عملية «حق الشهيد»!

مصطفى بكرى

مصطفى بكرى

كاتب صحفي

دور القوات البحرية والجوية لا يقل خطورة عن القوات البرية التى حسمت المعركة منذ اللحظات الأولى فى تنفيذ الخطة من جميع الاتجاهات، كما رافق ذلك الطائرات المقاتلة بالتزامن مع القوات البحرية التى استهدفت السيطرة على منطقة الشط وقطع خطوط الإمداد عن العناصر الإرهابية.

وبمجرد بدء العملية الواسعة، حاولت العناصر الإرهابية القيام بعمليات نوعية ضد القوات والمنشآت والمواطنين، إلا أن يقظة القوات المسلحة والشرطة المدنية كانت لهم بالمرصاد، فأحبطت العديد من هذه المخططات، وقتلت العناصر التى سعت إلى تنفيذها، فأدركت العناصر الإرهابية أنها سقطت فى «كماشة» جرى الإعداد لها والإحكام جيداً.

ولم تكن قبائل سيناء بعيدة عن هذه الأحداث، بل كانت طرفاً أساسياً فيها، حيث جرت مساعدة القوات بالمعلومات حول أماكن هذه العناصر والطرق المؤدية لها ومخازن الأسلحة والألغام.

وعلى مدار الأربعة عشر يوماً الماضية استطاعت قوات الجيش والشرطة المدنية إحداث نقلة نوعية فى العمليات العسكرية فى سيناء، بعد أن تمكنت من تحقيق أهدافها على الأرض بنسبة كبيرة، وباتت الآن قاب قوسين أو أدنى من إنهاء مهمتها التى أطاحت بالعديد من العناصر الإرهابية والتكفيرية التى شكلت بؤراً قوية فى المرحلة الماضية.

لقد نجحت قواتنا المسلحة خلال الفترة الماضية، وتحديداً منذ انطلاق العمليات العسكرية بعد انتصار ثورة الثلاثين من يونيو، فى شن حرب شاملة ضد الإرهابيين وطرق إمداداتهم، إلا أن سيطرة هذه العناصر على العديد من مناطق الشيخ زويد من أحداث ثورة يناير  2011، مكنتها من عرقلة نجاح القوات فى تحقيق أهدافها بنسبة 100% طيلة الفترة الماضية.

من هنا كانت أهمية الحملة العسكرية الشاملة التى جاءت بعد دراسة عميقة ومعلومات مؤكدة حول أماكن وجود هذه العناصر وطرق الإمداد والتسلل.. حتى نجح الجيش فى السيطرة على المقر الرئيسى لقيادة جماعة «أنصار بيت المقدس» الإرهابية. وخلال الأيام الماضية بدأت القوات فى ضخ كميات هائلة من المياه من خلال أنابيب مثقوبة جرى وضعها فى خندق بعمق 6 كيلومترات، قام الجيش المصرى بحفره على الحدود مع غزة، بطول يصل إلى نحو 22 كيلومتراً انطلاقاً من شاطئ البحر المتوسط.

إن قرار حفر هذه القناة وإخلاء الشريط الحدودى الذى اتخذ فى أكتوبر 2014، كان يقصد به التمهيد لهذه العملية الكبرى التى استمدت اسمها ليس فقط من منطلق الثأر للشهداء، ولكن الثأر للوطن بأسره وفرض سيطرة الدولة التى ظلت غائبة لسنوات طوال فى العديد من هذه المناطق.

وقد أثارت عملية إغمار الشريط الحدودى بالمياه التى تتدفق من ثقوب المواسير العملاقة قلق حركة حماس التى أدركت أن هدم الأنفاق والحيلولة دون حفرها مرة أخرى هو قرار استراتيجى، خاصة بعد أن بدأت المياه تتدفق إلى الجانب الآخر على الحدود، مما دفعها إلى محاولة سحبها عبر المضخات، والطلب من مصر ضرورة منع تدفق هذه المياه من مناطقها. لقد وعد الرئيس عبدالفتاح السيسى «القائد الأعلى» والقائد العام الفريق أول صدقى صبحى بالقضاء على الإرهاب وتطهير أرض سيناء ودحر المخططات التى تستهدفها وهو ما نشهده الآن على أرض سيناء، وبنجاح منقطع النظير.

