رياح غربية غير مشتهاة مصرياً فى طائرة روسية

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

كان فى طريقه للعب مباراة كرة قدم طالما انتظرها وتشوق لها ليثبت للجميع أنه أهل للعبة وجدير بالفريق وأحق بالاحتراف. وفى الطريق وقع، إذ انزلقت قدمه بسبب طوبة صغيرة، ربما وضعها أحدهم فى طريقه عن عمد أو أنها وجدت فى ذلك المكان بحكم قذارة الشارع وقلة ضمير من يكنسونه وانعدام تربية العيال الذين يتعمدون أحياناً وضع الأذى فى الطريق. ويرجح البعض من سكان الشارع أن مجموعة من ذوى اللحى الطويلة والجلاليب القصيرة والملامح المقضبة قد شوهدت وهى تتعمد زرع الطوبة لقناعتهم بأن كرة القدم لهو حرام وأن لاعبها ومتابعها ومحكمها وراعيها فى النار. وسواء كان هذا أو ذاك أو تلك، فإن النتيجة هى أن المباراة التى طال انتظارها والمناسبة التى اشتاق للعبها بدت بعيدة المنال، فقد التَوَت قدمه ما تسبب فى شرخها، ورفض أن يعرض نفسه على طبيب أو يخضع قدمه لجهاز الأشعة خوفاً من ضياع المباراة. فما كان منه إلا أن تحامل على نفسه، وتوجه إلى أرض الملعب متظاهراً بأن شيئاً لم يحدث. ولوح لأهله مطمئناً إياهم بأن «كله تمام»، ووصل أرض الملعب ليلعب المباراة وقال لمن حوله إن أى محاولة لتحميل الوقعة أكبر مما ينبغى مرفوضة وغير مقبولة، رغم أنه من الوارد أن يقع أى من اللاعبين على «جذور رقبته». وكان الأجدر به أن يتوجه إلى المستشفى وينتظر التقرير الطبى، ثم يعلنه أمام الجمهور الذى حتماً سيتضامن معه. كلنا وقعنا فيما وقع فيه اللاعب الهمام. الطائرة الروسية التى هوت فى سيناء أقلقت المصريين، رئيساً وحكومةً وشعباً، وتسببت فى رعب كبير. فبالإضافة إلى مشاعر الحزن لمقتل هذا العدد الكبير من البشر وبينهم أطفال، تملك الخوف من قلوب كثيرين من أن يكون ما جرى عملاً إرهابياً يضيف إلى قائمة هموم مصر هماً إضافياً، ويعيد المخاوف الأمنية إلى الصدارة مجدداً، ويلقى بظلال اقتصادية وخيمة على قطاعاتها المختلفة المضغوطة أصلاً، ويؤجج الشعور العام بالإحباط والإنهاك المسيطر على كثيرين. وفى خضم الإسراع فى التأكيد الإعلامى والإشارة الرسمية إلى استبعاد الإرهاب بعد بث الخبر بدقائق، تلقى العالم الخبر ورد الفعل المصرى الأولى بحيرة شديدة. فمن جهة، يبقى التعامل مع الكوارث من مثل هذا النوع له قواعد وأصول فى العالم الأول، حيث قدر غير قليل من الشفافية والمصارحة أولاً بأول، مع التأكيد على أن التحليلات لا تعنى تفسيرات وأن الاجتهادات لا تصب فى أى من الخانات التى تظل مفتوحة لحين التأكد من الأسباب الحقيقية. ومن جهة أخرى، تأرجح البعض بين تصديق ما يرد من مصر -وإلى حد ما من روسيا- حول استبعاد عامل الإرهاب بناء على «وجهات نظر» خبراء عسكريين ومحللين استراتيجيين. لكن أتت الرياح الغربية بما لم تشتهِه السفن المصرية.

■ لم يكن ينبغى أن تخرج التصريحات الرسمية عن إطار «حدث كذا الساعة كذا»، و«رغم استبعاد كذا بحكم كذا فإن مصر تتعامل مع الموقف وهى تضع جميع الاحتمالات نصب عينيها».

