الجزائر: قفزة إلى الأمام

حلمى النمنم

حلمى النمنم

كاتب صحفي

أُعلن فى الجزائر عن إعداد مشروع دستور جديد للبلاد، وهناك تصريح منسوب لمكتب الرئيس الجزائرى عبدالعزيز بوتفليقة أن المشروع الجديد سوف يقدم خطوة وطنية مهمة وهى الاعتراف دستورياً باللغة الأمازيغية كلغة ثانية للبلاد، وهذا يعنى أن الجزائر الشقيقة تخطو نحو التعددية الثقافية واللغوية، بالتأكيد التعددية قائمة وموجودة، لكن الجديد هو الاعتراف بها وتقنينها دستورياً.

الأمازيغية لغة البربر، وهم قطاع أصيل من الشعب الجزائرى، لعبوا دوراً مهماً فى تاريخ الجزائر، خاصة مع دخول الإسلام إلى البلاد، وشاركوا فى الثورة الجزائرية الكبرى، التى انتهت بتحرير البلاد واستقلالها بعد 132 عاماً من الاستعمار الفرنسى؛ وكان بين زعماء وأبطال هذه الثورة المجيدة رموز من البربر، مثل حسين آيت أحمد، الذى رحل عن عالمنا قبل أسبوعين، وخرج الجزائريون لوداعه فى جنازة مهيبة، تليق بزعيم وطنى ومناضل أصيل.

والواضح أن الرئاسة الجزائرية تعد البلاد نحو المستقبل الأفضل، وتسعى لأن تتجاوز أى عثرات يمكن أن تقود المجتمع إلى أزمات هوية، قامت الجزائر بثورة عظيمة من أجل الاستقلال وكانت وما زالت نموذجاً يدرّس فى الثورات الشعبية التى تطرد المحتل.

وتقاس الثورات بمدى تحقيقها لأهدافها وما تفرزه من نتائج وتغييرات جوهرية فى المجتمع، وتقاس كذلك بحجم التضحيات التى يقدمها الشعب، والحق أن الثورة الجزائرية، التى احتفلنا العام الماضى بمرور 60 عاماً على قيامها، عظيمة بنتائجها وتضحياتها، فقد طردت استعماراً استيطانياً، عمل على محو هوية الشعب الجزائرى، وتغيير لغته وثقافته عبر أكثر من قرن، وفى جانب التضحية قدمت مليون شهيد حتى حملت لقب ثورة وبلد المليون شهيد، تلك حقيقة تاريخية لا يمكن لأحد أن يمارى فيها.

ثم تعرضت الجزائر لتجربة قاسية فى التسعينات حيث واجهت الإرهاب، وبثمن فادح أمكن تجاوز تلك التجربة، وكان الرئيس بوتفليقة بطل الخروج بالجزائر من تلك المحنة حين رفع صوته عالياً «كفى قتلاً.. وكفى دماءً».

تجربة الثورة قدمت للجزائر وللجزائريين درس الحفاظ على الاستقلال ورفض أى تبعية أو هيمنة من دولة أو فصيل أجنبى، وتجربة الإرهاب قدمت الدرس الآخر وهو الحفاظ على السلام والتماسك الوطنى الاجتماعى والثقافى، ولعل هذا ما دفع الجزائريين إلى عدم المرور بتجربة الثورات العربية أو ما يطلق عليه «الربيع العربى» الذى كان إيجابياً فى تونس وفى مصر، لكنه كان كارثياً فى ليبيا وفى سوريا.. ولعل الإقدام على وضع دستور جديد يعنى الإصرار على المضى قدماً نحو الانفتاح والتعددية، وأن يأتى ذلك بطريق سلمى وليس عبر العنف أو الاضطراب السياسى، الذى شهدته بعض بلاد المنطقة، أياً كان مسمى ما جرى فى تلك البلاد.

