال نسى أن يبلغ الرئيس وسألنى: ماذا كنت تريد؟ وقال بتودد أنا تحت أمرك. فقلت له ما قاله البابا، وقلت: أقترح أن يكلمه الرئيس.

وبعدها بدقائق كان الرئيس على التليفون، وقال: القاضى أمامه أوراق «متوضبة» لصالح المتهمين، وبلّغ البابا أن النيابة ستطعن فى الحكم أمام محكمة النقض.

وصمت البابا عن غيظ شديد.

{long_qoute_2}

والحقيقة أن العلاقة بين مبارك والبابا كانت معقدة جداً، لأن موضوع الكنائس كان معقداً.

وأذكر أن د. زكريا طلب أن أزوره فى قصر عابدين، وهناك أطلعنى على رسالة من وزير الأوقاف آنذاك د. حمدى زقزوق يشير فيها إلى زيارة قام بها للنمسا حيث وجد حالة من الاحتقان عند الأقباط المصريين بسبب موضوع نُشر فى نشرة الكرازة المرقسية ويشار فيه إلى غضب قبطى بسبب عدد من الأوضاع.. وقال: الرئيس يطلب منك أن تزور البابا، ويُستحسن أن تقابله منفرداً لتسأله عن طلباته، والرئيس مستعد لتلبية ما هو معقول. واتصلت ورتبت موعداً بالدير، حيث يكون البابا منفرداً.

وكان د. زكريا قد لحقنى وأنا على السلم ليقول: «ماتقولوش إنك تحمل رسالة من الرئيس وهاتها من عندك انت». وما أن انفردنا حتى قلت لقداسة البابا: أشعر أنك لست على ما يرام مع الرئيس.

فابتسم ثم بعد فترة تأمل، لعله تأمل الدافع وراء زيارتى وخلف سؤالى، بدأ الشكوى بالحديث عن سابق طلبه كنيستين فى الوادى الجديد، أذكر أن إحداهما فى بلدة موط.

وثاب ابناش كلها تعرف أن القبطى لازم يخطب خطيبته فى الكنيسة ويتجوزها فى الكنيسة ولما يموت لازم يتصلى عليه فى الكنيسة، وموط فيها أقباط كتير، واللى يموت يحطوه فى الصندوق على حمار ويسافروا بيه مشوار طويل جداً، لأن مفيش طرق ولا عربيات تقدر تمشى فى الصحراء، وقالوا الرئيس وافق من سنتين ولسه.

ثم سألته: هل مثلاً تجدون أن من الملائم أن يكون هناك محافظ قبطى؟ فسأل: إيه المانع يعنى؟ وتضاحكنا، وودعته، وفيما أغادر نادانى قائلاً: زى ما قالولك ما تقلش إن إحنا اللى باعتينك، أنا باقولك ماتقولهمش إن أنا اللى طلبت.. وضحكنا معاً. {left_qoute_3}

وبعدها اتصلت بزكريا عزمى، فرفض الحديث فى التليفون وقال: تعالى فوراً.

وفى مكتبه قلب أوراقاً ثم استخرج المذكرة المعروضة على الرئيس بشأن كنيستَى الوادى الجديد وعليها توقيع مبارك تحت عبارة «لا مانع» والتاريخ قبل سنتين، وقال: روح فوراً لحبيب العادلى وشوف معاه الموضوع لماذا تأخر.

وكان العادلى منتظراً، وقرأ التأشيرة، وطلب مدير أمن الوادى الجديد، وكان الرد البارد: «ماقدموش عقد يفيد تملكهم للأرض».

وفيما يرد عليه العادلى صرخت أنا: الكنيسة تمتلك الأرض من خمسمائة سنة، ولم يكن هناك عقود تمليك، وحتى الآن لا يوجد فى هذه المناطق شهر عقارى ولا عقود تمليك، وشخط العادلى: «الموضوع يخلص فوراً»، و«خلص الموضوع فوراً».

