«المبانى المخالفة» تنتظر «البرلمان».. ووزير الإسكان: تُكبدنا المليارات

كتب: أحمد مصطفى

«المبانى المخالفة» تنتظر «البرلمان».. ووزير الإسكان: تُكبدنا المليارات

«المبانى المخالفة» تنتظر «البرلمان».. ووزير الإسكان: تُكبدنا المليارات

رغم مرور أكثر من عام على الهدوء السياسى والأمنى النسبى فى مصر، فإن هناك العديد من الملفات المفتوحة منذ فترة ما قبل الاستقرار لم تُتخذ بها أى إجراءات، على رأسها ظاهرة البناء المخالف التى شهدتها البلاد بعد ثورة 25 يناير، وحتى منتصف العام الماضى، وهى الفترة التى عُرفت بالانفلات الأمنى وغياب الرقابة على كل القطاعات.

{long_qoute_1}

وفى وقت يعانى فيه كثير من المصريين من تضررهم من انقطاعات المياه والكهرباء المتكررة وشكوى الحكومة من شح مواردها، يطالب الآلاف من المصريين الذين اشتروا وحدات سكنية آمنة هندسياً لكنها مخالفة، بتقنين أوضاعهم والسماح لهم بالتصالح مع الحكومة، مبدين استعدادهم لدفع مبالغ مالية مقابل تركيب عدادات كهرباء ومياه لوحداتهم، لكن الحكومة لم تتخذ خطوات فعلية بهذا الشأن حتى الآن، وتنتظر انتخاب نواب البرلمان ليقوموا هم باتخاذ القرار فى هذا الشأن، ولترفع عن نفسها الحرج.

لم تجد حكومة المهندس إبراهيم محلب طريقة أفضل لإبعاد مسئولية حل أزمة البناء المخالف عن جملة مسئولياتها، إلا بتأجيل الملف حتى انتخاب برلمان جديد يقوم بتحمل تبعات هذا القرار، إما بتقنين أوضاع المخالفين، أو إزالة المخالفات بالقوة، وفى كلتا الحالتين تنجو هى بنفسها من المحاسبة على اتخاذ القرار الذى يمس حياة ملايين المواطنين.

وقال الدكتور مصطفى مدبولى، وزير الإسكان والمرافق، إن ظاهرة مخالفات البناء تضخمت على نحو كبّد الاقتصاد خسارة مليارات الجنيهات، الأمر الذى أوجب ضرورة التصدى لتلك الظاهرة الخطيرة، قبل أن تصل تلك الظاهرة لمرحلة تصبح فيها عصّية على الحلول. وقالت المهندسة نفيسة هاشم، مساعد وزير الإسكان، إن ملف تقنين أوضاع المبانى المخالفة التى تم بناؤها فى الأعوام الماضية توقف تماماً، بعد رفض الرئاسة للقانون، وتفضيل تأجيله لحين إثبات قوة الدولة تجاه المخالفين، مشيرة إلى أن الوزارة تراقب حالياً أعمال البناء لضمان عدم استمرار ظاهرة البناء المخالف، أما ما قد مضى فقد يتم إرجاء أى خطوات بشأنه لحين انتخاب مجلس للنواب يتخذ قراره بهذا الشأن.

{left_qoute_1}

وأضافت «نفيسة»، لـ«الوطن»، أن الوزارة أعدت، مارس الماضى، قانوناً مؤقتاً للتصالح فى مخالفات البناء، مقابل دفع المخالفين غرامات تعادل قيمة الأدوار التى تم بناؤها، بعد التأكد من سلامة المبانى هندسياً، على ألا تتضمن تلك المبانى التى تشكل خطراً على الأرواح أو الممتلكات أو تشكل خروجاً على خطوط التنظيم أو تجاوز قيود الارتفاع المقررة قانوناً، والصادر بها قرار من المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية العمرانية، أو المقررة بقانون الطيران المدنى، أو البناء على أراضى الآثار، أو البناء على الأراضى خارج الحيز العمرانى المعتمد.

