د. أحمد الصغير محمد آل تمام: الطاهر مكي أستاذ الأجيال

د. أحمد الصغير محمد آل تمام: الطاهر مكي أستاذ الأجيال
حين طُلب مني الكتابة عن أستاذي الطاهر مكي، كنت في حيرةٍ من أمري، إذ لم أكن أعرف من أيِّ الجوانب أبدأ، لكنني آثرت أن أكتب عن حوارٍ دار بيني وبين أستاذي العلامة محمد يونس عبد العال، حول الطاهر مكي، لما فيه من معلومات قد تكون جديدة على الكثيرين من عشاقه.
تتلمذت على بقايا جيل العمالقة من أساتذة اللغة والأدب، وأكثر من أخذت عنهم العلم هو العلَّامة الدكتور محمد يونس عبد العال، وكانت بيننا العديد من النقاشات الأدبية، التي كانت تتنوع بين الطويلة والقصيرة، وقلما يمر يوم إلا ويكون هناك واحد منها.
وذات يوم، جاء ذكر أستاذي العلَّامة الطاهر مكي رحمه الله، وكنت أحكي له عن أحد نقاشاتي العلمية معه في موقف معين – سأؤجل الحديث عنه إلى آخر المقال- وذكرت شيئا عن تتلمذي على يديه، فقال لي: «إنه أيضا يعد نفسه تلميذا للطاهر».. فقلت له: «كيف ذلك وأنت خريج آداب القاهرة؟"».
فأجاب: «الطاهر مكي درَّس لي وأنا طالب في المرحلة الثانوية»، كان هذا أمرا مفاجئا لي، فقلت: «هل كان الطاهر يدرس في التعليم قبل الجامعي؟» فقال: «في عام 1955، في شهر نوفمبر أو ديسمبر، جاء إلى مدرسة المنيا الثانوية بنين، وكان من حظنا أن يدخل لنا بعض الحصص، وكان حريصا على الظهور بمظهر أنيق، يرتدي بدلة كاملة على الموضة، وكانت وقتها موضة البدلة ذات الصفين من الأزرار، وكان في أثناء كلامه يتكئ على مسطرة خشبية، ويقف في شموخ طوال الحصة، لا يجلس أبدا».
وكان يبهر الطلاب بكمّ المعلومات التي يلقيها عليهم مع سلاسة الأسلوب وعذوبة الألفاظ وقدرة مذهلة على إيصال المعلومة للطلاب، مهما كانت صعوبة هذه المعلومة، ويمزج في دروسه بين اللغة والأدب والتاريخ وصنوف أخرى من العلوم والمعارف، وذلك كله في لهجة قاهرية، لا تخلو من لكنة صعيدية، خاصة عند نطقه حرف الطاء القوي.
فقلت له: «وما الذي كان يركز عليه حديثه إليكم وأنتم في هذه المرحلة العمرية؟».
فأجاب: من أكثر ما أذكره أنه كان يوجهنا إلى استخلاص العبر من التاريخ، وكان يحثنا على الإكثار من القراءة والتوسع في المعرفة، ويقول لنا: «إن هذا هو طريق القوة وسبيل النهضة للفرد والمجتمع».
وأستطيع أن أقول اليوم - بعد خبرة تجاوزت الستين عاما في التدريس بمراحله المختلفة من الابتدائي إلى الجامعي – إنه كان من أمهر الناس في توصيل المعلومة والنفاذ إلى عقل الطلاب.
فقلت له: «وماذا عن المدة التي قضاها في تدريسكم في المدرسة؟».
قال: «لم يمكث طويلا حتى استدعي إلى الجامعة»، ثم أضاف: «كما أنني قرأت له وأنا في سن صغيرة، وكان ذلك مدعاة للفخر لزملائنا الذين درس لهم الطاهر في هذه الفترة الوجيزة».
دفعني هذا الكلام الماتع إلى استزادة أستاذي من الحديث عن أستاذنا الطاهر مكي، فسألته عن رأيه فيه كعالم، فقال: «الطاهر مكي أحد العبقريات المصرية في العصر الحديث، ولولا الظروف التي مرت بها البلاد، لكان عبقرية توضع بجوار العقاد وطه حسين».
وأفاض أستاذنا في الحديث عن أوجه الشبه بين الطاهر والعقاد، وبين الطاهر وطه حسين، ومما قال: «الطاهر مكي أحد الموسوعيين الكبار، صاحب ثقافة عربية أصيلة، كما أتيح له التعامل والتفاعل مع الثقافات الأجنبية، دون تنكُّر لأصوله العربية، ودون أن يفقد شيئا من تعلقه بجذوره، وهذه سمة الرواد العظام، الذين استطاعوا في اقتدار أن يعبروا بالثقافة العربية إلى الأمام، وأن يقدموا إلى الناس زادا يمدهم بالكثير والكثير».