أما عن موضوع المحافظ فقد سألنى د. زكريا: هل هو عنده مرشح؟ وسألت، والإجابات كانت: اسأل د. ثروت باسيلى (وكيل المجلس الملى) وفى اليوم التالى جاءنى C.V للمرشح.. أذكر أنه كان طبيباً فى مستشفى منشية البكرى، لكننى متأكد أن اسمه «أكلمنديس»، وطبعاً كان رد زكريا متعلقاً بالاسم، لكننى كنت واثقاً أن اختيار المحافظ، أى محافظ، لا يمكن أن يكون لأحد غير الرئيس، وعيّن الرئيس محافظاً مسيحياً آخر.

والحقيقة أن موضوع الأقباط كان يشغل بال مبارك وإن كان يتعامل معه بحرص شديد يوحى بتردد يخاف من تداعيات لا يجوز الخوف منها.

ولكن فى اللجنة المصرية للوحدة الوطنية، وخاصة منير عبدالنور وأنا، كنا نبذل جهداً فى الإلحاح على حل مشكلات تتناثر هنا وهناك، خاصة فى مجال التعليم.

وذات يوم كنت عند قداسة البابا وكعادته فى كثير من الأحيان كان يتهكم ضاحكاً وشاكياً فى نفس الوقت.

وحكى قصة طالب طب كان يخشى من امتحان الشفوى لأن الأستاذ متعصب ضد الأقباط فاحتاط وسأله الأستاذ اسمك؟ مجدى.

مجدى إيه؟ إبراهيم.

إبراهيم إيه؟ كمال.

كمال إيه؟ وما من مفر فقال: بطاريس، فشخط الأستاذ: قوم ده بطرس واحد بيسقّط.

وعاد الفتى باكياً.

وذات يوم اتصل الرئيس مبارك وسأل كالمعتاد: البابا صاحبك زعلان والتقارير بتقول إنه يشكو بمرارة، فحكيت له حكاية «بطاريس»، وزدت عليها أن هذا الأستاذ يتعمد أن يمتحن الطلاب يوم 7 يناير ليغيظ الأقباط، فضحك أولاً على اسم «بطاريس»، ثم قال: كلّم الدكتور حسين (وزير التعليم والتعليم العالى حسين كامل بهاء الدين) يشوف حل وبلاش امتحانات يوم 7 يناير، فردّ الدكتور حسين: «الأستاذ الممتحن كان أستاذى ومن الصعب علىّ مجادلته فى هذا الأمر، والحل أن يُصدر الرئيس قراراً بذلك، وأردف: وعلى أىّ حال، عندما كنا طلبة كانوا يمتحنوننا فى عيد الفطر أو عيد الأضحى كنوع من التأكيد على أهمية دراسة الطب».

ونقلت الإجابة إلى د. زكريا، وجاء الرد بعد أقل من ساعة: «خلاص يا سيدى، الرئيس قرر اعتبار 7 يناير إجازة رسمية ويمكن كمان عيد القيامة»، وأسرعت ونقلت الخبر إلى البابا شنودة الذى أبدى ابتهاجاً غير معتاد، لكنه لدهشتى رفض إجازة عيد القيامة لأن ذلك سيثير قطاعات كبيرة من المسلمين الذين سيتذكرون ساعتها: «وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ»، ودهشت ليس فقط لأن البابا يتذكر نصاً قرآنياً وإنما لحرصه البالغ والسريع جداً بالنسبة لإجازة عيد القيامة.

وأبلغت د. زكريا الذى قال: كده يلقّن البابا الجميع درساً فى الوطنية، وبعدها عندما زرت قداسة البابا همس فى أذنى وأنا أغادر: ستذكر الكنيسة فى تاريخها أنك صاحب «7 يناير إجازة رسمية».

ولم أزل فى غمار ذكريات لا تنتهى حول العلاقة الشائكة والغامضة بين مبارك والبابا، وذات يوم وأنا فى مجلس الشورى اتصل بى شخص من طرف الأنبا مرقص (أسقف شبرا الخيمة)، ليبلغنى أن رئيس الحى اصطحب الأمن وعشرات العمال وأنهم يهدمون الآن مبنى خدمات كنيسة شبرا الخيمة.

واتصلت بمحافظ القليوبية المستشار عدلى حسين، وهو صديق عزيز، فقال: بيقولوا مش كنيسة ومبنى بدون ترخيص. وسريعاً حضر د. ثروت باسيلى، فقد أخرجه تليفون من الجلسة ليقدم ذات البلاغ.