ولفتت مساعد الوزير إلى أن مجلس الوزراء وافق على القانون ورفعه لرئاسة الجمهورية التى جمدته حتى الآن، وأوضحت أن «دور الوزارة انتهى بتقديم مسودة القانون، لكن قرار تفعيله أو تأجيله فى يد مجلس الوزراء، ولا يمكن استبعاد تأجيل قرار الحكومة لهذا الشأن، وإحالة الأزمة للبرلمان المقبل». وأرجعت مصادر بالوزارة سبب تجميد رئاسة الجمهورية مشروع قانون التصالح إلى تقارير أمنية حذرت من أن فتح باب «التصالح مقابل الغرامة» سيؤدى إلى التوسع فى البناء المخالف، مشيرة إلى أن التقارير أوصت بإعطاء شرطة المرافق الفرصة لإزالة المبانى المخالفة، وإرسال رسالة مفادها أن «يد الدولة ما زالت قوية». وتوقعت المصادر أن تصل قيمة الغرامات التى يمكن جمعها من أصحاب العقارات المخالفة على مستوى الجمهورية إلى 16.3 مليار جنيه. وقال المهندس عبدالمنعم صالح، رئيس جهاز التفتيش الفنى والمتابعة على أعمال البناء بالوزارة، إن هناك ما يقرب من «نصف مليون عقار مخالف» فى مصر، تم بناؤها خلال السنوات القليلة الماضية، تحاول وزارة الإسكان بالمشاركة مع المحافظات فى إزالة بعضها، خاصة تلك التى تم بناؤها على أراض زراعية أو أراضى الدولة. ودعا رئيس جهاز التفتيش الفنى المواطنين لعدم شراء وحدة سكنية دون الاطلاع على ترخيص المبنى وأخذ صورة منه، والاستعلام من الحى عن وجود أى مخالفات على العقار، حتى لا تضيع المبالغ التى يدفعها المواطنون، وحتى تتمكن أجهزة الدولة من مساعدتهم للحصول على حقوقهم.

وبحسب آخر إحصائيات وزارة الإسكان، فإن إجمالى العقارات المقامة بدون ترخيص بلغ 317948 عقاراً صدر لها 356507 قرار إزالة معتمد من السادة المحافظين، ولم يتم تنفيذ أى منها، 67.5% منها بُنى بعد الثورة. واستمرت الحكومة فى مساعيها لمكافحة ظاهرة البناء المخالف ومنع توصيل المرافق لها، فبعد إعلان وزارة الإسكان حُبس موظفو الأحياء ممن يسمحون بتوصيل المرافق للمبانى المخالفة أو المبنية بدون مرافق، بالإضافة لإمكانية العزل من الوظيفة، قررت شركات توزيع الكهرباء التسع وقف تلقى أى طلبات من سكان المبانى العشوائية والعقارات المخالفة لتوصيل التيار، تنفيذاً للقرار الأخير لمجلس الوزراء بوقف توصيل التيار إلى هذه العقارات، وقررت الشركات وقف إجراء أى معاينات، أو دفع قيمة أى مقايسة فى هذا الشأن، فى خطوة تهدف لإبعاد المواطنين عن شراء العقارات المخالفة.

وقد تسبب قرار وزارة الإسكان بعدم توصيل المرافق لأى مبنى مخالف فى توقف شبه تام لعمليات البيع والشراء فى كل من حدائق الأهرام وفيصل والهرم والمرج، وعدد آخر من المناطق السكنية داخل المحافظات، والتى زادت وتيرة البيع والشراء فيها طوال العامين الماضيين، استغلالاً لعدم وجود رقابة فعالة على عمليات الإنشاء للوحدات السكنية، ما شجع أصحاب الأراضى على البناء بالمخالفة لاشتراطات البناء التى تطلبها المحافظات.

وقال محمد عبدالستار، صاحب إحدى شركات التسويق العقارى، إن منع الحكومة توصيل المرافق للمبانى المخالفة تسبب فى توقف عمليات البيع والشراء فى حدائق الأهرام ومنطقة المريوطية القريبة من الطريق الدائرى وبعض قطع الأراضى فى فيصل، فضلاً عن تكرار نفس الأزمة لأصحاب العقارات المخالفة سواء لعدد الأدوار أو اشتراطات المحليات داخل كل محافظة بضرورة وجود جراج للعقار أو الالتزام بارتفاعات معينة للمبنى، وهو ما يتجاهله أصحاب العمارات الذين يلجأون للبناء المخالف، ثم رفع دعوى للتصالح يدفع بمقتضاها مبالغ ضعيفة مقارنة بما يحققونه من بيع الوحدات السكنية بعماراتهم.

عبدالحميد على، أحد سكان منطقة حدائق الأهرام، قال لـ«الوطن» إنه اشترى وحدة سكنية فى عقار تحت الإنشاء، ولم يكن يعلم أن المالك سيبنى دوراً آخر بالمخالفة، ولكن بعد انتهاء البناء فوجئ بامتناع شركة الكهرباء عن توصيل العدادات لجميع الوحدات فى العقار بما فيها المبنية طبقاً للرخصة، وكذلك المياه والغاز، ما دفعه والسكان الآخرين لتوصيل وصلات عشوائية، مؤكداً أنه رغم علمه بعدم قانونية هذه الأفعال، فإن الدولة لا تقدم حلولاً لمشكلات «لا ناقة لهم فيها ولا جمل»، وفق قوله، بعدما تم رفض طلبات أغلب السكان بالتقدم بطلبات لشركة الكهرباء والمياه لتوصيل عدادات لمنازلهم بصفة قانونية.

