"الوطن"تواصل محاورة "العم" سيد حجاب..الدول لا تبنى إلا بالنوايا الحسنة

كتب: محمود عباس ومحمد شنح

"الوطن"تواصل محاورة "العم" سيد حجاب..الدول لا تبنى إلا بالنوايا الحسنة

"الوطن"تواصل محاورة "العم" سيد حجاب..الدول لا تبنى إلا بالنوايا الحسنة

تستكمل "الوطن" حوارها مع الشاعر الكبير سيد حجاب احتفالا بعيد ميلاده الـ75، حيث تحدث في الجزء الأول منه عن مسيرته الشعرية التي امتدت لنصف قرن من الزمان، ورأيه في الأغنية المصرية ومستقبلها.

في الجزء الثاني من الحوار، يتحدث "العم سيد حجاب" عن مستقبل مصر في ظل الأوضاع السياسية الراهنة، ورأيه في أداء الرئيس عبد الفتاح السيسي والحكومات المتعاقبة خلال السنوات الأخيرة، وعن المطالبات بتعديل الدستور الذي كان عضوا بلجنة إعداده، كما يفصح عن توقعاته فيما يتعلق بالبرلمان القادم وموازين القوة فيه، وفيما يلي نص الحوار.

{long_qoute_1}

■ بالعودة إلى مسيرتك السياسية، نجد أنك عايشت معاناة "المعتقل".. فكيف رأيت تلك التجربة؟

أنا من جيل الستينيات الذي رأى الكثيرون من أبنائه أن خلاصه سيأتي من خلاص مجتمعه من الهموم التي تثقله، لذا كانوا يلجأون للدخول في تنظيمات سياسية متعددة، وبالنسبة لي انضممت إلى جماعة الإخوان المسلمين في طفولتي، ثم التحقت بحزب مصر الفتاة، ثم انضممت في فترة الدراسة الجامعية إلى تنظيمات سياسية نسميها "يسار اليسار"، وبسبب انتمائي هذا تم اعتقالي عام 1966، وكنت ضمن تنظيم سياسي صغير يرى في عبد الناصر زعيما وطنيا، لكنه لا يرى في واقع البلاد وقتها سياسات اشتراكية حقيقية وإنما رأسمالية دولة، وأن رأسمالية الدولة هذه مهددة بالانقلاب عليها من بعض الطبقات التي كانت تولد وقتها، وكنا نرى أن حماية منجزات ثورة يوليو لن تتأتى إلا بسيادة الديمقراطية والمشاركة الشعبية وعدم احتكار حق الاجتهاد في الشأن الوطني، ولذلك تم اعتقالنا لتصفية ذلك النظام اليساري المشاكس الذي انتميت إليه.

■ وهل أثر اعتقالك على رأيك في "عبد الناصر"؟

على العكس، ظللت مدافعا عن عبد الناصر ضد بعض من جاءوني من زملائي القدامى لاستقطابي من عناصر الإخوان المسلمين، وحينما حدثت نكسة 67، قمنا بتنظيم عشرات الندوات في كل أنحاء مصر لتكريس ضرورة مقاومة الاحتلال وعدم الرضوخ للهزيمة، وكتبت وقتها قصيدة انتشرت كالنار في الهشيم كان مطلعها: "الشعب الشعب الشعب الشعب، الحزب الحزب الحرب الحرب، والله ما هيداوي جرح النكسة المر الصعب، غير حزب الشعب وحرب الشعب"، وبعدها اجتمع عدد من المثقفين الذين رأوا أنه لم يبق حائطا للصد بعد الهزيمة العسكرية سوى الثقافة الوطنية، لقدرتها على حشد الناس والوقوف على الأقدام مرة أخرى، فقررنا إصدار مجلة "جاليري 68"، حلمنا من خلالها بتغيير مناخ الكتابة بالكامل وتجاوز ما هو أيديولوجي إلى ما هو وطني وإنساني، وكان لتلك المجلة الثقافية دور كبير في إخراج العديد من الكتاب الكبار مثل إبراهيم أصلان ومحمد البساطي وغيرهما.