(وكان البابا خلال زيارة لنا نحن الاثنين له فى الدير وعندما قلت له أرجوك يا قداسة البابا لا تشغل بالك بالتفاصيل الصغيرة وفوض شخصاً تثق به فى أن يتولاها.. فأشار إلينا انتو الاثنين مع بعض).

واتصلت بالدكتور زكريا فإذا به يقول: كنيسة شبرا الخيمة؟ عندى خبر، بس دى مش كنيسة، ده بيت خدمة بُنى دون إذن ودون ترخيص.

فدخلت فى حوار حول حساسية الموضوع، خاصة أن الأنبا مرقص صعّد الموضوع وهو مصمم أن الهدم طال جزءاً من الكنيسة.. وبعدها بساعة تلقيت مكالمة منه: «الرئيس أمر بإعادة الشىء لأصله وبإعادة المبنى كما كان وتتحمل المحافظة التكلفة، وطلب أن أذهب غداً لمقابلة المحافظ وحلّ الموضوع، وكان الأنبا مرقص قد تلقى ذات الإجابة عبر طريق آخر.

وذهبنا إليه، د. ثروت وأنا، فى طريقنا إلى بنها، فوجدنا أمامه رسماً معمارياً أُعد على عجل يعيد بناء مدخل الكنيسة برخام يغطى السلالم ويتصاعد ليغلف كل الواجهة، ثم يصعد ببرج الكنيسة إلى أعلى.. وأما مبنى الخدمة فهو مفتوح على قاعة الكنيسة الرئيسية.

فنظرت إلى د. ثروت، وتفاهمنا، وقال «ثروت» إن هذا ليس إعادة الشىء إلى أصله وإنما إعادة بنائه بفخامة مبالغ فيها.

وفى بنها قال المستشار المحافظ نفس الشىء.

وفيما نشرب القهوة اتصل همساً بقداسة البابا الذى ثار ثورة عنيفة، وقال: ولا طوبة واحدة زيادة، كفاية إن الرئيس أنصفنا.. ومش عايزين رخام ولا فخامة.

وذهبنا مع المحافظ إلى موقع الكنيسة ومعنا الأنبا مرقص، وهالنى منظر الشارع الضيق جداً الذى تصاعدت كل مبانيه كأبراج يصل بعضها إلى 12 طابقاً، بحيث يخيل إليك أن الأبراج المتقابلة توشك أن تتلامس فى أدوارها العليا لتغلق بوابات الضوء والشمس وحتى الهواء.. وسألت المحافظ: كل ده مخالف؟ فقال مندهشاً: واضح.

وسألت: إشمعنى رئيس الحى اختار مبنى الخدمات فقط؟ فقال: سأنقله فوراً.

وصمم الأنبا مرقص على موقفه، ورفضنا جميعاً.

وأخيراً استخدم المحافظ سلاحاً ظل سرياً، فقال: «الكنيسة ومبنى الخدمات مبنيان على أرض زراعية ولا أستطيع فعل شىء إلا بموافقة وزير الزراعة»، وبعد اتصال بالدكتور زكريا ثم اتصال من الكنيسة بالأنبا مرقص هدأت المناقشات وأعيد الشىء إلى أصله.

{long_qoute_3}

لكننى لا أستطيع أن أتباعد عن عطر الكتابة المصطحبة لاسم قداسة البابا شنودة دون أن أستمتع بذكر رسالتين خطيتين تلقيتهما من قداسته.. وذات يوم فى جلسة مسترخية فى الدير قال لى لا أذكر أننى كتبت رسائل شخصية بخطى إلا لك أنت.. وشعرت باعتزاز، ولم أزل.. الأولى كانت بمناسبة انتخابى رئيساً لحزب التجمع.

والثانية أُرسلت من أمريكا بالفاكس بمناسبة العيد الثلاثين لصدور جريدة الأهالى، وتوقفت طويلاً أمام مديح لا أستحقه من شخص مثل قداسته، ولا أخفى أننى كلما أمسكت بالرسالتين فى إطارهما الفضى لا أزال وحتى الآن أشعر بعطر أنفاس قداسته، وأستأذن فى أن أُمنح كل ما كتبت وما سأكتب بركة قداسته بنصهما.

