الملك سلمان.. وخيار المواجهة

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

المواجهة ممتدة بين السعودية وإيران، آخر جولاتها تداعيات إعدام نمر النمر المحرض الشيعى بالمملكة، بعد قتل زهران علوش قائد جيش الإسلام، رجل السعودية فى سوريا. تنفيذ حكم قضائى على مواطن يُفترض أنه شأن داخلى، لا يبرر قطع علاقات، ولا اقتحام سفارات، والحوزة العلمية فى «قم» لا تملك حق الولاية على شيعة العالم، لكنها حرب مكشوفة لاستعادة مُلك كسرى، النمر جَهَرَ بولائه لإيران، أثار الفتنة الطائفية، روج لدولة شيعية بالمنطقة الشرقية والبحرين، ودعا للخروج على السلطات، لتمييزها الطائفى فى التعيينات، رغم أن ثلاثة من أبنائه يدرسون بأمريكا على نفقة الدولة، وزوجته تعمل بجوازات الدمام، وشقيقه محمد نفى تعرض أى من أفراد العائلة لاستهداف السلطات.

إيران تستهدف السعودية حتى تنفرد بدول الخليج، قطعت العلاقات معها عام 1943 احتجاجاً على إعدام أحد مواطنيها لإلقائه القاذورات على الكعبة المشرفة وسب الرسول والصحابة، أنشأت فى الثمانينات «منظّمة الثورة الإسلامية فى الجزيرة العربية»، وجناحها العسكرى «حزب الله الحجاز»، لدعم احتجاجات القطيف، هاجمت ناقلة نفط سعودية وأخرى كويتية بالخليج، لوقف دعمهما للعراق فى حربه معها 1984، وعندما أسقطت السعودية إحدى طائراتها، فجرت سفارتها ببيروت، الحجاج الإيرانيون حاولوا تهريب مواد متفجرة 1986، واصطدموا بالشرطة أثناء تظاهرهم بمكة تنديداً بتأييد السعودية للعراق 1987، الحرس الثورى اقتحم السفارة السعودية بطهران، وقتل أحد دبلوماسييها، إيران دمرت جسراً قريباً من المسجد الحرام 1989، وحاولت تفجير نفق المعيصم للمشاة بمكة، فطردت السعودية بعثتها الدبلوماسية وقطعت العلاقات، المواجهة امتدت لموسم الحج الأخير، نتيجة وفاة عدد من الحجاج فى حادثى سقوط الرافعة وتدافع منى، وتشكيك إيران فى قدرة السعودية على تنظيم الحج، قطع السعودية علاقاتها مع إيران مؤخراً وطرد دبلوماسييها، هو الثالث ضمن سيناريو متكرر.

وسط موجات الربيع العربى كثفت إيران أنشطة المخابرات والحرس الثورى لتوسيع نفوذها بالمنطقة، دعمت احتجاجات البحرين، عززت قدرات حزب الله اللبنانى، حتى بات يعرقل الانتخابات الرئاسية، ويطالب بدستور يعكس ثقله العسكرى، مكَّنت الحوثيين باليمن، شجعت فرق الموت والاغتيال فى العراق لتصفية قرابة 2000 من العلماء والطيارين، ودمرت قواعد بيانات هيئة المعلومات المدنية لتمكن 1.5 مليون إيرانى من حمل الجنسية العراقية، قاسم سليمانى قائد الحرس شارك فى معركة حزب الله مع إسرائيل 2006، وأشرف ميدانياً على معاركه فى سوريا، وعمليات ميليشيات الحشد الشعبى بتكريت والفالوجة، ومستشاروه يشاركون فى حرب داعش من غرفتى عمليات أربيل بقيادة أمريكية، وبغداد بقيادة روسية، وخلاياه تكثف تهريب الأسلحة والمتفجرات للبحرين والكويت والسعودية، مصر لم تسلم من الأذى؛ رصدت زيارات قيادى الحرس «سيد حسينى» المتعددة لسيناء رغم عمله تحت ساتر دبلوماسى، وسفرياته لسوريا ولبنان وليبيا والسودان واليمن، واتصالاته بالعائدين من أفغانستان، رتب شحن أجهزة اتصالات متقدمة ومناظير للرؤية الليلية ومئات الألوف من أعلام الثورة الليبية من إيران لميناء دمياط داخل حاويات مقبلة من آسيا، لحساب مكتب استيراد يديره أحد السلفيين، ونقلها لليبيا ضمن أدوات تفجير ثورة فبراير 2011، مستغلاً انشغال مصر بثورة يناير، تم طرده فى مايو 2011، فلجأت إيران لجماعة الشيعة الإباضية بجبل طرابلس الغربى، لشراء الأسلحة، ونقلها للسودان، ومنها لمتطرفى سيناء والحوثيين باليمن وحماس بقطاع غزة طوال عامى 2012 و2013.