واقع الحال أن ما جرى فى بلاد «الربيع العربى»، والعراق قبلها، قدم درساً باهظاً لأنظمة الحكم وللمجتمعات العربية ذاتها، وهو أنه لا ينبغى الاندفاع نحو المجهول باسم التغيير، وأن هناك قوى ودولاً أجنبية تتربص وتستعد للانقضاض، حدث هذا فى العراق وفى ليبيا وسوريا، وكاد يحدث فى مصر لولا يقظة الشعب المصرى وقوة وعيه الوطنى، فضلاً عن وجود مؤسسات عريقة للدولة، هدفها الحفاظ على الوطن متماسكاً والحفاظ على وجود الدولة ذاتها، بغض النظر عن من يحكم أو يتولى المسئولية.

يتلخص الدرس فى أن الاستبداد السياسى، ومن قبله الاجتماعى، يدفع الجميع إلى الأزمة ثم الكارثة، فى العراق -زمن صدام حسين- تم إنكار حقوق طوائف وفئات بأكملها، ليس هذا فقط، بل جرى سحق بعضها، كما حدث للأكراد، ومن أسف أنه جرى باسم العروبة، رغم أن العروبة الحقيقية لا تعنى أبداً إنكار وجود الآخر أو رفض المختلف، واعتباره عدواً بالفطرة وبالوجود، وفى مصر وتونس تم تجاهل حقوق الفقراء ومعانٍ ديمقراطية كثيرة، فكان ما جرى فى ديسمبر 2010 بتونس و25 يناير 2011 فى مصر.

حين جرى إسقاط صدام حسين والاحتلال الأمريكى للعراق سنة 2003، لم يستوعب أحد الدرس، وتم الاكتفاء -فقط- بأن هناك مؤامرة فى الموضوع، وصحيح كانت المؤامرة واضحة تماماً، لكن كان هناك استبداد داخلى أتاح لهذه المؤامرة أن تنفَّذ وتتم حلقاتها، والغريب أن العقيد القذافى تساءل وقتها على من يكون الدور بعد صدام؟ لكنه هو شخصياً لم يتحسب لتلك اللحظة ولا حاول إجراء أى تغيير يحول دون وقوع المؤامرة على بلاده وعليه هو شخصياً، كان الدرس صعباً وقاسياً لكنه بات واضحاً للجميع.

الشعوب العربية نفسها أدركت مسئولياتها فى المطالبة بالتغيير وكذلك ضرورة تجنيب نفسها وبلادها مغبة الاندفاع نحو الاستعانة أو استقدام الأجانب، حتى لو كان باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

استيعاب معنى هذا الدرس تبدّى فى إقدام عدة دول على المزيد من الانفتاح والتحول الديمقراطى، وجدنا ذلك فى المملكة المغربية والمملكة الأردنية والجزائر، وخطوة الدستور الجديد فى الجزائر، ليست بعيدة عن هذا المعنى.

عُرفت الجزائر منذ استقلالها بالتوجه القومى والعروبى القوى والأصيل، وهناك عشرات المواقف تؤكد هذا المعنى، كانت الجزائر دائماً مسانداً قوياً وداعماً للقضية الفلسطينية ولمنظمة التحرير الفلسطينية، بل إن الذين عاشوا سنوات الستينات يؤكدون أن تأسيس المنظمة وحركة فتح كانت استلهاماً لتجربة الثورة الجزائرية، فى أنها قامت من الداخل لتطيح بالاحتلال وتحقق الاستقلال، وأن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كان من أشد المقتنعين وراهنوا على ذلك، وأن ياسر عرفات حاول اقتفاء أثر ثورة الجزائر، لكن الظروف اختلفت بالنسبة له وللقضية الفلسطينية.

وحين وقعت كارثة يونيو 1967 تحركت الجزائر سريعاً وكانت أول مساندة لمصر وسوريا من الرئيس هوارى بو مدين الذى سافر إلى موسكو وقدم دعماً مادياً ضخماً لتوريد أسلحة للجيشين العربيين، ولا يمكن لمصر ولا لسوريا نسيان هذا الموقف النبيل والعظيم.

والاتجاه نحو إدراج الأمازيغية كلغة ثانية لا يعنى المساس بعروبة الجزائر، بل يدعمها ويقوّيها، ففى التعدد غنى وخصوبة، الأمر المؤكد أن الثقافة العربية فى الجزائر ستكسب من تلك الخطوة وكذلك المجتمع والدولة الجزائرية كلها.