تسونامى الإسكندرية.. حاكموا الفاشل

نشوى الحوفى

نشوى الحوفى

كاتب صحفي

كان الله فى عون محافظ الإسكندرية، فعلى الرغم من انشغاله بالتاتو على كتفه، وشبكة «الواى فاى» فى «الترام كافيه» وجائزة «جينيس» للأرقام القياسية التى يلمعها كل يوم فى مكتبه، واصطحابه زوجته معه إياباً وذهاباً، رغم كل هذا فإنه واجه إعصار تسونامى الذى ضرب الإسكندرية أمس الأول بكل جسارة، نعم كان تسونامى ولم يكن نوة عادية اعتادتها مدينة الإسكندر منذ آلاف السنين، ولذا شاهدنا المحافظ حينما نزل يذود عن الناس وعن سياراتهم ويعوم ويعوم ويعوم ويعوم فى مياه الإعصار لإنقاذ البط الذى جذبته الأجواء الإعصارية للسباحة فى مياه المطر فى شوارع المدينة متجاهلاً تحذيرات المسيرى له: «ارجع يا بط.. يا بط ارجع يا بط». فعل المسيرى ما فعله «رامبو» و«شوارزنيجر» و«توم كروز» و«سبايدر مان» لإنقاذ المواطنين الستة الذين سقط عليهم كابل الكهرباء وكان يتمنى لو مات من دونهم، ولكنه وصل بعد أن قضوا يا حرام فمسح دمعة فرت من عينيه لينقذ مواطناً آخر كان يغرق فى سيارته، ولكن محاولاته باءت بالفشل لإصرار المواطن على الانتحار رافضاً مساعدات المسيرى!

سامحونى أن سيطرت السخرية على بداية حديثى هذا، ليس استهتاراً بالكارثة التى ألمت بنا ففضحت عورات إدارة العاصمة الثانية لبلادى ومستوى المسئول بها، ولكن هرباً من حالة إحباط تفقدنى ما اعتدت عليه من إيمان بالغد الأفضل. لا لسوء فعل المحافظ ومستواه، ولكن لتدنى مستوى الاختيار للمسئول والاستماع لشكاوى الناس من فترة طويلة رفعوا أصواتهم فيها بالضجر من أداء المسيرى ومن على شاكلته من المحافظين الذين يختبرون فى كل لحظة صبر الناس وقدرتهم على تحمل غياب الخدمات فى أبسط صورها.

ولذا لا يعنينى إقالة المسيرى أو عزله، ولكن ما يشغلنى بحق محاكمته هو ومساعديه إن كان لدينا حس حقيقى بالمسئولية ومعناها، نعم تشغلنى محاكمتهم علناً ليس فقط ليكون عبرة لغيره من مسئولين لا يعرفون من المنصب إلا أبهته، ولكن لشفافية المحاكمة ومعرفة أسباب العوار الحقيقية التى نعانى منها فى المحافظات المثقلة بقوانين مركزية لا معنى لها إلا تعيين موظف روتينى، لا نائب رئيس وزراء فى المحافظة، نعم أهتم بمحاكمتهم ليعرف الشعب أنه لا تهاون مع أى مقصر، وتلك أولى قواعد الإدارة من قديم الأزل، الثواب والعقاب لتقييم الأداء وفقاً لمنظومة فاعلة، نعم أُصر على محاكمتهم وإلا صرنا أضحوكة الإرهاب والفساد معاً. نعم محاكمته إن أردنا دولة العدالة التى حدثونا عنها.

لقد كتبت هنا فى ذات الجريدة منذ شهور مقالاً بعنوان «حُكم الرئيس على محافظ الإسكندرية بالفساد» ذكرت فيه مدى تدنى الحالة التى وصلت لها عروس البحر المتوسط التى أحالها المحافظ المصون إلى أرملة البحر المتوسط، وتوالت ردود الفعل من المواطنين فى المدينة، ذاكرين عشرات الشكاوى غير ما ذكرت بالتفاصيل والأماكن وأرقام هواتفهم للاتصال بهم فى حال التأكد من شكاواهم، ولم يحرك أحد ساكناً، وكتب غيرى ولم يحرك أحد ساكناً، وشكا المواطنون ولم يحرك أحد ساكناً، فلم نتحرك فقط وقت وقوع الكارثة لنبحث عن شماعة نعلق عليها أسباب الكارثة بمبررات استفزازية لا معنى لها؟ وإلى متى سيتصدى الجيش لأخطاء الإدارة المدنية فيتصدى لمشاريع الطرق ويتصدى لشفط المياه من الطرق ونطلب منه أن يحارب ويواجه إرهاباً يحيط بنا؟

سيدى الرئيس لن أخاطب رئيس الوزراء فأنت من يحمل العبء ويقبل باختيار هؤلاء من قصار الهامة والقامة ممن لا يعرفون من الإدارة إلا اسمها، أعلم حجم التحديات التى تواجهنا فى الخارج والداخل، وأدعو لك -كغيرى ليل نهار بالعون على ما تحمل- ولكننى أعلم أن للأخطاء ثمناً له سقف لدى المصريين وقد تعبوا وملوا وبكوا من مستوى المسئولين، وأنت تعلم أن كثرة البكاء تُعلم النواح ونحن فى حاجة للعمل والبناء بجدية لا للنواح الغاضب.