السجن 40 عاماً لـ«مرسى» مقابل «التخابر مع قطر»

كتب: هدى سعد

السجن 40 عاماً لـ«مرسى» مقابل «التخابر مع قطر»

السجن 40 عاماً لـ«مرسى» مقابل «التخابر مع قطر»

أسدلت أمس محكمة جنايات القاهرة، برئاسة المستشار محمد شيرين فهمى، الستار على القضية المعروفة إعلامياً بـ«التخابر مع قطر»، وقضت بمعاقبة 6 متهمين بينهم 3 هاربين، بالإعدام شنقاً، عما أُسند إليهم من اتهامات، فيما عاقبت الرئيس المعزول محمد مرسى، وسكرتيره أمين الصيرفى، بالسجن لمدة 40 عاماً، «المؤبد و15 عاماً فى اتهامين منفصلين». وعاقبت أحمد محمد عبدالعاطى، سكرتير «مرسى»، بالسجن المؤبد، وكريمة الصيرفى «هاربة» بالسجن 15 عاماً. والمتهمون المقضى بإعدامهم هم كل من أحمد على عبده عفيفى، ومحمد عادل كيلانى، وأحمد إسماعيل ثابت، وأسماء محمد الخطيب، وعلاء عمر سبلان، وإبراهيم محمد هلال، وعاقبت المحكمة أيضاً كلاً من أحمد على عبده عفيفى وخالد عبدالوهاب وكريمة الصيرفى وأسماء الخطيب وعلاء سبلان وإبراهيم هلال بالسجن المشدّد 15 عاماً.

وبرّأت المحكمة الرئيس المعزول وسكرتيريه أحمد عبدالعاطى وأمين الصيرفى وخالد عبدالوهاب ومحمد عادل كيلانى وأحمد إسماعيل ثابت وكريمة الصيرفى وأسماء محمد الخطيب، مما نُسب إلى المتهم الأول بالبند أولاً من أمر الإحالة فى القضية المعروفة إعلامياً بـ«التخابر مع قطر»، وإلزام المتهمين جميعاً، متضامنين، بدفع أتعاب المحاماة، وبمصادرة الحاسبات الآلية والوثائق والمستندات والسيديهات، ووضعها تحت تصرُّف القوات المسلحة، ورفض الدعوى المدنية المقامة من المحامى محمد محمود الجندى، لاتهامهم بالتخابر مع قطر وتسريب مستندات الأمن القومى وبيعها لقناة «الجزيرة».

{long_qoute_1}

وقال مفتى الجمهورية فى رده على المحكمة بالتصديق على إعدام المتهمين الستة: «إن القرائن قاطعة الدلالة تقطع بإثبات جرم المتهمين، ومن المقرر أن الجرائم فى الفقه الإسلامى تنقسم إلى ثلاثة أقسام، جرائم معاقب عليها بالحد، وجرائم معاقب عليها بالقصاص غل فيه حق العبد إن كان الله تعالى له حق، وجرائم معاقب عليها بالتعزير، حيث يُقدّر القاضى فى النوع الأخير ما يتناسب مع الجرم والجانى والمجنى عليه، ويأتى الجرم الذى ارتكبه المتهمون ضمن الجرائم المعاقب عليها بالتعزير، وعقوبة القتل قد وجبت على هؤلاء، لأن جرمهم تعدى خطره، وهو ما يفوق جرائم القصاص والحدود، فيكون هؤلاء أولى بالقتل، يقتلون فرداً أو أفراداً، ممن ينتهكون حرمات الله تعالى». وأضاف: «عرّضوا الوطن لخطر عظيم لا يستقيم أن تكون عقوبته أقل من القتل، فجريمة الجاسوسية أجاز الإمام مالك، رحمه الله تعالى، قتل الجاسوس المرتكب لها، ورأى الفقهاء المعاصرون، أنها أشد من غيرها جرماً، ولكى يكون عبرة لغيره، ولقد ثبت ذلك لدار الإفتاء من واقع الأوراق وما تم فيها، أن الجرم الذى ارتكبه المتهمون المطلوب أخذ الرأى الشرعى فيهم، تبين أنهم حصلوا على سر من أسرار الدفاع بقصد إفشائه لدولة أجنبية، من عدة جهات سيادية، معلومات وبيانات القوات المسلحة، وسياسات الدولة والداخلية، لا يجوز لهم ولا لغيرهم، وصوّروا صوراً ضوئية من تلك الوثائق بقصد تسليمها لدولة قطر، ومن يعملون لمصلحتهم بغرض مالى، وتحقق غرضهم بقصد الإضرار بمركز البلاد الدبلوماسى والسياسى، لضرر البلاد اقتصادياً، وذلك أخذاً بإقرار بعضهم على البعض الآخر».

وأوضح المفتى: «لما كان المتهمون المطلوب أخذ الرأى الشرعى فى ما نسب إليهم، لا يقل بأى حال عن تجسّس، بل يفوق التجسس، إذ ما قاموا به لا يُقدر خطورة ما إذا كان سرياً للغاية أو سرياً جداً أو سرياً، ليس هذا فقط، بل أشد خطراً من الجاسوس، إذا إنه فى الغالب أجنبى، لكن الطامة الكبرى أنهم للأسف مصريون، خانوا الأمانة والعهد، خرجوا بهذه الوثائق الخطيرة من أمكانها السرية لتسليم أصولها إلى دولة أجنبية، للإضرار بأمن الدولة، خصوصاً أن أغلب هذه الوثائق تتعلق بالقوات المسلحة، من ثم هؤلاء هم المفسدون فى الأرض، ولا يكون لهم جزاء إلا القتل، تعزيراً، ليكونوا عبرة لجميع من تسول له نفسه ارتكاب ذلك الجرم الخطير بحق مصر والمصريين، ولما كان ذلك وكانت الدعوى قد أقيمت قبل المتهمين، بالطرق المعتبرة قانوناً، فلا وجود لشبهة تدرأ عنهم هذا الجرم، ولذا يكون جزاؤهم القتل تعزيراً، جزاءً على الإضرار بالبلاد وتعريض أمن مصر للخطر، هذا دار الإفتاء».