 

■ وماذا عن انضمامك لجماعة الإخوان؟

ارتباطي بالإخوان كان في سن الثالثة عشر من عمري، ولكني لم أستطع البقاء معهم لأنني كنت مكلفا بتوزيع منشور للجماعة ضد اتفاقية الجلاء التي أبرمها عبد الناصر والتي كانت حلم الآباء والأجداد، ولم أعد مرة أخرى لتلك الجماعة لإدراكي للتناقض في أفكارها ورفضها لحلم الآباء والأجداد المتمثل في الاستقلال التام أو الموت الزؤام، وأحمد الله أنني ولدت في بيت يدرك معنى الديمقراطية والحوار ولا يعترف بالتلقين دون التفكير وإعمال العقل.

■ إذن.. ما تقييمك لتجربة جماعة الإخوان المسلمين في حكم البلاد؟

مشروع الإخوان كله كان في عالم افتراضي بناه حسن البنا يختزل القرآن كله بما فيه من آيات الرحمة والعقل والعلم والتفكر في آية واحدة هي قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم"، إلى جانب أنه اعتبر نفسه هو المعبر عن الإسلام، ومن عاداه ليسوا بمسلمين، فضلا عن السيفين اللذين يضعهما تحت المصحف كأننا في دار حرب لا في دار سلام، ولهذا حينما أتيح لهم النزول بعالمهم الافتراضي إلى أرض الواقع كان مصيرهم الفشل لعدم اتساق مشروعهم مع الواقع أو حركة التاريخ.

{left_qoute_1}

■ كيف ترى الأوضاع في مصر خلال الفترة الراهنة؟

نحن نعيش حلقة من حلقات الصراع بين قوى الثورة المضادة الماضوية التي تهدف لجرنا إلى عالم التبعية والفساد والاستبداد، وبين قوى الثورة التي تهدف إلى التغيير المجتمعي والاقتصادي والإنساني والثقافي، لتحقيق حلم الثورة بأن تكون مصر قادرة على مواكبة العصر الذي تحيا فيه، ونحن نمتلك تلك الإمكانيات بفضل شباب يناير الذين فتحوا الطريق أمام ذلك التغيير الاجتماعي، ثم سُرقت ثورتهم مرة، وجار الآن محاولة سرقتها للمرة الثانية، وقطع الطريق على خارطة المستقبل.

■ ما رأيك في أداء الرئيس عبد الفتاح السيسي بعد مرور 15 شهرا على توليه حكم البلاد؟

المسائل ليست شخصية بالنسبة لي، ولكن ما أراه حتى الآن أنه لم يفصح عن انتمائه الحقيقي للجماهير الشعبية المصرية رغم إعلانه الانحياز لها، لأن ما قدمه لعبدة أصنام الماضي أكثر بكثير مما قدمه لثورة الشباب، وأعتقد أنه أهدر فرصتين تاريخيتين ليسلك سلوكا ثوريا حقيقيا، الأولى حينما التفت حوله الجماهير في 30 يونيو وحرص على المواءمة ومساومة الماضاويين، وحاول أن يجعل الإخوان يحضرون مشهد 3 يوليو إلا أنهم رفضوا، وحضر السلفيون المعادون لثورة يونيو، وعطلوا المشهد كثيرا وما زالوا يمارسون التعطيل والتعويق حتى الآن، وكانت الفرصة الثانية حينما طالب الجانب الطيب من الأغنياء الفاسدين بالمساهمة في صندوق "تحيا مصر" فلم يقبلوا، وعندما طلب من الشعب المشاركة في حفر قناة السويس، لبى الجميع النداء ودفعوا 64 مليار جنيه في 8 أيام، وكانت هذه إشارة واضحة لو أنه يحسن تلقي الإشارات، فكان عليه أن يعتمد على جموع شعبه لا على رجال الأعمال، لكنه بدلا من هذا منح رجال الأعمال مزيدا من المكاسب تمثلت في إلغاء الضريبة التصاعدية ووقف العمل بضريبة الأرباح الرأسمالية، وكأنه يجازيهم على عدم مساهمتهم في التغيير إلى الأمام.