سألته: «وما أهم كتبه من وجهة نظرك؟»
فقال: من عجيب أمره أن كثيرا من كتبه تُعدُّ بمثابة مراجع في موضوعاتها، بالإضافة إلى الجدة والابتكار، تتمتع بالسلاسة ورشاقة الأسلوب، فكتابه عن امرئ القيس ليس له مثيل، وتحقيقه لطوق الحمامة قوي جدا، وكتابه «الأدب المقارن» مرجع في بابه.
أما كتابه «مقدمة في الأدب الإسلامي المقارن» فيقلب المرء كفيه عجبا، كيف استطاع أن يؤلفه! فغزارة المعلومات تدهشك، وتجعلك تتساءل كيف تعرف على النتاج الإسلامي في كثير من البلدان الأفريقية مثل نيجيريا والسنغال وغانا والصومال وغيرها.
لذا فهو كتاب بارز في ميدان الأدب المقارن، يدل على اتساع معارفه ومداركه لإشعاعات الأدب العربي في العالم الأفريقي كما في العالم الأوربي، هذا فضلا عن مؤلفاته الأندلسية، فهو عاشق للأندلس وتاريخها.
ومن نادراته التي أذكرها أنه قدم بحثا بعنوان «أندلسيون في العراق» في ندوة عن «بغداد» بأحد فنادق القاهرة عام 2010م. وهو بحث غير مسبوق.
فقلت لأستاذي: «وماذا عن الجانب الإنساني في تعاملك مع أستاذنا الطاهر مكي؟».
فقال: «حين تقدم بي العمر وجلست إلى جواره في مناقشة بعض الرسائل العلمية، لم يشعرني إلا بحدب الأخ وعطف الأب ورقي الأستاذ، كان يعاملني كزميل له لا كواحد كان من تلامذته يوما ما، وهذا كان شأنه مع كل من يتعامل معه، عطف وحدب وحنو، لا يبخل بالنصيحة دون تعالٍ أو تجهم، والحديث عنه ذو شجون، رحمه الله رحمة واسعة».
أما الموقف الذي ذكرت أنني سأؤجله إلى آخر المقال، ففي عام 2006، تواصل معي أحد المهتمين بدراسة التاريخ، وقال لي: إن إحدى الفضائيات أذاعت برنامجًا من حلقتين، اسمه (الأندلسيون)، واستضافوا فيه امرأة مسنّة، قالت إنها حفيدة جوزمان الشهير بـ(السيد)، وقالت إنها تمتلك وثائق تثبت تزوير التاريخ الأوروبي والأسباني خاصة.
وقالت إن (السيد) كان مسلما، وإنها بالتبعية مسلمة مثله، وقال هل يمكن أن نتأكد من صحة هذا الكلام؟.
فتوجهت إلى عالم الأندلسيات الخبير بها أستاذنا الطاهر مكي، خاصة وهو مترجم كتاب «ملحمة السيد»، وقصصت عليه ما أخبرني به صاحبي، فأجابني بكلمته الساحرة التي كان يخاطبنا بها: «يا بني، أنا لا أحب التعامل مع هذه الفضائية، ولكن ائتني باسم تلك المرأة المسنّة، وأنا أتواصل معها».
ثم قال: إن الذين يقولون إنهم من أحفاد (السيد) كُثُر في أوربا، منهم وزراء وملوك، وأنا لا أستطيع الجزم بصحة إسلامه كما قالت المرأة، لكن أجزم أن وصيته قد تُعَمِّد اقتطاعها، وأنها ليست وصية رجل دين مسيحي، ففي وصيته يقول: «إذا أنا مِتُّ فادفنوني وحصاني معي»، وهي أقرب إلى وصايا الفرسان المسلمين.
ولم أستطع وقتها الوصول إلى اسم المرأة المذكورة، لكن لاحقا علمت أنها لويزة إيزابيل الفارس دي طوليدو (توفيت في مارس 2008)، وكانت دوقة مدينة سيدونيا الإسبانية، وكاتبة ومؤرخة، وأنها عثرت بالمصادفة على وثائق مهمة أثناء تجديد قصرها، وأن هذه الوثائق تثبت التلاعب بالتاريخ ضد المسلمين، وقد دونت بعض ذلك في كتابها Africa versus America.
رحم الله العالم الموسوعي أستاذ الأجيال الطاهر مكي.