وقال المستشار محمد شيرين فهمى، رئيس المحكمة، فى كلمة وجهها إلى المتهمين قبل النطق بحكمه، وعقب الانتهاء من كلمة المفتى، بدأها بالقول إن «خيانة الوطن أكبر مما تحتمل أى نفس، إنه لعار أن تخون وطنك، والوطن بمنزلة العرض والشرف للإنسان، ومن هان عليه وطنه يهون عليه عرضه وشرفه». وشدّد المستشار على أنه ما من عرف أو دين أو فكر، يبرر خيانة الوطن، مهما اختلفنا فى أفكارنا أو مبادئنا. وتابع أنه يذهب كل شىء ويبقى الوطن ما بقيت السماوات والأرض، فمهما كان عذرك للخيانة، فلا عاذر لك، ما من شىء يغفر خطيئة خيانة الوطن.

وأكد القاضى فى كلمته أنه «حتى من تخونَ وطنك من أجلهم، ينظرون إليك نظرة عدم احترام، فهم يكنون لك المقت»، معقباً «لا يمكن لعاقل أن يثق فى خائن، ومن هان عليه وطنه يهون عليه الأوطان الأخرى». وانتقلت المحكمة إلى تأكيد نصوص الشرع التى تنهى عن الخيانة، وذكر القاضى الآية الكريمة «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ»، وقوله «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ». وأشار القاضى إلى أن النبى بيّن فداحة هذا الجرم وملاحقته لصاحبه فى الدنيا والآخرة، ذاكراً الحديث الشريف «ما من ذنب أجدر أن يُعَجِّلَ الله تعالى لصاحبه العقوبة فى الدنيا مع ما يَدّخرُه فى الآخرة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب»، ذاكراً كذلك دعاء النبى «أعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة»، لتعلق المحكمة بأن ذلك يكشف بجلاء أن الخيانة فى أسفل درجات الانحطاط.

وتابعت المحكمة قائلةً «إن الحياة والوطن، وشيجتان مترابطان، كامتزاج الإنسان بالأرض، بطينه وترابه، بظله وعدله، فالوطن هو محفظة الروح، حينما تغادره تنسل من جذرك، إنه لكى يسكنك يجب أن تسكنه أنت، هو أنت وأنت هو، حتى لو أتعبك بغثاء السيل فى دروبه، مهما قسا عليك لا مفر إليه منه، إن البلد بنيله ونخيله الذى يتطاول عزة ومهابة، وبقادته ورجاله، بأطفاله وشيوخه، بحره وبرده، مُتكأ للطمأنينة، فهو الأب الحانى الكبير، نقسو عليه ويحنو علينا، نعصاه أحياناً ويمنحنا العطاء بلا حدود، لا نستطيع أن نزداد حباً وبراً له».

وانتقل القاضى، للإشارة إلى أن المحكمة قامت بدورها فى البحث عن الحقيقة، من خلال مُحاكمة منصفة، تحققت فيها ضمانات الحقوق والحريات فى إطار الشرعية الإجرائية. وقال: «قامت المحكمة بنظر الدعوى فى جلسات متعاقبة، دون التقيُّد بأدوار انعقاد المحكمة، سمعت فيها جميع شهود الإثبات، واستدعت من اقتضت الضرورة سماعهم، للإحاطة بالدعوى على بصر بصير، لتلفت المحكمة إلى أنها استمعت إلى 48 شاهداً منهم كبار قيادات الدولة ممن عاصروا الأحداث». وأضاف أنه «إحقاقاً للحق وإنارة للطريق، استمعت المحكمة إلى هيئة الدفاع، وأتاحت إليهم كل الفرص الممكنة لتقديم دفوعه، ليطمئن وجدانها، لأنها أعطت كل ذى حق حقه، والجلسات بلغ عددها 99 جلسة حققت المحكمة خلالها قواعد العدالة والمحاكمة المنصفة دون الإخلال بحق أحد، وإنه بلغ صفحات الجلسات يزيد عن 1055 صفحة، وعكفت على دراسة أوراق الدعوى دون كلل أو مملل، وصولاً إلى الحقيقة حتى استقر للمحكمة، يقيناً ثابتاً لا مرية فيه، كافياً لإدانتهم، واطمأنت إلى الشهود (من شهود إثبات وشهود واقعة)، وما شهدته المحكمة من وثائق ومستندات تم ضبطها لدى بعض المتهمين، وكذلك إقرارات المتهمين بالتحقيقات على أنفسهم، وعلى غيرهم من المتهمين.

{long_qoute_2}

وأشارت المحكمة إلى رفضها ما أثاره دفاع المتهمين، وأنه قصد بها التشكيك فى ما يثبت جرم المتهمين، لحمل المحكمة على عدم الآخذ بها، لتؤكد المحكمة أنها لا تعول على إنكار المتهمين للاتهامات المسندة إليهم، واعتبرت أن تلك هى وسيلتهم فى الدفاع، لدرء الاتهام بغية الإفلات من العقاب.


مواضيع متعلقة