المفقود فى رحيل «هيكل» وبطرس غالى

(1) رحل الأستاذ وفى لحظة رحيله لن يسود شىء سوى كلمات الرحمة والتحسر على خسارة الوطن لقيمة صحفية كبيرة، وكنز تاريخى عاصَر واقترب بمن حكموا من عصر الملك وحتى الرئيس «السيسى».

مات «هيكل» بعد أن كتب واشتبك وغضب، وتنبأ وحلل، ومثل حياته سيكون مماته، ستبدأ رحلته إلى القبر هادئة وسرعان ما ستمر الأيام ليظهر النهّاشون بأسرار جديدة وحكايات غريبة تفتح قبر الرجل لم يكن أحدهم يجرؤ على البوح بها فى حضرة «الأستاذ»، ستبدأ الأيام الأولى بالحديث عن أسطورته وقوته وموهبته ورؤيته، وستتبعها أيام كلها جدل حول دوره السياسى، وستظهر مقالات تطلب الشهرة على حساب جسده، وستغدو بعض الأقلام ناهشة بضمير، لأنها تعرف أن صاحب القلب القوى قد مات.

مات الأستاذ محمد حسنين هيكل، وسيكون فى مماته مثل حياته، مثيراً للجدل، يكرهه البعض، ويحبه الآخر، ولكنهم جميعاً سيتفقون على أنه كان قامة صحفية كبيرة، وواحداً من أبرز الذين كتبوا بالقلم فى الصحافة المصرية.

(2) رحل بطرس بطرس غالى، وكان علماً من أعلام الدبلوماسية المصرية فى العالم كله، كان أميناً سابقاً للأمم المتحدة، يفخر المصريون بأنه ولدهم، وكان فاعلاً فى الحياة السياسية المصرية ووجهة رائعة لوطن كان يبحث عن وجوه مستنيرة، وكان هو من أكثره استنارة واحتراماً فى الخارج، فى مذكراته الرائعة خط سيلاً من حياة وذكريات بطريقة هى الأكثر رشاقة فى تاريخ المذكرات أو اليوميات التى ظهرت فى الفترة الأخيرة، تحدث فيها عن كل شىء وكان شجاعاً وكانت نصيحته أمينة، لذا لم يكن صعباً أن تجد عشرات الدبلوماسيين فى العالم وقد نعوه بحسرة، وأعضاء الأمم المتحدة وقد وقفوا دقيقة حداد على روحه، ولم تخلُ صفحات كبريات الصحف العالمية من مقالات وتقارير معمقة ورائعة عن حياته ومسيرته، بينما الصحف والمواقع المصرية لم تتذكرها بأكثر من سيرة ذاتية منقولة عن «ويكيبيديا» وتسبقها كلمتا عزاء.. حسرة أفج من الموت.

(3) تخسر مصر مع السنوات قامتها الكبرى مفكرين وكتاباً وسياسيين، يروح الواحد منهم، ولا يحظى منا بالتقدير أو الوداع المناسب، ونغفل وسط معارك الصراع عن ذكرياته وحياته وتاريخه بين مَن هو مع ويمجد بقوة، ومن هو ضد وينتقد بقسوة، أن من ذهبوا كانوا جزءاً من روح هذا المجتمع، وجزءاً من وعى هذا الوطن، يستحقون التقدير قبل أن نضعهم فى خلّاط اختلاف وجهات النظر، أما الأخطر فهو أننا لا ندرك فى لحظات الخلاف هذه أن من يذهبون لا يأتى مَن يملأ فراغهم، لأن ساحتنا لم تعد مصنعاً ثقافياً قادراً على أن يمد هذا المجتمع بما يحتاجه من قامات، مثل تلك التى رحلت، سواء كان «هيكل» أو بطرس بطرس غالى.

نفقد قامات دون أن يبدو لنا فى الأفق أن غيرها يولد، لأن الطبقة الوسطى فى المجتمع المصرى تآكلت حتى صارت عاجزة عن حماية نفسها، وأصابها مرض ما فوقها وعيوب ما تحتها فلم تعد هى الطبقة المثقفة القادرة على تعليم أولادها أو المهتمة بالعمل العام، وربما يفسر ذلك حالة تردى الواقع الثقافى والسياسى الذى تعيشه مصر، وربما يكون فى كلمات الإمام محمد عبده ما يفيض لك بالشرح حينما قال: «إن المعهود فى سير الأمم وسنن الاجتماع: القيام على الحكومات الاستبدادية، وتقييد سلطتها، وإلزامها الشورى والمساواة بين الرعية، إنما يكون من الطبقات الوسطى إذا فشا فيها التعليم الصحيح، والتربية النافعة، وصار لهم رأى عام».