وربما لو أطلت التأمل لكتبت مئات الصفحات، لكننى سأكتفى بعبارة واحدة لم تزل محفورة فى أعماقى.

كنت فى زيارة إلى الكاتدرائية، وكالعادة التفّ حولنا عدد من الآباء أتى أحدهم غاضباً من إبراشيته فى الصعيد، وظل يشكو تصرفات غاية فى الرداءة ضد شعبه وكنائسه هناك، والبابا صامت، لكن المطران الغاضب قال: أنت يا سيدنا تأمرنا بالهدوء وكلما سكتنا زادوا هم من تطاولهم، فأنصفنا، نحن أبناءك، وامنحنا الإذن بالاحتجاج، وظل البابا صامتاً وصمت الجميع، وبعد فترة قال البابا: «ليس فقط لأن الرب يأمرنا أحبوا مبغضيكم وباركوا لاعنيكم»، وإنما لأن سلامتكم وحقوقكم فى عنقى ومعها وفوقها سلامة وأمن مصر كلها، وأنا أخشى وأحاذر من أن تغرق مصر فى دماء طائفية حتى لو احتملنا نحن.

وفى المراحل الأخيرة من مرضه الأخير همس أحدهم فى أذنى: البابا مريض جداً، ويتألم آلاماً فوق أى قدرة على الاحتمال، لكنه يخفى آلامه.. فاتصلت به فى كليفلاند حيث يعالج ورد على: «الأنبا....» فقال: «قداسة البابا بخير ولكنه يستريح بعض الوقت، وأنا سأبلغه باتصالك، وسمعت صوت قداسته يسأل بحدة: مين بيتكلم؟ ولما عرف صاح: هات التليفون، وكلمنى ضاحكاً أو متظاهراً بالضحك: أنا كويس وأول ما أرجع سأتصل بك.

وبالفعل عاد البابا ليتصل بى وقال بهدوء: عاوز أشوفك.. ولست أدرى لماذا خيّم علىّ إحساس حزين يوحى بأنه اللقاء الأخير. وانتظرت دقائق تبدّت طويلة جداً وأنا جالس فى مكتبه.. وتذكّرت أن منير عبدالنور (عضو المجلس الملى وصديقى العزيز) قال لى إنه فى أحد اجتماعات المجلس كان قداسته متجهماً جداً، فهمس أحدهم فى أذن جاره: حد يجيب سيرة رفعت السعيد وقداسته سيضحك. وسأل قداسته: بتقولوا إيه لبعض؟ وأجاب أحدهم بما سمع فضحك البابا فعلاً، قائلاً: هو صديق عزيز فعلاً.

وفيما أتمنى أن أراه ضاحكاً أتى قداسته متماسكاً ومبتسماً موحياً للجميع أنه فى أتم صحة.

وكما اعتدت دائماً احتضنت قداسته، ويبدو أننى أطلت، فتخلص برفق، وبدأ حديثاً ضاحكاً. وخوفاً عليه من التعب استأذنت سريعاً، وخيّم علىّ إحساس أنه عندما وقف ليودعنى أنه الوداع الأخير.

وسكب فى أذنى أنفاسه العطرة وهو يقول: خلى بالك من نفسك ومن صحتك.. وربنا هيحميك وأنا حادعيلك باستمرار. وصحبنى إلى الخارج حتى جاءت السيارة، فى كل مرة كان يفعلها، وفى كل مرة كنت ألمسه برفق قائلا:ً اتفضل ادخل يا سيدنا، لكنه يصمم أن يبقى حتى تأتى السيارة.

هذه المرة لم أفعل وتمنيت ألا تأتى السيارة لأبقى معه لحظات أخرى.. وأحسست أنه أيضاً لا يلتفت إلى السيارة إذ وصلت وظل واقفاً معى.. وأحسست أنها نهاية اللقاء الأخير معه.

وبالفعل كان رحيله بعد يومين.

