مخاطر الصراع الإيرانى - السعودى على أمن الشرق الأوسط!

ثمة مخاوف حقيقية من أن يؤدى الانفجار المفاجئ للصراع المتصاعد بين السعودية وإيران، الذى ربما يطول أمده، إلى المزيد من غياب استقرار الشرق الأوسط، والمزيد من الأخطار التى تهدد أمن المنطقة، فى ظل حدة الاستقطاب التى تشتد على نحو خطير يكاد يقسم العالم الإسلامى إلى فسطاطين، فسطاط للشيعة وفسطاط للسنة، كل منهما يتهم الآخر بالإساءة إلى صورة الإسلام والعمل لصالح قوى أجنبية، ويلقى على الآخر مسئولية إشعال الموقف ويتوعده بعظائم الأمور، فى غياب وساطة حميدة تحاول حصار الحريق الذى اندلع فجأة أو تمد جسور الحوار بين الجانبين، وكثرة الأطراف الراغبة فى توسيع شقة الخلاف بين الجانبين، لأنها تعتقد أن الأفضل لأمنها ومصالحها أن يأكل العالم الإسلامى بعضه بعضاً، وتشغله انقساماته وحروبه الداخلية لتبقى إسرائيل وحدها القوة المهيمنة على مصير الشرق الأوسط.

وما يزيد من تعقيد الموقف حجم العواطف التى تؤجج صراع الجانبين، وإحساس كل منهما بجدارة استحقاقه أن يكون على رأس طائفته إن لم يكن صاحب المرجعية الأولى فى العالم الإسلامى، ومخاوف كل منهما من أن تؤدى قوة أى من الطرفين إلى ضعف الآخر، فى ظل جوارهما الجغرافى الذى يفرض قدراً من التشابك والتداخل السكانى، ويعزز تناقضات المصالح والرؤى بين الطرفين.

والواضح أن آثار هذا الحريق الخطير لن تتوقف عند حدود قطع العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران، لكن الحريق أكل ضمن ما أكل موجة التفاؤل التى سادت الشرق الأوسط أخيراً بإمكانية حصار نزاعات المنطقة وحروبها فى اليمن وسوريا، أملاً فى تسويات سياسية عادلة، تكرس جهود دول المنطقة للحرب على الإرهاب الذى يهدد أمن معظم الدول العربية، ويجد فى هذه النزاعات والحروب فرصته الكبرى كى يتمدد ويعزز وجوده فى اليمن الجنوبى. ولأن الصراع السعودى الإيرانى سوف يطول أمده، ثمة مخاوف حقيقية من أن تتوقف جهود تسوية الأزمتين اليمنية والسورية ليعود الجميع إلى المربع رقم واحد، بما يزيد من فرص غياب استقرار المنطقة ويمزق أمنها، وهذا ما حدث بالفعل حيث تشتد المعارك الآن فى تعز ومأرب والجوف وصنعاء بين قوات التحالف السعودى والحوثيين الذين أعلنوا مساندتهم الكاملة لطهران، وتكاد تكون أبواب التفاوض بين الجانبين مغلقة بالضبة والمفتاح بعد جولة فاشلة من المباحثات فى جنيف أعلنت السعودية إثرها انتهاء وقف إطلاق النار، وثمة توقعات أخرى بتزايد جرائم جماعات الإرهاب فى ظل تهديدات إيران للسعودية، وشطط حملتها لتأليب العالم الشيعى على الحكم فى السعودية، بما يعنى أن كلاً من السعودية وإيران يجيش إمكاناته ويحشد أنصاره لكسب معركة مريرة سوف تستنزف جهود الجميع، وتزيد قسمة العالم الإسلامى إلى معسكرين متضادين، معسكر السنة الذى يضم السعودية ودول الخليج ومعظم الدول العربية، وتحاول تركيا أن تجد داخله مكاناً، ومعسكر الشيعة يضم إلى جوار إيران حزب الله اللبنانى الذى أقحم نفسه طرفاً فى الأزمة بين السعودية وإيران واجترأ على تهديد السعودية دون حساب لكونه حزباً لبنانياً فى دولة عربية تربطها علاقات جد وثيقة بالسعودية، تحتم على حزب الله أن يكون جزءاً من الوفاق الوطنى العام الذى يلم شمل الجميع، لكن يبدو أن حسن نصرالله الذى يحارب فى سوريا إلى جوار بشار الأسد، ويتوعد إسرائيل بالانتقام لأنها قتلت اثنين من كبار معاونيه فى سوريا، تنقصه معركة ثالثة مع السعودية، الأمر الذى من شأنه الإبقاء على منصب رئيس الجمهورية اللبنانية شاغراً لفترة طويلة أخرى بسبب حدة الاستقطاب فى لبنان. وبالطبع لا يمكن إعفاء طهران من مسئولية هذه الفتنة الكبرى، ليس فقط لأنها سمحت بتنظيم المظاهرات ضد السفارة السعودية والقنصلية فى مدينة مشهد وإحراقهما، ولكن لأنها بالغت فى ردود فعلها على عمل من أعمال السيادة السعودية، يخص مواطنين سعوديين أجرموا فى حق وطنهم.

