التحديات الخمسة لحكومة الوفاق الليبية

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

محاولات حل الأزمة الليبية اصطدمت دائماً بالتنافس على الشرعية بين «البرلمان المعترف به دولياً»، الذى يدعمه الجيش الوطنى، ويسيطر على طبرق والمنطقة الشرقية، و«المؤتمر الوطنى، المنتهية ولايته»، بجناحه العسكرى «ميليشيات فجر ليبيا»، ويسيطر على طرابلس والمنطقة الغربية، لذلك كان تفتيتهما مقدمة ضرورية للتسوية. انشقاق غالبية أعضاء «البرلمان» على رئيسه عقيلة صالح، وخروج أغلبية أعضاء «المؤتمر» على رئيسه نورى أبوسهمين، سمحا بالتوصل لاتفاق الصخيرات.

صالح وأبوسهمين فهما اللعبة، بدآ اتصالاتهما بتونس نهاية أكتوبر، وتوصلا لإعلان مبادئ قبل لقائهما بمالطة 15 ديسمبر، تضمن إحياء الدستور القديم، بعد تنقيحه بلجنة مشتركة من «البرلمان» و«المؤتمر»، واختيار رئيس لحكومة توافق وطنى خلال عشرة أيام!! وتعيين نائبين له خلال أسبوعين!! وإجراء انتخابات برلمانية خلال عامين، هكذا كل الخلافات ذابت خلال أسبوعين، دون تبرير للقطيعة ورفض الجلوس على مائدة حوار واحدة، طوال الـ14 شهراً الماضية. كوبلر سحب منهما البساط بتنظيم حوار مباشر ليبى - ليبى، لأول مرة فى تونس يوم 11 ديسمبر، توصل لـ«خارطة طريق»، لتذليل العقبات التى تعترض تشكيل حكومة الوفاق، وذهب بها لروما 13 ديسمبر، ليتبناها المؤتمر الدولى حول ليبيا بمشاركة 20 دولة ومنظمة دولية، بينها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى وأمريكا، تبدأ بالتوقيع على اتفاق تشكيل الحكومة بالصخيرات، وتتواصل بخطوات محددة لإعادة الاستقرار، أهمها الوقف الفورى والشامل لإطلاق النار، ونزع سلاح الجماعات المتنازعة. تشديد المؤتمر على أن حكومة الوفاق واتفاق الصخيرات هما الطريق الوحيد لحل الأزمة وضمان الدعم الدولى، كان رداً دولياً على إعلان تونس، وإجهاضاً مسبقاً لنتائج لقاء مالطة.

الاتفاق تضمن تشكيل حكومة وفاق وطنى تقود مرحلة انتقالية، لمدة عام، قابل للتمديد لعام آخر، ينتهى بانتخابات تشريعية، ويقضى بتمثيل «البرلمان» للسلطة التشريعية، وإنشاء مجلس للدولة يمثله «المؤتمر»، كغرفة برلمانية استشارية، ومجلس رئاسى، تنتقل له كافة صلاحيات المناصب العسكرية والمدنية والأمنية العليا.

الاتفاق يواجه تحديات عديدة، أولها الشقاق داخل «المؤتمر»، بين جناح رافض للاتفاق وللوساطة الدولية، يرى حكومة الوفاق كـ«حكومة وصاية»، لا تمتلك الوسائل الأمنية الكفيلة بإنهاء الفوضى، يقوده أبوسهمين الذى يحظى بدعم «غرفة عمليات ثوار ليبيا»، والصادق الغريانى مفتى ليبيا السابق، وجناح مؤيد لا يرى بديلاً للاتفاق سوى الفوضى والإرهاب، يرأسه نائب الرئيس صالح المخزوم، يحظى بتأييد الإخوان وحزب العدالة والبناء، وتدعمه كتائب مصراتة، بقدر ما مكنت الانشقاقات من توقيع الاتفاق، إلا أنها تنعكس سلباً على المؤسسات التى أنشأها، انشقاق «المؤتمر» ينعكس على أداء مجلس الدولة لدوره الاستشارى والرقابى، والشقاق داخل «البرلمان» ينعكس على دوره التشريعى.

