يا فضيلة الإمام الأكبر.. هل تقبل ضم أينشتاين وداروين لهيئة كبار العلماء؟!

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

اجتمعت هيئة كبار العلماء وأصدرت بياناً شديد اللهجة واكبه تصريح نارى لفضيلة شيخ الأزهر فى برنامجه التليفزيونى. ملخص البيان والبرنامج أننا عملاء لنا أجندات خارجية نتبع مبدأ المادية الجدلية والماركسية، وأن أى انتقاد للأزهر هو هدم للوطن ولثوابت الدين!! وأحب أن أطمئن شيخ الأزهر بأننا فعلاً عملاء، لكننا عملاء لهذا الوطن، ونحن بالفعل لنا أجندات، ولكنها أجندات مصرية لإنقاذ عقول المصريين من الاختطاف! ونحن لسنا فى خصومة مع الأزهر، ولكننا فى خصومة مع من اختطف الأزهر من الوهابيين. نحن نرفض محاكم التفتيش، ونرفض صكوك الغفران، وأيضاً نرفض أى محاولة تخوين. أما بالنسبة لهيئة كبار العلماء فأعتقد أن التسمية تحتاج إلى مراجعة، من الممكن تسميتها هيئة كبار الشيوخ وليس العلماء، لأن مفهوم العلم «Science» شىء مختلف تماماً، وقد شرحته من قبل، وسأحاول أن أشرحه ثانية لشيوخنا الأجلاء.

دائماً ترددون عبارة محفوظة تقول: «الدين علم زيه زى الطب والفيزيا والكيميا، وزى ما بتروح للدكتور المتخصص تكشف على ابنك لازم تاخد دينك وتعرفه من الشيخ وبس»، وأحياناً تخصصون أكثر قائلين: «ويا ريت المتخصص ده يكون خريج الأزهر». وهنا تثار أكبر علامات الاستفهام التى ظلت قروناً وقروناً لا تُمس حتى أصبحت من البديهيات والمسلّمات والتابوهات التى من الممنوع والمحظور الاقتراب منها، هل الدين أو ما نسميه علوم الدين هى علم حقاً وتنتمى إلى عالم ومجال العلوم وتتبع آلياته وتخضع لطريقة نقده وإثباتاته وبراهينه؟ وهل ينتقص من قدر الدين أنه ليس علماً، وبالعكس هل يُرفع من شأنه وتزداد قداسته بكونه علماً، أم أن للدين مجاله وللعلم مجاله المختلف، وأن هذا الاختلاف لا يعنى بالضرورة أن هذا أفضل من ذاك؟ نحتاج للإجابة عن هذا السؤال وحل تلك الإشكالية أن نعرف أولاً ما هو تعريف العلم، وهل مقارنة علم الحديث وعلم الرجال والجرح والتعديل بعلم الطب أو الفيزياء مقارنة صحيحة وفى محلها، أم أن الأمر فيه توصيف خاطئ ومغالطة منطقية؟ وهل حتمية لجوء المريض إلى الطبيب المتخصص لعلاجه ووصف الدواء له هى نفس حتمية ذهاب المواطن إلى الشيخ أو الداعية أو الكاهن لمعرفة دينه ووصف الفتوى المناسبة له؟ وهل لا بد أن يضع كل منا رأيه وعقله جانباً معطلاً لا يجادل شيخه ولا يحاول طرق أبواب جديدة لفهم الدين طبقاً لمتغيرات الزمن مثلما نعطله أثناء إجراء الجراحة التى لا يعرف تفاصيلها وتقنياتها إلا الجراح فقط؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها وطرح النقاش حولها، لأنه لن تحدث أى ثورة دينية أو فكرية أو حضارية عموماً إلا إذا ضبطنا المصطلحات التى نتحدث عنها وإلا عشنا فى حوار الطرشان والعميان الذى نعيش فيه بامتياز منذ الفتنة الكبرى!

