الربيع العربى.. تأصيل المصطلح!!

أحمد شوقى

أحمد شوقى

كاتب صحفي

حديثنا الممتد عن المستقبل، محلياً وإقليمياً وعالمياً، لا يجب أن يمر مرور الكرام على أحداث السنوات الخمس الأخيرة، التى وُصفت فى مطلعها بـ«الربيع العربى». وفى معرض تأصيل هذا المصطلح، والطريق الذى قاد إليه، أعتقد أن لدينا من العلامات المهمة ما يستحق الذكر. قدمت جريدة «الوطن» عرضاً نقدياً ضافياً لما حدث فى عددها الصادر فى 31 يناير 2016، وجاء فى هذا العرض أن المفكر التونسى د. صافى السعيد قدم هذا الوصف فى بداية الأحداث، وإن كان قد راجع نفسه فى العرض المذكور. لا شك فى ذلك، لكنه قد يوافقنى على كونه ليس صاحبه، وليس فى ذلك أى مفاجأة. بين يدى عدد مجلة «فورين أفيرز»، وهى أشهر مجلة أمريكية فى السياسة الخارجية، عدد مايو/ يونيو 2005، وملفها الرئيسى المكتوب على غلافها: «هل هو ربيع عربى؟».

كتب فى الملف فؤاد عجمى، المهاجر الذى جعلوه شهيراً منذ أن كتب فى ثمانينات القرن الماضى وفى المجلة نفسها عن «نهاية الوحدة العربية»، وتكرم علينا بأن ذكر أن مشكلتنا فى مصر أن «صورتها الوهمية» فى ذهننا، كبلد حضارى عريق يمكن الانطلاق والتقدم إذا ما أحسن توظيف إمكانياته، تخفى حقيقة كونه بلداً معدماً يقع على نهر ملوث. كيف لا يشتهر بعد ذلك؟ ومن الطبيعى أن يصحبه فى الملف نفسه برنارد لويس، صاحب «الأيادى البيضاء» بكتبه: «ماذا جرى بالخطأ؟، ونهاية التاريخ الحديث فى الشرق الأوسط، ويهود الإسلام، والإسلام والغرب، وأزمة الإسلام» وغيرها. ولأن «تخمه استراتيجية» تملأ الفضائيات بالتحليلات، فلا بد أن يكون نجومها من قراء المجلة المذكورة، وكتابات السيدين المشهورين. لذلك قلت إن الأمر لا يحمل أى مفاجأة؛ نحن لم نطلق هذا الاسم على «مولودنا». لذلك من حق بعضنا أن يطالب بإثبات النسب!! لقد قلت ذلك فى الاتحاد الأوروبى عام 2014، خلال مؤتمر للحوار العربى الأوروبى، ذاكراً أن العرب يستحقون ربيعاً، لكن الغرب أراده فظيعاً حيث قدم الملف النموذج العراقى باعتباره النموذج المحتمل لهذا الربيع أو الفظيع العربى.

والحقيقة أن الطريق إلى ما حدث كان طويلاً ومتعرجاً، وزاخراً برغبات غيرنا أن يصنع مستقبلنا، مستغلاً حاجتنا الصادقة إلى التغيير وبناء مستقبل أفضل. لن أحدثكم عن ما هو معروف من مخططات تعود إلى الخمسينات أو الثمانينات أو غيرهما، ولن أحدثكم عن الشرق الأوسط الكبير والفوضى الخلاقة وتمويل الأنشطة التى تستهدف نشر الديمقراطية، بل لن أحدثكم عن التسريبات التى استشاط الكثيرون غضباً لعدم أخلاقياتها، متناسين النظر إلى محتواها... إلخ. وأصدقكم القول أننى لا يمكن أن أدين ملايين النبلاء، الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم المشروعة (المجد للبسطاء)، فاحتكرت قلة من تجار الثورات التحدث باسمهم، واتفقوا سراً وعلانية مع من سرقها ومن تدخل فى مسارها، قبل أن يستعيد هؤلاء البسطاء زمام المبادرة فى 30 يونيو، مستعينين بجيشهم، الذى هو منهم وإليهم. سأحدثكم هنا عن ثلاثة نماذج فقط من الدراسات، التى أرادت أن تصنع لنا حاضرنا ومستقبلنا، بمزيج من الأعمال ذات الطابع الاستراتيجى والمستقبلى. وهى نقطة فى بحر الدراسات الموجهة التى تخصنا، وإن لم نلتفت إليها كثيراً:

- فى النصف الأول من الثمانينات صدرت دراسة عن جامعة جورج تاون عن «مستقبل الدول الصغيرة»، أرى فيها مقدمة لدور قطر، التى توصف بأنها تقع فى قناة الجزيرة، وليس العكس، ومساندة لـ«تقسيم المقسم وتفتيت المفتت».

- فى بداية التسعينات نشرت «فورين أفيرز» نفسها مقالاً لروبرت أوين يوضح قيمة الوجود العسكرى الحاسم فى منطقتنا، لمواجهة احتمال أن تقوم دولة كبيرة (العراق) بمهاجمة دولة صغيرة صديقة (الكويت)، والبقية الكارثية معروفة.

- فى عام 1997 نشرت مؤسسة «كوتس وكوتس» الشهيرة دراسة عن «العالم فى 2025» أكدت أهمية تغيير أكبر نظم المنطقة فى حدود عام 2006، وتأخر الأمر قليلاً بعد أحداث سبتمبر. وعندما حان الوقت المناسب، أصدر الرئيس الأمريكى توجيهاً رئاسياً، قبل أحداث تونس بشهور، لكل جهات الأمن القومى لترقب الأحداث الكبرى التى ستجرى فى منطقتنا، حتى تسير كما ينبغى!!

دعونا لا نتحدث عن المؤامرة، لقد نجحت المؤامرة على نظرية المؤامرة، وصارت مرفوضة ممن يكتسبون مكانتهم من اعتراف الغرب بهم. إنها ببساطة مباراة فى «لعبة الأمم»، لا علاقة لها بنبل البسطاء، الذين خرجوا للمطالبة بحياة أفضل وكما كتبت منذ سنوات، هذا الحلم الثورى كان قمراً، وككل قمر، له «وجهه المظلم» الذى اكتشفناه.