■ تخصيص رقم هاتف «غير وهمى» للمساعدة وصفحة إلكترونية لتلقى اتصالات أهالى الركاب لموافاتهم بأحدث ما يرد من معلومات.

■ كان حريّاً بالإعلام أن يكبح جماح شطحاته التنظيرية ونطحاته الاستراتيجية والتنبيه على مذيعيه ومضيفيه عدم القفز إلى استنتاجات.

■ تحذير الخارجية البريطانية لمواطنيها من السفر إلى ومن شرم الشيخ «جواً» تم التعامل مصرياً معه تارة باعتباره منع سفر البريطانيين إلى مصر وتارة أخرى إعلان شرم الشيخ منطقة حرب وإرهاب، وهو لم يكن هذا ولا ذاك. وهنا دب الرعب فى قلوب الملتاعين على مصر وقطاع السياحة ومستقبل البلاد والعباد، ورقص وهلل الكارهون للنظام والشعب والمتمنون سقوط كليهما اليوم قبل الغد، بل صدرت بيانات «رسمية» تعترض على التحذير البريطانى فى خطوة عجيبة غريبة! والمعروف أن دولاً عدة ومن بينها بريطانيا تتعامل مع احتمالات الأخطار باعتبارها أخطاراً حقيقية لحين ثبوت أو نفى ذلك.

■ كان ينبغى تدشين صفحة أو خط هاتفى «غير وهمى» كذلك للتواصل مع العاملين المصريين فى فنادق ومنتجعات ومحلات شرم الشيخ الذين حتماً يحتاجون إلى مساندة ودعم على الأقل نفسياً ومعنوياً، بالإضافة إلى إمدادهم ببعض الإرشادات لإمكانية أن يكونوا لسان حال مصر أمام السياح الذين يتعاملون معهم فى شرم الشيخ.

■ الخطاب المتسرع المتعجل «نصف السليق» الذى انتهجته مصر فى أعقاب الحادث قد يؤتى ثماراً وقتية لدينا بحكم عاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا التى تمتثل لأسلوب «متخافش إن شاء الله خير»، لكنها تؤتى ثماراً معطوبة ونيراناً عكسية لدى ثقافات أخرى لا تعترف إلا بـ«واحد زائد واحد=اثنين». ومن ثم جاء مقال ورد فى «ديلى تليجراف» عنوانه «بعد الكارثة: قل الوقائع أو ابقَ صامتاً» بمثابة الحقيقة الموجعة التى يتوجب علينا فهمها وهضمها إن أردنا صلاحاً وفلاحاً. وبعيداً عن بعض الجمل المسيسة جاء ما يلى: «لو كان هناك دليل حول كيفية التعامل مع كارثة قتلت مئات الأبرياء، فإن كلاً من مصر وروسيا تجاهلت كل صفحة فيه». الإسراع إلى استبعاد سبب وترجيح آخر دون معلومات، الاعتماد على التحليلات وليس المعلومات، تصريحات متضاربة من الجهة نفسها، تجاهل شىء اسمه الإنترنت قادر على تقصى اللحظات الأخيرة للطائرة.

■ وسواء وقعت الطائرة بسبب عطل أو إرهاب، فإن أمين الشرطة «المأنتخ» على الكرسى والضابط المنغمس فى هاتفه المحمول أثناء الخدمة وجهاز الكشف عن المتفجرات المتعطل وبلادة «يا عم خليها على الله» و«إياكش تولع» ينبغى أن تكون جرائم كبرى.

سواء وقعت الطائرة بسبب عطل أو إرهاب، فإن أمين الشرطة «المأنتخ» على الكرسى والضابط المنغمس فى هاتفه المحمول أثناء الخدمة وجهاز الكشف عن المتفجرات المتعطل وبلادة «يا عم خليها على الله» و«إياكش تولع» ينبغى أن تكون جرائم كبرى