الكثير منا ما زال يخلط بين العلم بمعنى الـ«Science» والمعرفة بمعنى الـ«Knowledge»، والفرق بينهما كبير، فتكديس المعلومات ليس هو العلم، ومعرفة كل معلومات الكلمات المتقاطعة وكتب المسابقات ليست هى العلم، و tلكن العلم، خاصة العلم التجريبى الذى يندرج تحته الطب والفيزياء والكيمياء... إلخ، والذى دائماً يقارنه شيوخنا بعلوم الدين للتدليل على وجوب احتكاره، هذا العلم تعريفه ببساطة هو ما لخّصه فيلسوف العلم «كارل بوبر» بقوله «العلم هو ما يقبل التكذيب»، يعنى العلم هو ما يقبل التفنيد والتحقق منه وفرزه ودحضه وتخطئته، يعنى عندما أقول عبارة مثل «دمياط بقعة عزيزة محببة إلى نفسى»، هذه عبارة غير علمية أو لا تنتمى إلى العلم بصلة، فكيف سأثبت أو أكذّب أو أفنّد هذا الحب أو أقيس هذا الغرام! أما عندما أقول لك «دمياط أرض فيها بترول»، حينها سنذهب أنا وأنت بالمجسات وآلات الحفر ونقف أمام هذا التحدى العلمى، إما أن أكون أنا على صواب أو على خطأ بالإثباتات والأدلة. هنا أمكنك تكذيبى وتفنيد رأيى، وكذلك عندما تخبرنى بان آدم كان طوله بارتفاع عمارة، أقول لك بأن الحفريات لم تثبت ذلك، ولو سمحت لن أصدقك إلا إذا أتيتنى بحفرية لأى شخص بهذا الطول من مليون سنة!! فالعلم ملاحظة واستنتاج وتجربة وتأكُّد من النتائج وقياساتها ثم وضع نظرية تثبتها الحقائق كل يوم، وإن لم تثبتها فيجب تعديلها أو تغييرها أو تركها نهائياً لتفسير آخر ومحاولات أخرى... وهكذا.

بالطبع سينفعل البعض معترضاً بالقول: «يعنى بعد كل المجهود الرهيب اللى عمله العلماء القدامى، وعلى رأسهم البخارى، جاى تقول إن ده مش علم، أمّال ده نسميه إيه؟! الرد هو أن العلوم نوعان لا ثالث لهما: علوم تجريبية، وعلوم إنسانية، أو ما يسمونه فى أدبيات العلم «علوماً صلبة» و«علوماً رخوة». وعلوم الدين هى علوم تنتمى إلى مجال العلوم الإنسانية، ومن يحاول أن يطلق عليها علوماً ربانية لكى يرهب ويحتكر ويمنع النقد والنقاش هو إنسان يحاول أن يخدعنا، فكل ما هو مكتوب فى الفقه والتفسير وعلم الرجال والجرح والتعديل هو جهد إنسانى بشرى ووجهات نظر حتى ولو كان موضوع البحث هو الدين، ومن يدّعى أنه قد احتكر وحده حصرياً توكيل التفسير الربانى من الله فليُظهره لنا!! ما ينطبق على علم التاريخ وعلى علم النفس والاجتماع ينطبق أيضاً على تلك العلوم الدينية، ولكن للأسف حتى تلك العلوم الإنسانية السابق ذكرها تطورت أدواتها ومناهج بحثها وظلت العلوم الدينية مستعصية على التطوير محلك سر نتيجة هالة القداسة التى خلقت مزيداً من الحواجز والتابوهات أمام أى باحث يريد تطبيق مناهج البحث الحديثة على تلك العلوم. العلوم الإنسانية عموماً ما زال ينقصها الكثير حتى تصل إلى مرتبة العلوم التجريبية، ما زالت تعانى من أمراض التحيز وعدم القدرة على التعميم والخروج بنظريات تصلح للجميع لأنها تتعامل مع الإنسان والمجتمع والبشر والنفس الإنسانية، وهى أشياء تقاوم القياس المنضبط والقوالب الثابتة، لذلك تستطيع أن تقول، وبكل دقة، إن درجة غليان الماء فى مصر وفى أمريكا وأستراليا هى 100 درجة مئوية، لكن لا تستطيع أن تقول إن درجة غليان الإنسان ووصوله إلى درجة الثورة أو القتل أو التذمر أو الاكتئاب واحدة فى تلك الدول!! تحاول تلك العلوم جاهدة، خاصة فى الغرب، أن تضع إطاراً علمياً منضبطاً، ويساعدها فى ذلك جسارة الباحثين المتخصصين، وأيضاً قدرة تلك الشعوب بأفرادها العاديين غير المتخصصين على التفكير النقدى الحر، لذلك فى العلوم الإنسانية يوجد هامش كبير متاح لغير المتخصصين. والمدهش أنه أحياناً تأتى ثورة تلك العلوم ممن نسميهم غير المتخصصين. وسأضرب لكم مثالاً بعلم التاريخ، ومن مصر. أنا شخصياً ومعظم جيلى قرأنا عن الثورة العرابية، وكان مرجعنا هو كتاب الأستاذ صلاح عيسى الذى لم يحصل على درجة الدكتوراه فى التاريخ ولم يدخل أصلاً كلية الآداب، هذا فرق أساسى بين نوعين من العلوم حتى لا يخرج علينا شيخ بالتصريح الأكلاشيه: «زى ما الطبيب متخصص فى الكشف عن المرض إحنا متخصصين نعرّفك دينك ونفكر بدلاً منك ونفتى لك»!! عندما حاول نصر أبوزيد غير الأزهرى أن يطبق مناهج البحث العلمى على علوم القرآن قامت الدنيا ولم تقعد وتم تكفيره، بل وصل الأمر إلى تفريقه عن زوجته، وكذلك عندما حاول جمال البنا الذى لم يتخرج من الأزهر أن يناقش ما يطلق عليه علوم الحديث تم تجريسه وتكفيره والسخرية منه واغتيال مشروعه الفكرى والتشويش عليه بالتربص والاصطياد لقضايا فرعية تافهة يجره إليها أشرار الإعلام وهواة الفرقعات الفضائية!! وكذلك ما حدث مع إسلام بحيرى الذى يقبع فى السجن الآن بتهمة التفكير خارج السياق السلفى، إذن الحكاية ليست حكاية أزهر ولكنها حكاية اتجاه بعينه داخل الأزهر يريد فرض وجهة نظره والحفاظ على مكاسبه.

