لماذا أجل رئيس الوزراء بيانه أمام البرلمان؟!

ماذا فى وسع حكومة المهندس شريف إسماعيل أن تقدمه للمصريين فى بيانها إلى البرلمان الجديد، فى ظل ظروف ضاغطة تواجه فيها الحكومة نقصاً حاداً فى الموارد والعملات الصعبة بسبب الانخفاض الملحوظ فى صادرات مصر إلى الخارج وضمور عائد السياحة؟! وهل أجلت الحكومة إلقاء بيانها أمام البرلمان قلقاً من ردود فعل الأعضاء المتوقعة على تصريحات رئيس الوزراء الأخيرة التى أشارت إلى احتمال صدور قرارات مؤلمة وصعبة، يبدو أنها خلقت أجواءً غير ملائمة تحت القبة يمكن أن تعكر صفو العلاقات مع برلمان نشيط متنوع، يسأل ويدقق وتتعدد فيه الآراء، ولا تحكمه أغلبية برلمانية سابقة التجهيز يمكن بإشارة حمراء أن تغلق باب النقاش؟!، ثم ما الذى تستطيع أن تفعله الحكومة على هذه الجبهة العريضة من المشكلات المتراكمة التى يحتاج إصلاحها إلى أموال قارون، كما تحتاج إلى جهود ضخمة تستغرق سنوات عديدة، بينما يتوق الناس إلى أن يلمسوا إنجازاً سريعاً محسوساً يشعر به الجميع، يحيى داخلهم الأمل فى أن غداً سوف يكون أفضل من اليوم، وأن مصر أصبحت بالفعل على الطريق الصحيح.

الأمر الذى لا شك فيه أن حكومة المهندس شريف إسماعيل تواجه امتحاناً عسيراً يفرض عليها المفاضلة بين أولويات عديدة تتعلق بتحسين خدمات الصحة والتعليم والإسكان يبدو جميعها ملحاً وضرورياً، ويتطلب كل منها إنفاقاً مهولاً وجهوداً ضخمة ترقى بهذه الخدمات إلى مستوى إنسانى.. وفى مجال التعليم، وهذا مجرد مثال، يتطلب الإصلاح بمفهومه الشامل مدرسة منضبطة، ينتظم حضور التلاميذ فيها من أول أيام العام الدراسى إلى آخره داخل فصول ذات كثافة معقولة لا يتجاوز عدد تلاميذ الفصل 40 تلميذاً، يقوم عليها هيئة تدريس منضبطة شاغلها الأول إحياء دور المدرسة كمؤسسة تعليمية وليست مجرد مكان لتسويق الدروس الخصوصية، تلتزم مناهج دراسية عصرية لا تتوقف عند حدود الحفظ والاستظهار ولكن ترقى بقدرات التلاميذ إلى المستويات العالمية، خاصة فى مجالات الفيزياء والكيمياء والرياضيات؛ العلوم الأساسية التى تصنع تقدم الأمم، إلى جوار أنشطة مدرسية متنوعة تكتشف مواهب وقدرات التلاميذ المختلفة وملاعب رياضية ترفع مستوى لياقتهم البدنية.. وحبذا لو أن هناك وجبة غذاء تساعد على التقليل من مخاطر انتشار فقر الدم والتقزم وضعف البنية التى يعانى منها النسبة الأكبر من التلاميذ المصريين!.

بينما يقول واقعنا الراهن إن لدينا 18 مليون تلميذ يزدحمون فى 453 ألف فصل يكاد يكون متوسط عدد التلاميذ فيها 80 تلميذاً!، فى 47 ألف مدرسة لا تتجاوز نسبة المدارس الفنية منها 4.7٪!، كما يقول واقعنا الراهن إن المدرسة كمؤسسة تعليمية قد تم تخريبها عمداً لصالح أنظمة تعليمية موازية.

وقد تكون مشكلة تحسين خدمات الصحة أقل وطأة، لأننا نملك بنية أساسية لخدمات الصحة.

وأظن أن الحكومة تستطيع من خلال رفع موازنات الصحة (التى لا تزال عند حدود 2% من الناتج الوطنى الإجمالى) وإنشاء نظام صارم للثواب والعقاب إحداث تحسن ملموس فى خدمات الصحة يلمس الناس آثاره فى غضون عامين أو ثلاثة.. وكذلك الأمر مع مشكلة الإسكان التى يمكن أن تحقق فيها الحكومة إنجازاً ملموساً فى ظل المشروع الضخم الذى بدأته مصر بإنشاء 240 ألف وحدة من الإسكان المتوسط، يعتبره وزير التخطيط، أشرف العربى، أضخم مشروع إسكانى عرفه العالم، يخصص للشباب ويتم تملك الوحدة على أقساط تمتد 30 عاماً بحيث لا يتجاوز سعر الوحدة السكنية مائة ألف جنيه.

