المغرب.. تسلل التأسلم - ليبيا.. تسلل العقلانية

رفعت السعيد

رفعت السعيد

كاتب صحفي

ولعلى لا أحتاج إلى إيضاح أنه ما دمنا قد تحدثنا عن تجديد وتأويل، أى إعمال للعقل والعلم وصحيح الدين ومحاولات اللحاق بالعصر، وفى الإسكندرية، فإن الأمر يكون بالضرورة متعلقاً بمكتبة الإسكندرية التى اعتادت على الإمساك بنبض العقل المصرى والعربى والإسلامى بهدف فتح نوافذ جديدة، وتلاحقه لإنعاشه ومنحه مزيداً من القدرة والشجاعة فى زمن يرتد بنا حتى يصبح صعباً القول بالتجديد الجاد وليس الصورى وبالتأويل الذى هو طريقنا نحو ملاحقة تطورات العصر المتسارعة أحداثه وإحداثياته وتجدد معارفها وتجديد تجددها فى كل لحظة.

والأوراق التى تضىء لنا طريق الكتابة الآن هى أوراق ندوة زاخرة بالمعارف والفهم وإعمال العقل والاستمتاع بأعماله. وكعادتها فتحت المكتبة ذراعيها لتستقطب مفكرين وكتاباً وعلماء وإسلاميين من عديد من البلدان العربية والإسلامية والغربية بامتدادات الغرب المختلفة بالإضافة إلى عديد من المصريين أزهريين وعلمانيين وليبراليين، وكانت الأيام 3-5 يناير 2016 مجالاً لهذا الطرح الفكرى فى ندوة عنوانها «صناعة التطرف - بحث فى تدابير المواجهة الفكرية». وقد تميزت الأوراق جميعاً بتنوعات وتمايزات تنطق جميعاً وعلى اختلافها بما نحن فيه، وتتنوع بتنوع البلدان والمنطلقات والعقول.

وبرغم تحفظى على مسمى «التطرف» (الذى أرى أنه قد يكون تطرفاً حميداً فى فعل الخير وفى الالتزام بالدين والتدين، وقد يكون تطرفاً شريراً يقتاد صاحبه من الإسلام إلى التأسلم) فإننى أعتقد أن أغلب الأوراق قد تجاوزت هذه الكلمة وقالت ما عندها.

ونبدأ بورقة موجزة جداً لمفكر مغربى هو د. عبدالحليم أبواللوز (باحث فى علم الاجتماع الدينى، جامعة ابن زهر، أكادير، المغرب)، وتركز ورقته على حالة مغربية تنشأ عبر ما سُمى دُور القرآن التى تنتشر فى المغرب وهى تابعة للجمعيات الدينية الراديكالية وتركز توجهها نحو صغار السن، وهذه الدُور لا تخضع لأى سيطرة إلا سيطرة هذه الجماعات، فهى ليست كتاتيب قرآنية ولا رياض أطفال، ومن ثم لا تخضع لأى إشراف حكومى. ويسترسل د. أبواللوز فى خطورة التعليم فى هذه الدور فى ظل ضعف البنية النظرية أو المادية للقائمين عليها، بحيث تخلق فى ذهن الطفل نمطاً من التدين يفتقد أى تفاهمات مع المتغيرات الاجتماعية، فيتحول الدين إلى ممارسات شكلية روتينية لا علاقة لها بمطلق مرجعى يكفل لها شرعيتها، فهذا التدين التقليدى لا تنتجه نخبة مثقفة أو رموز وشيوخ ذوو مكانة اعتبارية. ومن المغرب إلى ليبيا حيث ورقة تقدمها د. أم العز الفارسى (رئيسة قسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد، جامعة بنغازى)، وتقول فى ورقتها:

عانت ليبيا من حالة من التطرف الفكرى، ما بين نظام حكم أحادى التفكير لا يقبل بالمعارضة لمنهجه السياسى المتقلب والغريب الأطوار فى الفترة من سبتمبر 1969م إلى فبراير 2011م، وكردة فعل على نظامه المستبد ظهرت قوى فى شكل معارضة عنيفة انتهت إلى الإطاحة بنظامه، هذا النموذج للتطرف جعل من ليبيا نموذجاً حياً للتطرف الذى هدد السلم المجتمعى، فمن نظام القذافى حيث السجون والمعتقلات والإعدامات الجماعية والحجر على الحريات وضياع الحقوق وغياب العدالة، إلى الفكر «الداعشى» الشديد الخطورة الذى يقف ضد قيام الدولة المدنية ويعادى الجيش والشرطة ويغتال النشطاء ويفرض شروطه بمنهج متطرف عدوانى، عدو للتنمية والتقدم والعلم والحياة.