وتبقى ملاحظة أخيرة فى مسألة علاقة مبارك بالمسألة القبطية.. كانت دماء الكشح لم تجف بعد، وكان ثمة تجديد نصفى فى مجلس الشورى وثمة تعيينات لأعضاء جدد، اتصلت بالدكتور زكريا وقلت له: ما رأيك فى أن يجرى تعيين مسيحى من الكشح فى «الشورى»، بعدها بساعات اتصل وسألنى: صاحبك عنده اقتراح باسم معين؟ وسألته صاحبى مين؟ وأجاب: البابا، قلت له: البابا لم يفاتحنى فى الأمر ولا أنا فاتحته.

وبعدها صدرت قرارات التعيين وفيها رجل أعمال مسيحى من قرية الكشح، لكن المثير للدهشة أن القرار وُضع فى النص الرسمى إلى جوار الاسم وبين قوسين عبارة «من قرية الكشح»، وتصورت أن خطأ إدارياً ترك هذه الإشارة مكانها، ولكن فيما أتندّر بذلك فى حوار مع البابا أسند قداسته يديه على العصا وقال فى هدوء وكأنه يوجه الحديث لشخص غير موجود: «ربما أراد أن يسجل فى وثيقة رسمية ما قد يقرأه البعض بعد سنوات عديدة ليسجل أنه كان متعاطفاً مع ضحايا الكشح»، وبالفعل راجعت مرسوم التعيينات فى الجريدة الرسمية، فوجدت ذات العبارة، وربما كان البابا على صواب.

حكاية الرجل الغامض

هذه الحكاية احتفظت بها ولم أشر إليها من قبل، لأنها واقعة ليست فقط مثيرة للدهشة، وإنما هى شديدة الغرابة فى ترتيباتها، فتناسيتها حتى نسيتها.

والبداية فى نادى الجزيرة، وأنا رغم عضويتى القديمة جداً فى النادى لا أستمتع به إلا نادراً، وبعد أن هبط فوق صدرى كابوس الحراسة الأمنية، وإذ أصبح الذهاب للحلاق مثلاً مشكلة فكيف أصطحب معى حارساً مسلحاً إلى صالون الحلاق دون أن أستثير فضول الناس، وأنا الذى تعودت أيام العمل السرى على الانفلات دون أن يلتفت إلىّ أحد، وكان الحل أن أحلق عند «صبحى» حلاق النادى.

وذات يوم خرجت من الصالون ووضعت حقيبة أوراق بها بعض تقارير مجلس الشورى على إحدى الترابيزات، ومشيت عدة دورات حول الملعب، وعدت لأجد شخصاً أنيقاً أربعينى العمر جالساً بالقرب من أشيائى. ابتسم وابتسمت، وبسبب ظهورى لعدة مرات فى التليفزيون اعتدت أن يتعرف علىّ البعض ويقتحموننى بأسئلة عن «أخبار الدنيا إيه؟»، ورأيى فى الموضوع الفلانى، واعتدت الإجابة باقتضاب شديد، لكن هذا المبتسم سأل بعد التحية سؤالاً غريباً جداً: «حضرتك مش شايف إنها مسألة غريبة إن مذكراتك توزع أكتر من توزيع مذكرات د. بطرس غالى؟».

سألت نفسى: هل هذا استفسار أم جرّ شكل؟ وأجبت ببرود لم يدهش المبتسم: «والله أنا معرفش مذكراتى وزعت كام ولا أعرف مذكرات د. بطرس وزعت كام، لكن أنا متأكد أن د. بطرس أهم منى ألف مرة».

فأجاب إجابة أثارت مزيداً من دهشتى.. وقال: «على أى حال انتوا أصحاب من أيام مجلة الطليعة، فمجلة «السياسة الدولية» كانت معاكم فى الدور السادس فى الأهرام أيام ما كان د. بطرس رئيساً لتحريرها، وتحولت الدهشة إلى فضول. لكننى آثرت الانسحاب حتى لا تنفتح أبواب حديث أضيّع معها وقتاً بلا فائدة مع شخص لا أعرفه.