نداء إلى شيوخ الأزهر: «إذا كنتم تريدون التدين علماً، وكتاب البخارى Science، فيجب أن تطالبوا بشطب كلمة ازدراء، فالازدراء الذى تقصدونه، والذى وصمتم به هؤلاء الباحثين وغيرهم، هو وقود التغيير فى العلم وشرطه الأساسى، ولو كانت المجامع العلمية والكليات الملكية تحت إشراف الدعوة السلفية لظللنا فى مرحلة إنسان الكهف حتى هذه اللحظة! كل المجتهدين من محمد عبده وطه حسين وأبورية حتى إسلام بحيرى لم يمارسوا ازدراء عقيدة أو أديان، ولكنهم مارسوا ازدراء فهم أديان أو بالأصح نقد فهم الأديان ومناهج تفسيرها وما اعتبره البعض مسلمات وبديهيات. لو درسنا تاريخ العلم الحقيقى لوجدنا أن تقدم العلم مرهون بما تسمونه أنتم ازدراء. إذا كان النقد والتفكير والعقل والسؤال ورفض الوصاية ازدراء فمرحباً بالازدراء. «جاليليو» لولا أنه مارس الازدراء لأفكار العلم الراكدة ومسلّمات أسلافه المريضة لكنا حتى الآن نعيش أسرى فهم كنيسة العصور الوسطى لمركزية الأرض ودوران الشمس حولها التى آمن بها أيضاً مفتى الوهابية «بن باز» ونشرها فى كتاب مكفراً كل من قال إن الأرض كروية تدور حول الشمس!! المجتمع العلمى بحق وحقيقى لا يغضب من النقد ولا يصاب بالهستيريا أو «يتقمص» حين يخرج عالم ليطيح بنظرية عالم سابق، بل على العكس يطالب العلماء ويلح المجتمع العلمى على النقد والمراجعة والتخطئة بكل صرامة ورحابة صدر، ومن يحضر المؤتمرات العلمية اللى بجد والتى تستحق هذا الاسم سيشاهد الازدراء عن حق وبالصوت والصورة، ويا ويل العالم الذى يعرض ورقته البحثية دون أدلة معتبرة ومراجع محترمة، سيكون نصيبه النقد القاسى الذى يصل أحياناً إلى حد الشرشحة! لم يرفع المجتمع العلمى قضية ازدراء على أينشتاين لأنه تمرد وخالف أستاذ الأساتذة ومرجع المراجع نيوتن وأتى بفيزياء جديدة، وكذلك أينشتاين لم «يرغى ويزبد» ويسب ويلعن أصحاب الكوانتم والكم الذين تجاسروا وتجرأوا وأضافوا وتخطوا فيزياء أينشتاين المقدس، ورثة نيوتن كانوا سعداء بتقدم العلم، وأينشتاين نفسه كان مبتهجاً بألوان الطيف النقدية التى دخلت على نظريته، العلم ليس فيه ملالى ولا كهنة ولا شيوخ، المعامل لا تحتمل مجامع الفقهاء أو الكرادلة أو البابوات، العلم يرفض محتكرى الكلمة الأخيرة وأصحاب نظرية «لا تجادل يا أخى»، وليس فيه مكان لأعضاء حزب «ليس فى الإمكان أبدع مما كان». العلم فيه سؤال دائم وبحث مؤرّق وفضول مزمن وعطش لا يرتوى. إذا قبلتم تلك الشروط الازدرائية النقدية، شيوخنا الأعزاء، سنقبل أن نطلق عليكم علماء، وإذا قبلتم أينشتاين ودارون فى هيئتكم سنوافق على أن نضع لافتة «هنا يجتمع كبار العلماء» بجد.