■ وكيف تقيم أداء الحكومات المتعاقبة خلال العام الأخير بدءا من "محلب" وانتهاء بـ"شريف إسماعيل"؟

المشكلة الحقيقية فيما يتعلق بالحكومات الأخيرة هي غياب النظرة الإستراتيجية لدى تلك الحكومات، وعدم إدراك الإمكانيات الموجودة في تلك البلاد وقدراتها، ومازلنا ندور في إطار عملية إطفاء الحرائق وليس البناء من أجل المستقبل، وقد تختلف المسألة من وزير لآخر بشأن قدراته التنفيذية أو نزاهة يده أو ذمته المالية، إلا أن الأمر الثابت هو أن تلك الحكومة هي حكومة تنفيذيين بيروقراطيين محكومين بلوائح وقيم وأفكار قديمة حتى الآن.

■ كنت أحد أبرز الأعضاء في لجنة الخمسين التي صاغت دستور 2014، وكنت صاحب "الديباجة" الشهيرة التي لخصت تاريخ مصر الإنساني.. فكيف ترى محاولات البعض لتعديل الدستور في الوقت الحالي؟

أعتقد أن ذلك أيضا يمكن وضعه في إطار محاولات الثورة المضادة لسرقة الثورة، وأتصور أن الكلمات التي قالها الرئيس بأن ذلك الدستور طموح جدا ويحوي الكثير من النوايا الحسنة وأن الدول لا تبنى بتلك النوايا مردود عليه، لأن الدول حقيقة لا تبنى إلا بالنوايا الحسنة والعزائم الصادقة، وأتصور أن كلام الرئيس فتح شهية أصحاب النوايا السيئة للخوض في مسألة تعديل الدستور بغرض الالتفاف على ثورتي يناير ويونيو، ويجب أن يكون واضحا أيضا أن ذلك الدستور كُتب بتوافق أكثر من 70% من أعضاء لجنة الخمسين التي تكونت من كل ممثلي المجتمع المصري بدءا من أصحاب الأعمال وغرفة الصناعة المصرية، مرورا بالعمال والفلاحين وكبار ملاك الأراضي، إلى جانب المرأة والشباب والأزهر والكنيسة والقوات المسلحة والشرطة، بما يعني أن ذلك الدستور هو الأول الذي يكتب بتوافق مجتمعي حقيقي، وهذا يؤكد أن اللغط المثار بشأنه ما هو إلا محاولات للالتفاف على باب الحقوق والحريات الذي يضمن حقوق الشعب المصري بعد ثورتين عظيمتين، إلى جانب محاولات الالتفاف على الباب الخاص بتنظيم السلطات من اجل إعطاء سلطات أكبر للرئاسة وخلق فرعون جديد في ظل قيام ثورتين لإنهاء تلك الفكرة.

■ إذن.. هل يعني ذلك أن كافة مواد الدستور وأبوابه لا تحتاج إلى أي تعديل؟

لا أفهم كيف يمكن أن يقرر أحد أن ذلك الدستور يحتاج إلى تعديل دون أن يتم البدء في تطبيقه فعليا، لذا أتصور أن الحديث عن ذلك حاليا هو دوس على الاتفاق المجتمعي، لا أفهم كيف يمكن لأحد أن يحكم بضرورة تعديل الدستور دون أن يتم تطبيق أي شيء منه، والأصح أن نترك التعديل لحين تطبيق ذلك الدستور واكتشاف نواقصه، وذلك لن يحدث إلا بعد مجيء مجلس النواب وتحويل ترسانة القوانين القديمة إلى أخرى تتسق مع الدستور، ومن هنا يتم معرفة الثغرات التي تحتاج إلى التعديل بعد البدء في تطبيق القوانين، ولا بد أن يكون واضحا للجميع أن آلية تعديل الدستور موجودة بداخله، إذا ثبتت الحاجة إلى التعديل.

{long_qoute_2}

■ ما توقعاتك بشأن البرلمان القادم؟

هناك مجموعة من الأشياء التي أراها أكيدة بالنسبة للبرلمان المقبل، أولها أن الإقبال الجماهيري على تلك الانتخابات سيكون أقل من الانتخابات السابقة والاستفتاء، لأن هناك إحساس يتنامى عند قطاع من الجماهير الشعبية بأن السياسية لم تفعل لهم شيء في النهاية، والأمر الثاني يتعلق بالمال السياسي الذي سيزيد في الانتخابات القادمة بشكل كبير، وكل هذا جعل العديد من القوى الوطنية تمتنع عن الترشح للانتخابات في ظل الأوضاع الراهنة، فضلا عن أن المناخ العام الشائع في الإعلام والذي تفرضه القوانين التي تصدر في غياب البرلمان لا يؤهل لقيام حياة سياسية صحيحة، وبالتالي أتوقع أن يكون البرلمان القادم انقضاضا على الثورة وحكما بإعدامها ونهاية الحلم المصري بالتغيير إذا استمرت الأمور على ما هي عليه الآن.

