«حق الشهيد».. حصن الوطن

نشوى الحوفى

نشوى الحوفى

كاتب صحفي

هل تعلم حالَ أُمٍّ لا تعرف شيئاً عن ولدها منذ أن خرج من بيته مدافعاً عن أرض هى كل ما نملك؟ هل جربت لوعتها وهى تنظر إلى صورته ناقلة عينيها بينها وبين السماء داعية له بالعودة سالماً غانماً؟ هل شاهدت دموعها وهى تصلى باكية راجية من الله أن يجعل يده هى العليا فوق كل عقل غاشم وقلب مات فيه الضمير؟ هل وعيت بجلوسها أمام ما يحب من طعام أعدته لبقية عائلتها تعف يدها عن مساسه أو تناوله محاولة رسم الابتسامة لمن حولها بينما قلبها يكاد يصرخ «ابنى وحشنى»؟ هل شاهدتها وهى تفتح دولاب ملابسه تمرر يدها عليها كأنها تلمسه، وتمسك قطعة منها تشم فيها رائحته فتحتضنها بروحها تتخيله أمامها؟ هل رأيتها وهى تحتضن أحفادها منه وتمنحهم محبتها وبشاشتها بزيادة لأنه الغائب عنها وعنهم. هل رأيتها عند اطمئنانها عليه بسماع صوته أو رؤيته عائداً لبيته بينما الروح تعود لها. إن كنت لم تعلم أو تجرب فهناك ملايين الأمهات المصريات فعلن ذلك فى الماضى وسيواصلن فى المستقبل وهن يعلمن أن قدرهن فى الحياة أن يهبن أغلى ما لديهن لـ«تحيا مصر».

ورغم إيمانهن بالقدر المكتوب لهن ولفلذات أكباد وضعوا أرواحهم على أكفهم، فأنت لا تعلم مدى لوعة القلب عند علمهن بخبر الاستشهاد المحتمل لرجال لا يعرفون سوى عقيدة أقسموا عليها وعهد لم يعرفوا سواه. مشاعر تتضارب بين اليأس من ضياع حلم العمر والسند والعزوة والفرحة، وبين الرجاء فى أن يكون عند الله شهيداً حياً مباركاً كريماً. مشاعر تختلط فيها بوصلة الحياة بعلامات الموت، وتتداعى فيها الذكريات كشريط فيلم سينمائى بديع مر فى لحظات. مشاعر لا تعرف وصفها إلا كل أم «شهيد» دفع حياته لـ«تحيا مصر».

لذا يا سادة ارتاح قلبى باسماً مع إعلان أخبار عملية «حق الشهيد» لقواتنا المسلحة فى سيناء رافعة شعار «حصن الوطن» لتطهير الأرض المباركة بالتين والزيتون وتمهيد ترابها لنهضة طالما حلمنا بها، ورفض مخطط صهيونى دولى كُتب على المنطقة وقاومناه شعباً وجيشاً بكل ما أوتينا من قوة، والثأر لأطهار لا نعلم إلا أسماءهم وأحياناً لا يتجاوز علمنا بهم أرقاماً تحملها أنباء استشهادهم، وطمأنة من أصيبوا وباتوا يحيون على أخبار القضاء على من كفروا علينا نسمات الهواء زوراً باسم الدين، ومن تاجروا بالوطن بضاعة رخيصة فباعوا أنفسهم لشياطين الإنس قبل الجان. هكذا جاءت عملية حق الشهيد تطهر الأرض وتحمى العرض لـ«تحيا مصر».

جاءت عملية حق الشهيد لتؤكد أن الردع الحاسم السابق لميليشيات التكفير والخيانة فى سيناء دون انتظار لعمليات تقوم بها، لأن وجودها فى حد ذاته تهديد لبلادنا، هى الحل الأمثل لحماية أمننا القومى المرصود من قوى الظلام والجهالة مهما تعالت أصوات فى الغرب تربط بين ما تقوم به بلادى من عمليات لتحرير سيناء من تلك الميليشيات وبين تعارضه مع حقوق الإنسان، متناسين ما تقوم به بلادهم فى سوريا من اعتداءات واضحة سواء جاءت بتمويل من يسمونهم معارضة سلمية لنظام بشار الأسد، أو بالسماح لتركيا باختراقات للحدود السورية أو بتوجيه ضربات عسكرية لسوريا بدعوى مقاومة «داعش». جاءت عملية حق الشهيد لتؤكد حاجتنا لأن نعود لسيناء بعد سنوات غبنا فيها لـ«تحيا مصر».

ولكل ما سبق يا سادة.. تحياتى لكل قلب مرابض يحمى البلاد تاركاً وراءه أحلامه وأحباءه وحياة سهلة حتى لو انتهى به الأمر شهيداً.

وتحياتى لكل أم تربط على قلبها ليصبح خالياً من قلق وحزن لفراق «ضناها» المقدر له الدفاع عن الوطن. وتحياتى واحتراماتى قبل وبعد كل شىء لكل شهيد.