التحدى الثانى ناتج عن أن خطة الوسيط الدولى لتمرير الاتفاق امتدت لزرع الشقاق داخل قوات «فجر ليبيا»، انسحبت «كتائب مصراتة» أكبر تشكيلاتها، وأعلنت قبولها للاتفاق، أعادت توزيع تمركزاتها العسكرية بالعاصمة، وخاضت اشتباكات ضارية للسيطرة على مقرات الجماعات المتطرفة، وبدأ التنسيق معها بشأن الترتيبات الأمنية المتعلقة بتأمين انتقال الحكومة لطرابلس. قيادات «فجر ليبيا» الرافضة للاتفاق التقت فى تركيا مع المبعوث الدولى وممثلى الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن، وعادت مؤيدة للاتفاق، وشنت حملة ضد مواقع التنظيمات المشتبه بتعاونها مع داعش «كتيبة التوحيد، أنصار الحق»، وتلقت دعماً عسكرياً من تركيا وقطر لإحكام السيطرة على العاصمة، وصل بعضه جواً من تركيا والسودان لمطارى معيتيقة ومصراتة التابعين لها، والآخر براً من السودان عبر صحراء الكفرة.

التحدى الثالث عجز الحكومة عن مواجهة تمدد داعش، نتيجة للانشقاق داخل قوات «فجر ليبيا»، واحتمال تعرض الجيش الوطنى لانشقاق مماثل فى حالة عزل «حفتر»، مما قد يضطر الحكومة لطلب التدخل العسكرى الدولى، وهو ما تعززه دعوة السراج المجتمع الدولى لتقديم الدعم اللازم للقضاء على التنظيمات الإرهابية، السفير البريطانى بليبيا ألمح إلى أن «التدخل العسكرى ينبغى أن يكون تلبية لدعوة من الحكومة الليبية»، مايكل فالكون، وزير الدفاع البريطانى أبدى استعداداً لإرسال ألف جندى للتدريب والمشورة، وكيرى وزير الخارجية الأمريكى أكد أن «خطة الطريق» تتضمن تنسيق الجهود ضد إرهاب داعش وتُلزِم بالقضاء عليه، و«وول ستريت جورنال» كشفت أن واشنطن ولندن تبحثان نشر طائرات بلا طيار فى ليبيا لمراقبة «داعش»، وطلعات الاستطلاع الأمريكية والفرنسية فوق سرت ازدادت كثافة. مشروع ميزانية المساعدات الخارجية لعام 2016، الذى اعتمدته لجنة المخصصات بمجلس الشيوخ الأمريكى يوليو الماضى يشمل 20 مليون دولار للتدريب ومكافحة الإرهاب فى ليبيا، وسوء التنسيق كشف المستور، عندما وصلت لقاعدة الوطية الجوية فى 14 ديسمبر وحدة من القوات الخاصة الأمريكية «عددها 20» بالاتفاق مع قيادة الأركان العامة الليبية التابعة لحكومة طرابلس، التى يسيطر عليها الإخوان، لإعادة تنظيم الجيش وتطويره، وتدريب قوات الصاعقة، إلا أن وحدة من ميليشيات الزنتان «كتيبة أبوبكر الصديق» احتجزتهم، ولم تسمح لهم بمغادرة ليبيا إلا بعد التخلى عن معداتهم!!

التحدى الرابع يعكسه تقرير مكتب تنسيق الشئون الإنسانية التابع للأمم المتحدة حول تردى الوضع الإنسانى بليبيا، 2.5 مليون فى حاجة للمساعدات الإنسانية، 1.9 مليون فى حاجة للمساعدات الصحية، 1.28 مليون يفتقدون الأمن الغذائى، مليون و256 ألف نازح ومشرد، 250 ألف مهاجر ولاجئ، منطقة الهلال النفطى «بين بنغازى وسرت» أعلنت منطقة منكوبة إنسانياً، 20% من مستشفياتها تم إغلاقها، و73% من المدارس توقفت عن العمل.

التحدى الخامس يتعلق بتدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية والخدمات، نتيجة للتدهور الأمنى وانعدام مصادر التمويل، لكن عودة الاستقرار تسمح بالعودة بالإنتاج النفطى لمعدلاته الطبيعية، التى لا تتجاوز حالياً 10% منه، وتشكيل الحكومة برعاية دولية يوفر المناخ لاسترداد ليبيا 90 مليار دولار مجمدة بالخارج، واستعادة مرافق الخدمات قضية استثمار وتمويل، إذن هذا التحدى فى الحقيقة يتعلق بحسن إدارة الموارد، وليس بانعدام الوفرة.

ليبيا تواجه مخاطر وتحديات ربما تعجز أى حكومة وليدة عن مواجهتها، الدعم المصرى على كافة الأصعدة فى هذه المرحلة أمر بالغ الأهمية، لأنه يساعد الحكومة الجديدة على فرض الاستقرار ومواجهة الإرهاب، وتلك مهمة تحظى بالأولوية، فى دولة تشكل امتداداً طبيعياً للأمن القومى المصرى، ولا ينبغى الغياب عنها.