وكانت مناطق ضواحى الجيزة كفيصل والهرم وحدائق الأهرام قد شهدت لجوءاً لأصحاب الأراضى بالبناء المخالف، ثم التصالح مع الحكومة ودفع غرامات بسيطة، يتم بعدها توصيل المياه والكهرباء والغاز للمبانى دون تغيير فى المبنى المخالف، إلا أن القرار الذى أعلنته وزارة الإسكان جمّد عمليات الشراء فى هذه المناطق التى تُعتبر الأرخص سعراً مقارنة بالمناطق المجاورة لها، حيث لجأ المشترون للوحدات السكنية إلى التوقف عن الشراء لحين معرفة مصير المبانى التى أنشئت بالمخالفة للاشتراطات.

وتمنع الحكومة، منذ بداية العام، توصيل المرافق لأى وحدة مخالفة بأى صورة من الصور، حتى لا يتمكن المخالف من الانتفاع بمخالفته، حيث يقوم جهاز التفتيش الفنى بتحريك دعوى قضائية لتطبيق المادة 99 من القانون 119/2008 فى الشكاوى التى تُعرض على الجهاز والتى تقضى بالحبس والغرامة، وتتعدد العقوبات بتعدد المخالفات، ويجوز العزل من الوظيفة لمن يقوم بإدخال المرافق لأى وحدة مخالفة.

واتفق خبراء عقاريون على ضرورة تعامل الحكومة مع ظاهرة البناء المخالف باعتبارها «أمراً واقعاً» يجب التعامل معه والاستفادة من وجوده، مؤكدين أن هدم جميع المبانى المخالفة اختيار صعب تحقيقه، فى ظل بناء مئات الآلاف من العقارات المخالفة خلال السنوات الماضية، نسبة كبيرة منها آمنة وعلى أراض مصرح بالبناء عليها، وتُعتبر ثروة لا يمكن إهدارها، فى حين أنه يمكن الاستفادة منها، وتقنين أوضاعها لسد حاجة الدولة من العجز فى وحدات الإسكان، وجمع أموال يمكن أن توجه لإصلاح منظومة المرافق المتهالكة فى أرجاء البلاد، داعين الدولة إلى ضرورة التفريق بين البناء المخالف على أراضى الدولة، وغير الآمن، والذى يجب التعامل معه بشدة وإزالته، ومخالفات البناء التى يمكن قبولها والاستفادة منها.

{left_qoute_2}

وقال الدكتور سيف الدين فرج، خبير الاقتصاد العمرانى، إن البناء المخالف يؤثر على جميع مرافق الدولة، حيث تتآكل الرقعة الزراعية نتيجة البناء المخالف عليها وطبقاً لأرقام مركز بحوث الصحراء، مؤكداً أن الرقعة الزراعية تتناقص بمعدل 3.5 فدان كل ساعة، وأن هذا ما يتضح من خلال تصدر محافظتى الغربية والدقهلية لأكبر عدد من العقارات بدون ترخيص. وطالب «فرج» بتشكيل لجان من مهندسى وزارة الإسكان ومديرياتها فى المحافظات، وجهاز التفتيش على أعمال البناء، لفحص جميع العقارات المخالفة «الآمنة»، التى يمكن تركها بعد فرض غرامات على مالكها والاستفادة منها وفرض غرامات على أصحابها، وقال: «من المتوقع أن تصل قيمة تلك الغرامات لمليارات الجنيهات، فى ظل العدد الضخم من المبانى المخالفة الموجودة حالياً»، داعياً الحكومة إلى تخصيص جزء من هذه الأموال فى إصلاح البنية التحتية لشبكات الصرف الصحى والمياه بالمحافظات التى تعانى من نقص فى الخدمات، بالإضافة إلى ضرورة تسهيل منح التراخيص للمقاولين وملاك العقارات سواء «للهدم أو البناء أو الترميم» لتشجيع المواطن على الاستثمار العقارى واتخاذ الإجراءات القانونية السليمة عند البناء.

وأكد الخبير العقارى حمادة صلاح أن هناك آلاف العقارات التى تم بناؤها عشوائياً فى الفترة بين 2011 حتى نهاية 2013، بعض هذه الأراضى تم بناؤها على أراضى الدولة أو أراض زراعية غير مسموح فيها بالبناء، مشيراً إلى أن تلك الأراضى يجب على الدولة إزالتها بالقوة لما لها من خطورة على مستقبل الدولة، وتعدٍّ على حقوق الآخرين، مضيفاً: «هناك فى نفس الوقت عقارات آمنة للسكن خالف ملاكها رخصة البناء التى استخرجوها ببناء طابق أو أكثر، وتلك النوعية يمكن تقييمها من خلال مهندسين متخصصين للتأكد من سلامتها إنشائياً، وإن كانت سليمة فيجب تقنين أوضاعها وتوصيل المرافق لها، والاستفادة منها بدلاً من تجاهل أصحابها، مما أدى إلى توجه الكثيرين من السكان إلى سرقة وصلات المياه والكهرباء، ما يؤثر سلباً على أداء المرافق، ويتسبب فى كثرة أعطال المياه والكهرباء».


مواضيع متعلقة