ركزت طهران حملتها على تنفيذ حكم الإعدام فى شيخ سعودى شيعى، نمر باقر النمر، ولد فى مدينة الطائف، واتهم مرات عديدة بالتحريض على كراهية الحكم، وأنذرته السلطات السعودية أكثر من مرة، واشترك عام 2011 فى مظاهرات مسلحة أطلقت النار على قوى الأمن السعودى، لكن طهران استثمرت الواقعة كى تحرض الشيعة فى العالم أجمع على كراهية النظام السعودى، والأكثر جرماً أنها حاولت استثمار شيعة الخليج وبينهم شيعة المنطقة الشرقية فى السعودية كى يخرجوا فى مظاهرات احتجاجاً على تنفيذ حكم الإعدام فى نمر باقر النمر، ويشقون عصا الطاعة على الحاكم، تكراراً لسوابق عديدة شملت معظم دول الخليج، وركزت فى العامين الأخيرين على دولة البحرين التى يصر شيعتها على التمرد والعصيان رغم جهود الإصلاح القانونى والدستورى التى يبذلها ملك البحرين. هنا لا يمكن إعفاء الولايات المتحدة من مسئولية تحريك دعوات الفتنة بين السنة والشيعة منذ غزوها للعراق، وانتصارها للشيعة على حساب السنة فى إطار سياسات طائفية باعثها الأول طمس الوجه العربى للعراق وتفكيك دولته وجيشه، كان نتيجتها توسيع نفوذ إيران فى العراق إلى حد أهدر نفوذ الولايات المتحدة ذاتها، وتشجيع طهران على الاستمرار فى ممارساتها البغيضة ضد السعودية ودول الخليج، وإغراءها خلال مباحثات الملف النووى الإيرانى على العودة إلى دورها القديم شرطياً يحمى المصالح الأمريكية فى المنطقة على حساب الأمن العربى، ومع الأسف عندما أبدت السعودية ودول الخليج قلقها المتزايد من سعى إيران إلى توسيع نفوذها فى المنطقة على حساب الأمن العربى، قدم الرئيس الأمريكى أوباما لقادة السعودية والخليج فى اجتماعات كامب ديفيد تطمينات كاذبة، بدلاً من أن يلزم طهران بعدم التدخل فى الشأن العربى والخليجى، والامتناع عن تشجيع جماعات الإرهاب التى تساندها إيران، ويضع ذلك شرطاً أساسياً ضمن بنود الاتفاق على التسوية السياسية للملف النووى الإيرانى. ومع اعتراف معظم العرب بأن إيران قوة إقليمية لها مصالح ينبغى احترامها، إلا أن النزعة الفارسية التى تغلب على معظم أنظمة الحكم الإيرانى، كثيراً ما أفسدت العلاقات العربية الفارسية لرغبة إيران فى الهيمنة على دول الخليج.

وأغلب الظن أن احتدام الصراع بين السعودية وإيران سوف يؤدى إلى المزيد من التوتر فى علاقات إيران بمعظم الدول العربية وجميع دول الخليج.

ومن المؤكد أيضاً أن احتدام الصراع الإيرانى السعودى سوف يزيد من معوقات إنهاء الحرب الأهلية السورية رغم حماس دول الغرب والولايات المتحدة لتسوية الأزمة من خلال حل سياسى يوقف موجات الهجرة السورية التى تدق أبواب أوروبا، لكن أكبر أخطار هذا الصراع ما يتعلق منها بعلاقات التعايش بين السنة والشيعة فى عالمنا الإسلامى، التى تتعرض لهزات ضخمة تستهدف نشر الفتنة وزيادة المسافات بعاداً بين الكتلتين الأكبر فى العالم الإسلامى إلى حد ينذر بصدام شيعى سنى، يقسم العالم الإسلامى ويستنزف قدرته ويسىء إلى صورة الإسلام، ويعزز دعوات أعدائه الذين يرون الخطر فى البنية الفكرية للدين الإسلامى ذاته، وليس فى سوء تأويل البعض لعدد من مفرداته وأحكامه، ومن ثم يصبح من واجب كل مسلم وكل عربى أن يحاول إطفاء الفتنة الكبرى ووقف أخطارها المريعة، وما من سبيل لذلك سوى استئناف الحوار بين الرياض وطهران على أمل أن يكتشف الجانبان مساحة مشتركة من المصالح تحافظ على حسن الجوار بين إيران والعرب وتحفظ أمن العالمين العربى والإسلامى.