وبالطبع فإن الوصول إلى المستوى اللائق فى تحسين مستويات الصحة والتعليم والإسكان لا يمكن أن يتحقق فى غيبة برنامج شامل للتنمية المستدامة، تخلص خطوطه العريضة فى رفع معدلات التنمية التى تبلغ الآن 4.2% إلى حدود 6% فى غضون عامين، ترتفع إلى 8% فى المتوسط قبل عام 2020، بما يمكن مصر من توليد 800 ألف فرصة عمل كل عام للقادمين الجدد إلى سوق العمل، وإحداث تحسن ملموس فى جودة حياة كل فئات الشعب المصرى، لكن ثمة شروطاً مهمة وأساسية لتحقيق هذا الإنجاز.

أولها، محاولة ضبط النمو السكانى الذى تجاوز معدله الآن 2.6% بعد أن أهملت الحكومات المصرية المتعاقبة على امتداد السنوات العشر الماضية برامج تنظيم الأسرة، التى نجحت فى خفض معدلات النمو السكانى إلى 1.9%، لكنها عادت إلى الارتفاع مرة أخرى منذ عام 2001 لأن الحكومة ألغت برامج تنظيم الأسرة.

وثانيها، تحقيق التوازن الجغرافى فى مشروعات التنمية، لأن 44% من الناتج المحلى الإجمالى، كما يقول وزير التخطيط، أشرف العربى، يأتى من مشروعات قائمة فى القاهرة الكبرى، بينما تحظى الإسكندرية ومحافظات الوجه البحرى بنسبة تقرب من 40%، لكن الناتج المحلى الإجمالى يهبط فى محافظات الصعيد إلى حدود 7%!، الأمر الذى يتطلب إصلاحاً فورياً يعالج هذا الخلل الجسيم، وثمة فرص مؤكدة للنجاح، لأن النسبة الأكبر من أراضى مشروع إصلاح مليون ونصف المليون فدان توجد فى محافظات الصعيد، فضلاً عن المثلث الذهبى الذى يربط بين محافظات سوهاج وقنا والبحر الأحمر حيث توجد مناجم الذهب ومعظم ثروات مصر التعدينية، كما تحتاج الصناعة المصرية إلى فلسفة مغايرة تركز على السلع الصناعية التى يحتاجها المصريون ويتم استيرادها من الخارج..

وثالثها، ضرورة تحقيق توازن آخر بين المشروعات القومية الكبرى التى ترفع معدلات التنمية بنسب عالية، وتمد النشاط السكانى إلى مساحات أوسع من اللامعمور الصحراوى، وتحتاج إلى مصادر تمويل ضخمة، كما تتطلب زمناً أطول لترويج مشروعاتها التى يغلب عليها الطابع الاستراتيجى، مثل مشروع محور قناة السويس، ومشروع تجديد الشبكة القومية للطرق، ومشروع إصلاح مليون ونصف المليون الفدان، ومشروع بناء العاصمة الإدارية الجديدة، وبين المشروعات المتوسطة والصغيرة التى تستوعب 85% من قوة العمل المصرى ولا تحتاج إلى تمويل ضخم، وتكاد تتركز فى ثلاث حرف أساسية هى الأثاث والجلود والمنسوجات.

ويسبق جميع ذلك أن تدرك الحكومة بكل أجهزتها التنفيذية، وفى مقدمتها الشرطة والأمن، أن المصريين اختلفوا بعد ثورتى يناير ويونيو، صاروا أكثر إصراراً على حقوقهم المدنية، وأكثر اجتراءً على واقعهم، وأكثر رفضاً لعسف السلطة، ينفرون من الظلم والتسيب والإهمال!.. ولكل هذه الأسباب يحسن برئيس الوزراء، المهندس شريف إسماعيل، وهو يلقى بيان الحكومة أمام البرلمان أن يكون حاسماً قاطعاً فى قضية احترام حقوق الإنسان المصرى والحفاظ على كرامته، لأنه لم يعد من المقبول أن يتحول أى صدام محدود إلى مشكلة أمن قومى كما حدث فى مستشفى المطرية!، وأن يكون صادقاً فى وعوده لا يعد إلا بما يستطيع تنفيذه لأن الوعود لم تعد دخاناً فى الهواء، أصبحت التزاماً يتم على أساسه الحساب!، لكن المهمة الأكبر لرئيس الوزراء فى بيانه أمام البرلمان أن يزرع الأمل داخل نفوس المصريين من خلال جهود منظمة تحدث تحسناً مستمراً وملموساً فى حياة المصريين حتى إن لم يكن تحسناً طفيفاً يتراكم بالضرورة ليصبح إنجازاً مدهشاً، لأنه بدون أمل يحفز المصريين على مسيرة المستقبل يصعب على الجميع أن يعبروا بحر الصعاب التى تواجههم.