ثقافتنا بين النمل والنحل

يقول الدكتور زكى نجيب محمود: النملة تدَّخر القوت لفصل الشتاء، وهى إذ تخزن القوت الذى جمعته تتركه كما وجدته، فحبة القمح تظل حبة قمح وقطعة السكر تبقى قطعة سكر، فكل ما على النملة أن تؤديه فى هذه السبيل هو أن تجمع ما تصادفه صالحاً لطعامها، وترصه فى بيتها رصاً على مستوى الأرض، أو تكوِّمه فوق بعض، ذلك هو النمل وما يصنعه فى تخزين قوته، فهو ماهر كل المهارة فى جمعِه لكنه لا يغيِّر شيئاً، وأما النحل فأمره آخر لأنه ما إن يمتص من الزهور رحيقها، حتى يدير لها معامِلَه الداخلية، فتخرجه فى الخلية عسلاً، وعلى طريقة النمل، وطريقة النحل يكون الإنسان فى جمع معارفه وعلومه: فتارة يصنع صنيع النمل، وطوراً يُجرى عليها طريقة النحل، وبين الطريقتين تختلف الشعوب، وكذلك تختلف العصور، ولعلك تلحظ أن عملية الجمع مشتركة فى الحالتين، لكن بينما يوقف عندها فى الحالة الأولى، يتخطاها المبدع إلى مرحلة تُبنى عليها فى الحالة الثانية، فالنمل والنحل كلاهما يجمع مواده، فأما النمل فيخزن ما تجمَّع كما هو، أما النحل فيصير مما جمعه شيئاً جديداً.

إن جميع النهضات الثقافية قد تشابهت فى مراحل السير: فخطوة «نملية» تجمع بها ما قد وصل إلى الدنيا من أمهات الحقائق، تتلوها خطوة «نحلية» يمتص فيها أصحاب المواهب رحيق المعارف المجموعة، لا ليخزنوها فى ذاكرتهم لتبقى على صورتها، بل ليحولوها فى معامل المواهب إبداعاً جديداً، أما فى مراحل الانطفاء والركود فإن الدارسين يحفظون عن ظهر قلب ما يتلقونه من مأثورات الأولين ليخرجوها فى المناسبات المختلفة تسميعاً فتخرج وكأنها مومياوات محنطة خرجت من توابيتها لتوضع فى المتاحف، ولنجعل مثلنا ذلك المد الثقافى الزاخر فى تاريخ المسلمين، فلم يكد يمضى على ظهور الإسلام ما يزيد قليلاً على قرن واحد، اشتغل فيه العلماء باللغة وما يتصل بها من قواعد وشواهد حتى بدأت حركة الجمع من مصادر الآخرين، وأعنى حركة الترجمة عن اليونانية والفارسية والهندية، وأنشأ المأمون ما يُسمى ببيت الحكمة، حيث يجتمع القائمون على الترجمة تحت رعاية الخليفة، ولك أن تتخيل نفسك وقد دخلت بيت الحكمة فى بغداد، لترى جماعة المترجمين مُنكبَّة على صحائفها، تنقل من لغة أخرى إلى اللغة العربية، فهل يسعك وأنت ترى هؤلاء يترجمون ما يترجمونه، إلا أن تدرك من فورك أن ما تشهد شيئاً يشبه جهود النمل فى الجمع والتخزين، وأن تلك المادة المنقولة إلى العربية لن تكون هى الثقافة العربية ولكن الذى سيجعلها كذلك رجال آخرون، يتلقون تلك المترجمات ليرشفوا رحيقها، ثم يُخرجوا ما قد رشفوه خلقاً جديداً، هو الذى نشير إليه اليوم إذا ما تحدثنا عن التراث العربى وهو فى عزه وذروة مجده، وانتقل من التاريخ العربى إلى القرن العاشر (الرابع الهجرى) وخذ من خزانة الكتب التى عاش أصحابها فى ذلك العهد ثم انظر إلى محتواها، لترى كيف تحولت الأزهار إلى عسل، فاقرأ مثلاً لأبى حيان التوحيدى، تجدك أمام فكر عربى جديد، فلا هو شبيه بما قد كان عند أسلافه العرب من فكر، ولا هو يشبه كل الشبه ما نقل إلى العربية من مؤلفات اليونان، وليس ذلك المذاق الجديد مقصوراً على رجل أو رجلين بل هو طابع شامل لعصر كامل امتد حقبة طويلة من الزمان فى المشرق العربى، وفى المغرب العربى على السواء، وفى تلك الحقبة الطويلة لمعت أسماء كالنجوم الساطعة، من فلاسفة كالفارابى وابن سينا، وابن رشد، وشعراء الحكمة كأبى العلاء المعرى، ونقاد مثل: عبدالقاهر الجرجانى، وعلماء فى الرياضة والفلك والكيمياء والطب، وغير ذلك من شتى جوانب الفكر والأدب.

ونحن بعد أن قضينا مائة وثمانين عاماً، منذ انفتحت أبوابنا على أوروبا، فبدأت بذلك الانفتاح نهضتنها الحديثة، لو استثنينا قلة قليلة مما أنتجناه خلال تلك الفترة لوجدنا إنتاجنا أشبه شىء ببيوت النمل، فهو إنتاج يمكن أن يلخص فى هذه الصيغة، قال أسلافنا كذا، وقال الغرب عن أسلافه ومعاصريه كيت، ولم تتبلور لنا بعد وجهة، إنه لا بأس فى أن نصغى بآذان مرهفة لما قاله أسلافنا، ولكن البأس كل البأس هو فى أن نقف موقف النمل فى الجمع والتخزين وكفى، إذ يبقى بعد ذلك دور النحل فى التمثيل والتحويل ليتاح لنا أن نقول: هذا كتابنا بيميننا، وعلى أساسه يكون الحساب، ولقد تحقق لنا هذا بالفعل فى كثير من الإبداع الأدبى، وفى قليل من الفن، ولكنه لم يتحقق فى الفكر بشتى جوانبه، لا كثيراً ولا قليلاً، اللهم إلا قطرات لا تطفئ ظمأ العصفور.