وتختلف ليبيا عن غيرها من الدول العربية التى شهدت ثورات 2011م، حيث تعمّد نظام القذافى عسكرة المدنيين سابقاً، ثم ترك المعسكرات مفتوحة بما فيها من أسلحة وعتاد، وفيما بعد عجزت كل محاولات جمعه واحتوائه، وأصبح فى أيدى شباب الثوار، وحاولت رئاسة الأركان الناشئة تنظيمه، من خلال ما يسمى بتنظيم «الدروع»، وهى جماعات شبابية شكّلت مكوناً مدنياً مسلحاً يضم بحسب تصريحات «أمرائه» الثوار الذين واجهوا كتائب القذافى فى الجبهات، وتحررت ليبيا من جبروت القذافى وحكمه لليبيين بنمط العسكرة ليس باعتبار أن انقلابه كان عسكرياً وأن حكمه كان عسكرياً فقط، بل بتنوع كتائبه من اللجان الثورية التى كانت تتبعه وأولاده، بل إنه وعلى مدى حكمه الطويل لم يهتم بتطوير قدرات الجيش العسكرية، بل إن نمط عسكرته يغلب عليه طابع العسكرة الأمنية إن صح التعبير.

وفى ليبيا حيث ورثة ثقافة متطرفة متعنتة وعسكرة منفلتة ومؤدلجة وعجز النظم البديلة عن توفير الأمن والسلم المجتمعى نتيجة انتشار الأفكار المتطرفة التى ولدتها منظومة متكاملة من الاستبداد والأحادية فانتهت إلى انشقاقات جهوية وعنف متبادل يقترب من الحرب الأهلية فى بعض المناطق التى شهدت سيطرة الميليشيات المتطرفة المؤدلجة، كداعش وأنصار الشريعة التى ليس لها ولاء وطنى، بل إنها تنقاد إلى سيطرة تنظيم إرهابى متطرف فى العديد من أنحاء ليبيا كدرنة وسرت وبنغازى وصبراتة، واستمالت شباب «الدروع» بحيث احتدم الصراع العنيف بين من يمثل شرعية الدولة (الجيش الوطنى والشرطة) والذى عانى من الاستهداف المباشر من القوى المتطرفة، وبين من يرفض فكرة الدولة المدنية فى حد ذاتها، وإعلان العداء لكل من يمثلها. ولكى نجد حلاً فلابد من:

- محاولة البحث فى الأسباب التى تنزرع فيها الأفكار المتطرفة لتتحول من مجرد أفكار إلى سلوك عدائى إرهابى بمجرد أن يمتلك السلاح، ويدخل المجتمع إلى صراع محتدم يهدم الأمن والسلم المجتمعى.

- البحث فى كيفية تحصين النشء من الأفكار المتطرفة بالبحث عن البدائل المعرفية. وتطوير الوسائل التثقيفية التى تساعد على الانفتاح والتسامح وتنبذ التطرف والعنف.

- تشخيص ظاهرة التطرف والبحث فى وسائل العلاج، والكشف فى الواقع العربى والإسلامى الذى ينتج هذه الظاهرة بل ويتحول إلى بيئة حاضنة لها.

ومع الصعوبات التى تواجهنا فى تحقيق ذلك ظهرت نظرية جديدة وشديدة الصعوبة.. «تحويل الصراع». وتنطلق هذه الفكرة من أن حل المشكلات التى تسبب الصراع هو فى ذاته أمر فى غاية التعقيد، بل غير ممكن، ولذلك يجب التأثير فى السياق المحيط للصراع، وتغييره، وربما تغيير أطراف الصراع.

ويدعو هذا الاقتراب إلى «التعامل مع المصادر الاجتماعية والسياسية المتنوعة للصراع، والعمل على تحويل الطاقة السلبية الخاصة بالحرب إلى تغيير إيجابى فى المجالات الاجتماعية والسياسية».

فالتدابير الثقافية وإعادة الاعتبار إلى مفاهيم السلم المجتمعى تحتاج إلى عمل منظم وتكاليف من قبَل السلطات المحلية المدنية والرسمية والاستعانة بالخبرات الدولية بالتزامن مع البحث فى الحلول السلمية للصراع المتبادل والعنيف. ويبقى أن نشير إلى محاولات فعلية لأمريكا والناتو لبحث إيجاد بدائل تتصارع فى صراعات جديدة وبقوى جديدة وهو ما يمسى بالفعل «تحويل الصراع»، ولكن بصورة تآمرية تستهدف استمرار العنف المتبادل عبر تجديد أطرافه.

ويبقى أن نقول إنه منهج ليبى ربما لا يصلح لأى بلد آخر.. هذا إن أمكن تحقيقه

ونواصل مطالعتنا فى أوراق أخرى.