وتمضى أسابيع، وحلقت فى النادى، وفيما أفلت من بين يدى «صبحى» الحلاق وجدت ذات الشخص واقفاً والابتسامة الودودة تفتح أبواب حديث لم أكن أريد أن يُفتح، لكنه كان يمتلك القدرة على التودد بشياكة، وتبادلنا التحية، وسار إلى جوارى، وبلباقة دعانى إلى كابتشينو فى الصالون، فالجو حار، والصالون مكيف.

وفيما ارتشف الكابتشينو قذف برفق معلومة غريبة: «تصور يا دكتور أن أحمد نظيف مرشحينه رئيس وزراء».

وأدهشتنى هذه القذيفة، ووجدتنى أجيب: «مش معقول»، فقال: أنا كمان رأيى كده، لكن هو فعلاً مترشح رئيس وزراء، وكررت مؤكداً: «مش معقول».

واستأذنت منصرفاً عن هذا الشخص الذى اعتقدت أنه «لاسع».. حلقت عدة مرات ولم يظهر المبتسم ونسيته تماماً حتى فوجت بعدها بحوالى ثلاثة أشهر بأحمد نظيف رئيساً للوزراء.

تذكرت الرجل، تحسست شعرى، كان قصيراً ولست بحاجة للحلاقة، ومع ذلك ذهبت فى ذات اليوم إلى النادى ولم أدهش إذ وجدته، لكن الابتسامة تغيرت، ونبرة صوته أيضاً.

قال باعتداد: «علشان تبقى تصدقنى». وابتلعت تعاليه صامتاً، وجلسنا فى الصالون، شربنا كابتشينو، تحدثنا فى أمور سياسية شتى. هو واسع الاطلاع، دقيق العبارات، يعرف كثيراً من تفاصيل تصعب ملاحظتها، ولا أخفى أننى بدأت أستمتع بالحوار معه.

ورغم أن المعلومات التى تبدو أنها تأتى عفواً يصعب أن أتصور أنها كذلك، وأنه كان يريد أو هو مكلف بأن يستطلع رأيى لجهة ما فى قضايا محددة، ولأننى لا أعرف من هو؟ ولا من يعمل؟ فقد كانت كلماتى دقيقة جداً ومحسوبة جداً، وفى أحيان حاسمة جداً.

عدة مرات التقينا، كيف يعرف مواعيد حلاقتى؟ لم أعرف. هل هو صبحى الذى تتصل به سكرتيرتى لتسأله هل عنده زحمة أم لا.. أم كان الأمر مرتباً بطريقة أخرى؟.. ثم أكاد أكتشف أن كل ما فات كان إعداداً لحوار آخر، فى إحدى الجلسات سألنى بشكل مباشر: كيف ترى مستقبل موقع الرئاسة؟ قلت إما أن يجدد مبارك لنفسه، أو أن يأتى بجمال.

فسأل بجفاف: ألا ترى سيناريو آخر؟ وانتظر إجابتى التى جاءت «ربما» وفقط. فأكد هو جازماً: هناك سيناريو ثالث، وسيأتى بشكل أو بآخر.

فماذا سيكون رأيكم؟ ولاحظت أن «رأيك» تحولت إلى «رأيكم»، وقلت: يتوقف الأمر على كيف؟ ومن؟ ولماذا؟ فسأل: أفهم كيف؟ ومن؟ ولكن لم أفهم «لماذا؟» فقلت: لأن التوريث قد يُرفض من جهة ما لسبب ما ومن وجهة أخرى لسبب آخر تماماً.

فقال: أنا متفق معك، فكروا فى الأمر فهو آت لسبب أو لآخر.

وبعدها اختفى الرجل ذو الابتسامة الودودة.. ثم عدة أشهر وكانت 25 يناير.

وعندما دُعيت إلى مقابلة مع بعض أعضاء المجلس العسكرى فى أعقاب تنحى مبارك وسفره إلى شرم الشيخ تخيلت ابتسامة هذا الرجل الغامض، وسألت نفسى: هل سأجده هناك؟ ولم أجده، ولم أره حتى الآن. ولم أعرف من أين أتى؟ ولا إلى أين ذهب؟

جزء من كتاب «ما تبقى من ذكريات»

الصادر عن دار «سنابل للكتاب»

 

 


مواضيع متعلقة