أمين شرطة «اسم الله»

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

فى نهاية شهر أكتوبر الماضى كنت على عتبة الموت، وفى أحد المستشفيات «الخاصة» استقبلنى طبيب الطوارئ، شاب فى عمر «أحمد السيد»، طبيب المطرية.

أوكسجين، كورتيزون، أشعات، فحوصات، وأطباء شباب يتابعون الحالة، فرئيس القسم خارج البلاد، بأمانة أنقذوا حياتى رغم قله خبرتهم وحالتى المعقدة.

أسر هؤلاء الشباب وأمثالهم أنفقوا كل ما لديهم لتعليمهم، وكل طبيب منهم سيظل طوال عمره يذاكر طب ويجتاز امتحانات، ولا يملك إمكانات شراء شقة وتأثيث عيادة خاصة (إلا بعد طلوع الروح ونيل الدكتوراه)!

السؤال المهم: ما الفرق بين المستشفى «الخاص» وأى مستشفى «عام» تابع للدولة؟

الفندقة والغرف المكيفة، والإمكانيات التقنية من أجهزة وغرف عناية مركزة أو عمليات، والمعاملة الجيدة (كله بثمنه)، قد تضطر فى النهاية لأن تستدين من كل من تعرفهم لتسديد «الفاتورة»، أما «فاتورة المرض» التى يسددها المريض الفقير فى «مستشفيات الدولة»، فغالباً يدفعها من عمره، فتأخر التشخيص والعلاج يجعلان المرض يتوحش، وتأخر جراحات مثل القلب تفتح أبواب الرحمة الإلهية بدلاً من طوابير الانتظار.

هنا يقف الطبيب عاجزاً، بل ويتلقى لعنات المريض وغضب أسرته، وتدق برامج «التوك شو» طبول الحرب على الأطباء، وكأن شاباً فى العشرينات من عمره مطلوب منه أن يكون بديلاً للدولة ويوفر أجهزة الغسيل الكلوى والعلاج الكيماوى لمرضى السرطان على سبيل المثال، وأن يظل قانعاً براتبه الهزيل 1200 جنيه، ويكون بشوشاً وصبوراً مع المرضى وهو يناضل ليرفع بدل العدوى من 19 جنيهاً إلى 1000 جنيه!

هناك إهمال طبى؟ نعم، وأخطاء طبية لا حصر لها؟ صحيح، لكن ما نسبة الأخطاء «القاتلة» فى عدد الأطباء؟ نفس نسبة أخطاء المهندسين ومرتزقة الصحفيين وكل القطاعات المهنية فى الدولة، لكن يبقى الطب هو القطاع الحساس لأنه يتعلق بحياة الإنسان، هو قطاع نتصور أن العاملين فيه ملائكة، نسلمهم حياتنا بـ«حقنة بنج»، وبمنتهى الأنانية لا ينظر أحد منا لمستوى معيشة الطبيب الشاب، ولا نهتم بكرامته، ولا نثور لأن أمين شرطة «اسم الله» داس على رأسه وقال: «احنا أسيادكم»!

من حق الأطباء أن يغضبوا من مجتمع يتواطأ مع همجية أمناء الشرطة بحجة «حماية الدولة»، من حقهم أن (يمتنعوا عن العمل فى حالة الاعتداء عليهم أو على المنشأة الطبية)، طبقاً لقرارات الجمعية العمومية لنقابة الأطباء. ادخل على محرك البحث «جوجل» واكتب «الاعتداء على الأطباء»، ستجد مئات الحالات التى يقتحم فيها مسلحون مستشفيات عامة ويعتدون على الأطباء.

لماذا يستنكر البعض مساندة مجلس نقابة الأطباء لأطباء مستشفى «المطرية التعليمى» فى مواجهة أى إجراءات ضغط أو تعسف أو انتقام، إذا كانت الشرطة «الخصم والحكم» فى واقعة الاعتداء على أطباء مستشفى المطرية! وهى واقعة استثنائية لأن الجهة التى يفترض أنها مسئولة عن حماية المنشآت العامة (وهى الشرطة) قامت باختطاف أطباء (أثناء ممارسة عملهم)، ومارس بعض أفرادها «البلطجة».

أفراد الشرطة المتهمون فى القضية (حتى لو تصالحوا) لا يمثلون وزارة الداخلية، ووزارة الداخلية ليست «مصر»، فلا داعى لإرهاب كل من ينتقدهم أو يلومهم بزعم أنه يسعى لهدم «الدولة» وهى كما تعلمون «أشلاء دولة» أصلاً!

من حق الطبيب أن يلوذ بنقابته، أن يطالب بوضع كاميرات مراقبة بجميع أقسام الطوارئ، وبمنع دخول أى فرد مسلح إلى أى منشأة طبية، خاصة ونحن نعيش فى بلد تُستهدف فيه مديريات الأمن.

أما (الامتناع عن تقديم أى خدمة بأجر للمواطن فى المستشفيات الحكومية وتحويل الخدمة الطبية بالكامل بالمجان) فهو ليس تعجيزاً للدولة بقدر ما هو كشف لخدعة العلاج المجانى.

غضبة الأطباء ليست مخططاً سياسياً لإحراج النظام أو إسقاطه، جميعنا نعلم أن النظام أقوى من ذلك، لكنها وقفة للمطالبة بالعدالة التى غالباً ما تسقط فى أقسام الشرطة، هذا بالنسبة للأطباء.

ومطالبة بالمساواة فى «الحق فى العلاج» بين من يملك ومن لا يملك تكلفة العلاج الباهظة، فى بلد يتغنى ليل نهار بالعدالة والمساواة.

حتى التصعيد لدرجة المطالبة بإقالة وزير الصحة، وتحويله للتحقيق بلجنة آداب المهنة بالنقابة، مطلب عادل فى بلد أى مذيع تليفزيونى أو صحفى يستطيع أن يطالب بإقالة رئيس الوزراء.

لكن البعض -بكل أسف- يتعامل مع مشاكل الأطباء بطريقة: (الديمقراطية حلال لنا.. حرام عليكم)!!