دعم إيران للتنظيمات الإرهابية السنية يعتبر من الظواهر الخطيرة، اتصالات مخابراتها بالقاعدة بدأ فى السودان خلال التسعينات، بعد غزو أفغانستان استضافت بعض قيادات القاعدة وأسرهم، تقرير لجنة التحقيق الأمريكية فى هجمات 11 سبتمبر أكد مشاركة بعضهم فى التنفيذ، البعض الآخر تورط فى تفجير أبراج الخُبَر 1996، وثالث فى تفجير الرياض 2003، وزارة الخزانة فرضت عقوبات على ستة منهم، لقيامهم بتمويل ودعم عمليات التنظيم من طهران، المخابرات الإيرانية عرضت مبادلة بعض قيادات القاعدة بقادة «مجاهدى خلق» اللاجئين للعراق، ووفرت المعلومات عن تحركات سعد بن لادن نجل زعيم القاعدة وتنقلاته عبر الحدود الإيرانية الباكستانية، ورصدت مقر إقامة بن لادن بعد تعقب إحدى زوجاته المقيمة بإيران، ما مكن أمريكا من اغتيالهما، إيران استفادت من الربط بين الإرهاب والمذهب السنى فى الترويج لاعتدال الإسلام الشيعى، رغم أن طقوسه الاحتفالية مكسوة بالدماء، إيران مجدت قيادات الإرهاب، بإطلاق اسم بن لادن على أحد شوارعها، واسم خالد الإسلامبولى قاتل السادات على شارع آخر، ما تسبب فى إجهاض محاولات تطبيع العلاقات مع القاهرة، ثم أطلقت اسم نمر النمر على شارع ثالث.

تصاعد التوتر مع قرب تنفيذ الاتفاق النووى يثير التساؤلات حول جدواه، خاصة مع تحدى إيران للمجتمع الدولى بمواصلة تطوير برامجها النووية، وإجراء تجارب على صواريخ «عماد» الباليستية بعيدة المدى، والاستهانة بالقدرة العسكرية الأمريكية إلى حد إطلاق قذائف سقطت على بعد 1500 ياردة من وحدات الحماية لحاملة الطائرات الأمريكية بالخليج، ضعف الإدارة الأمريكية وانعدام رؤيتها أفقدها فاعليتها وهيبتها ومسئوليتها الدولية كقوة عظمى، وفى المواجهة الأخيرة بين السعودية وإيران أحجمت عن اتخاذ موقف، واكتفت بـ«المناشدات».

تغيير الملك سلمان للاستراتيجية السعودية من مجرد دعم حلفاء المملكة، إلى التدخل المباشر لمواجهة الأنشطة الإيرانية كان اختياراً صائباً، فرضته الطبيعة العدوانية للسياسة الإيرانية بالمنطقة، وشبح التقسيم الواقع فى العراق وسوريا واليمن وليبيا، وظهور خريطة الـ«نيويورك تايمز» مؤكدة أن السعودية تدخل فى إطاره بخمسة كيانات سياسية، أحدها شيعى بالمنطقة الشرقية، الأزمة الراهنة تدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب، مما سيؤدى إلى تعثر محاولات تسوية المشكلتين السورية واليمنية، وزيادة التنسيق بين إيران وروسيا، لاستنزاف المملكة، ضخ المزيد من الدعم للمعارضة السورية اختيار خاطئ، لن يغير معادلة القوى، لأنها ضعيفة منقسمة متعددة الولاءات والمصالح، وقد يرتد فى صورة عمليات تخريب، واضطرابات طائفية، خاصة بالمنطقة الشرقية، تعقد الموقف يتطلب إدارة رصينة، وحسن تقدير للتداعيات، وتفهماً لمواقف الأطراف الفاعلة، ومراجعة جدوى التحالفات القائمة على المصالح والطائفية، وتوقف الرهان على موقف تركيا، لتراجعها عن تأييد «عاصفة الحزم» بعد زيارة أردوغان لطهران، وتنسيقه مع باكستان، وإدانة حكومتها إعدام النمر، ومداد توقيع أردوغان على الاتفاق الاستراتيجى بالرياض لم يجف، وربطها تأييد التحالف الإسلامى بعدم إنشاء بنية عسكرية، أنقره وطهران أقرب لبعضهما من العرب، و«القوة العربية المشتركة» هى الأداة الوحيدة لوضع حد للتنافس على النفوذ بين الفرس والعثمانيين فوق الأراضى العربية.. فمتى نتفهم تلك الحقائق؟!