لقد جرى التخطيط لهذه العملية الواسعة «حق الشهيد» بإتقان جيد، وتدريبات مكثفة، وعمليات ناجحة، استخدمت فيها الأسلحة الحديثة براً وبحراً وجواً، كما أن إدارة الشئون المعنوية نجحت وباقتدار فى أن تقدم للمصريين نموذجاً للإعلام الراقى والصادق الذى يعكس حقيقة ما يجرى وتصوير الأحداث وتقديم المعلومات والفيديوهات بشكل يومى وسريع جنباً إلى جنب مع النجاحات التى تحققها القوات على أرض الواقع.

لقد أدركت قواتنا المسلحة والشرطة المدنية منذ وقت مبكر خطورة ما يجرى فى سيناء، وبدأت عمليات الاستعداد الواسعة لمواجهة حرب الأشباح التى كانت تخوضها المنظمات الإرهابية والتكفيرية ضد القوات وضد الوطن، فكان القرار الاستراتيجى، لا بد من تصفية البؤر الإجرامية والإرهابية، بعد البدء بحملة تجفيف المنابع.

وقد حذرت مصر، حركة حماس، أكثر من مرة، لأنها تعرف حقيقة دورها المشبوه وتورطها فى الأعمال الإجرامية منذ أحداث يناير  2011، إلا أن قادة الحركة لم يبالوا بهذه التحذيرات، وظلوا يمارسون إرهابهم جنباً إلى جنب مع العناصر التكفيرية وقاموا بإمدادها بجميع أنواع الأسلحة والأموال، فكان طبيعياً أن تسعى مصر إلى حماية أمنها القومى بكل السبل. إن عملية «حق الشهيد» سيسجلها التاريخ المصرى لجيشنا العظيم وشرطتنا الباسلة كواحدة من أهم العمليات العسكرية الكبرى فى التاريخ الحديث، وهى فى ذلك لا تقل أهمية وخطورة عن الحروب التاريخية التى حررت مصر بمقتضاها أجزاء غالية من أراضيها، وانتصرت فيها لإرادة الشعب وأمن البلاد واستقرارها.

إن أهمية عملية «حق الشهيد» تأتى من منطلق أنها العملية العسكرية الأكبر بعد حرب أكتوبر 37 التى تستهدف تطهير سيناء بمناطقها الاستراتيجية المهمة من الأشباح التى تغلغلت فيها على مدار سنوات طوال سابقة.

ورغم دقة العملية وخطورتها، فإنها جاءت أيضاً شهادة جديدة لجهاز المخابرات الحربية المصرية والاستطلاع، حيث تحرك رجالها على مساحة واسعة من أرض سيناء مستعينين برجال القبائل وأبناء المناطق المختلفة فى رصد جميع المعلومات التى ساعدت القوات على إنجاز الخطوات الرئيسية فى مهمتها بنجاح.

لقد كانت تعليمات «القائد الأعلى والقائد العام» حذار من إلحاق الأذى بالأبرياء، فالجيش المصرى يخوض معركته بثوابت أخلاقية، لا يستطيع التخلى عنها، وربما كان ذلك سبباً من أسباب النجاحات المتلاحقة التى ينقلها الإعلام العسكرى إلى الرأى العام أولاً بأول.

إن العملية لن تتوقف إلا بالقضاء على جميع البؤر الإجرامية والإرهابية وبسط الأمن والاستقرار فى ربوع جميع المناطق بلا استثناء، ولذلك ستكون تلك العملية هى هدية الجيش المصرى للشعب فى عيد الأضحى، وربما تستمر إلى ما بعد ذلك.