■ لماذا يغيب المثقفون عن المشاركة الفعلية في الحياة السياسية؟

المثقفون ليسوا طبقة بعينها، وإنما موجودون في كل الطبقات، وأعتقد أن العمل الثقافي هو أكثر إستراتيجيةً من فكرة الانخراط في العمل اليومي التكتيكي، وليس كل من هو مؤهل للتعامل بتلك الإستراتيجية مؤهل لذلك الانخراط التكتيكي، وعلى أي حال يمكننا القول بأن الثقافة تعد مهمة مدى طويل وليس مهمة تداول سلطة.

■ باعتبارك نشأت وسط مجتمع الصيادين وعايشت همومهم.. كيف ترى ما يتعرض له الصيادون حاليا من احتجاز وغرق وتضييق في عملهم؟

مشكلة الصيادين تكمن في أن مصائد الأسماك باتت من الأشياء التي تعرضت للتجريف في الأربعين سنة الأخيرة، وهذا ينضم أيضا إلى فاتورة الدولة التي استقالت عن أداء دورها الاجتماعي فيما يتعلق بالعديد من المجالات خلال الفترة الأخيرة، وأتصور أن عزوف الصيادين عن أداء مهنتهم في العديد من المناطق يرجع إلى تلوث المصائد الموجودة على فرع رشيد، وتلوث البحيرات بالنفايات الصناعية التي تلقى فيها، لدرجة أن صيد السمك النابع من البحيرات بخاصة بحيرة المنزلة مرفوضا الآن في الأسواق العالمية بسبب احتوائها على نسب عالية من الرصاص، فضلا عن الاعتداءات الكثيرة التي تعرضت لها بحيرة المنزلة التي كانت مساحتها في طفولتي تبلغ مساحتها مليون فدان، وأصبحت اليوم 10 آلاف فدان مع أعمال الردم المستمرة التي تتعرض لها، وبالتالي يبحث الصيادون عن مصدر رزق خارج البلاد في ظل مساحة البحيرة الضيقة والازدياد السكاني والتلوث، فيكون مصيرهم إما الغرق أو القبض عليهم، وأعتقد أننا وضعنا في الدستور سبلا لحل كافة المشكلات المتعلقة بالصيد وأعمال الردم..

{left_qoute_3}

■ في نهاية الحوار، أمامك مجموعة من الأسماء وعليك أن توجه لكل منها كلمة أو تصفه بكلمات بسيطة:

"الوالد".. ترك في أشياء كثيرة أحمد الله عليها مثل احترام العقل واحترام المعرفة.

"شحاتة سليم نصر".. معلمي الثاني الذي لفت نظري إلى أن الثقافة جزء من نسيج المجتمع وليست هامشا للمجتمع.

"عمار الشريعي".. رفيق العمر والمشوار الذي لم أعرف كيف يمكن أن أغني بعد رحيله.

"أسامة أنور عكاشة".. أفتقده كثيرا، وأفتقد حلمنا المشترك الذي رحل قبل أن يكتمل، والكلام ذاته ينطبق على إسماعيل عبد الحافظ.

"صلاح جاهين".. لم يأخذ ما يستحقه من مكانة في ثقافتنا الوطنية.

"بليغ حمدي".. أهديته مجموعة كتب صغيرة من دواوين الأغاني بعنوان: "بليغ حمدي ابن النيل.. كان حلم وراح".

"ياسر عبد الرحمن".. موهوب ومقتدر ومخلص، وأعظم ما فيه حرصه على استمرار التعلم.

"علي الحجار".. صوت أسعدني زمانيأن يغني أعمالي.

"عفاف راضي".. صوت بكر لم يتأثر نقاؤه بتقدم السن والأيام.

"ملحن شاب يمكن أن تعطيه أعمالك".. أحمد إسماعيل وياسر المناوهلي.


مواضيع متعلقة