"مينا هاوس".. مصر والصين في مواجهة "الفاشية"

كتب: هاني الوزيري

"مينا هاوس".. مصر والصين في مواجهة "الفاشية"

"مينا هاوس".. مصر والصين في مواجهة "الفاشية"

 

يحضر الرئيس عبدالفتاح السيسي، الخميس المقبل، العرض العسكري المقررة إقامته في بكين، ويشارك أيضا في هذا العرض العسكري الضخم حرسُ الشرف المصري المكون من 81 جنديا من قوات المُشاة.{left_qoute_1}

كانت قوات الحلفاء في مصر شنت الهجومَ الإستراتيجي المضاد على القوات الألمانية والإيطالية المشتركة، باعتبارها ميدانا هاما للحرب، وقدّمت مصر لقوات الحلفاء دعما عسكريا ولوجيستيا ثمينا، ناهيك عن مشاركتها، جيشا وشعبا، قوات الحلفاء في محاربة الفاشية، ودفعت ثمنا باهظا.

ويذكر التاريخ أن فندق "مينا هاوس"، شهد قبل 72 عاما صدور "إعلان القاهرة"، الذي ينصّ على إلزام اليابان بإعادة كل الأراضي الصينية التي اغتصبتها واحتلّتها إلى الصين بدون شروط، يُعدّ مؤتمر القاهرة، الذي عُقد في فندق مينا هاوس في نوفمبر 1943، حدثا رئيسيا ومَعْلَما تاريخيا في الحرب العالمية ضدّ الفاشية، وشهد العالم تغيرات عميقة وكبيرة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قبل 70 عاما، وصار "السلام والتنمية والتعاون والكسب المشترك" أولويات جديدة لعصرنا الحالي.

- الصين ساحة الحرب الرئيسية ضد "الفاشية":

تطورت الحرب العالمية الثانية من حرب جزئية توسعت إلى حرب كبرى شاملة، وفي المرحلة الأولى للحرب الجزئية، كانت الصين هي الساحة الرئيسية للحرب، حيث بدأت اليابان عدوانها على الصين في 1931، وفي ذلك الوقت، لم تبد بعض الدول ذات القدرة على ردع العدوان عزيمتها لمناهضة وردّ العدوان إلا بعد تعرضها للعدوان المباشر، الأمر الذي أدى إلى وقوع الصين في مأزق خطير.

وواجهت حرب مقاومة الشعب الصيني للعدوان الياباني صعوبات هائلة، وبسبب الظروف العسكرية السيئة، كان لا بد للصين أن تتخذ حربا طويلة الأمد بإستراتيجية "الحيز مقابل الوقت"، اعتمادا على أرض الوطن الشاسعة، وقدمت الأمة الصينية تضحيات جمة، ولكن بفضل هذه التضحيات الهائلة، نجحت الصين في تدمير خطط اليابان الحربية وإستراتيجيتها العسكرية، ونجحت في منع اليابان من تحقيق أهدافها التي خططت لها.

منذ 18 سبتمبر 1931، التاريخ الذي سقطت فيه منطقة شمال شرقي الصين بأيدي اليابانيين، إلى 7 يوليو 1937؛ اليوم الذي اندلعت فيه حرب المقاومة الشاملة للشعب الصيني ضد العدوان الياباني، قاومت الصين شعبا وجيشا، العدو الياباني، وقدمت تضحيات جسيمة بالأرواح وبكل ما هو نفيس، الأمر الذي قيد وعرقل عدوان الجيش الياباني الرئيسي في ساحة الحرب بالصين، وبسبب الأزمة والمأزق الذي وقع فيه معظم جيش اليابان الرئيسي في ساحات الحرب في الصين، كان لا بد لليابان أن تقلع عن خطتها المحددة لـ"الهجوم نحو الشمال"، ما ساعد الاتحاد السوفيتي السابق في تركيز قوته في ساحات الحرب في أوروبا وتقويتها أمام جيوش ألمانيا النازية، وتفادي فتح جبهتين للقتال بعد اندلاع الحرب بين الاتحاد السوفيتي السابق وألمانيا في يونيو 1941.

وفي ذات الوقت، لعب ميدان الحرب في الصين دورا هاما في تأخير خطة اليابان "الهجوم نحو الجنوب"، الأمر الذي ساعد الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لكسب المزيد من الوقت لمقاومة اليابان، كما أنه ساهم مساهمة كبيرة في إفشال خطط اليابان بالاعتداء على أستراليا والمحيط الهندي، لذا في مرحلة الحرب الجزئية، أصبح ميدان الحرب في الصين ميدان الحرب الرئيسي المناهض للفاشية، وقدم مساهمة هامة وفعالة وموضوعية لمناهضة الفاشية عالميا.

منذ اندلاع حرب المحيط الهادي، ومع تنظيم التحالف المناهض للفاشية، تغير الوضع في ساحة الحرب بالصين، باعتبارها عضوا رئيسيا في التحالف المناهض للفاشية، لم تكتف الصين بمواصلة تحمل مهمة مناهضة عدوان الجيش الياباني الرئيسي المباشر، وإنما بعثت جيشها إلى ميانمار لمساعدة قوات التحالف في مناهضة العدوان الياباني وإفشال خطة اليابان الإستراتيجية في جنوب شرقي آسيا، الأمر الذي قدم دعما قويا وهاما للحلفاء في تحويل الوضع العسكري، وقدم دعما إستراتيجيا للولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق إستراتيجية "أوروبا أولا ثم آسيا"، في مرحلة الهجوم المضاد، وقدم دعما إستراتيجيا ضروريا للاتحاد السوفيتي السابق لمناهضة العدوان الألماني النازي، بالطبع التحالف المناهض للفاشية قدم ظروفا خارجية جيدة لدعم الصين في حرب المقاومة ضد العدوان الياباني، وساهم دعم الحلفاء الحقيقي في تحسين ظروف الجيش الصيني لمناهضة العدوان الياباني.

ومع تغير الوضع في ميدان الحرب بين الاتحاد السوفيتي السابق وألمانيا ومسرح الحرب في المحيط الهادي وميدان الحرب في شمالي إفريقيا، تحولت الحرب الطويلة الأمد في ساحات الحرب في الصين من الدفاع الإستراتيجي إلى الهجوم الإستراتيجي خلال وقت قصير، وحققت الصين نصرا في حرب المقاومة الشعبية ضد العدوان الياباني في هجوم مضاد عظيم للتحالف المناهض للفاشية، ورغم أن الصين في تلك الأيام لم تكن قوية، اعترف العالم بدورها ومساهماتها الكبيرة في هذه الحرب التي تتعلق بمصير البشرية، فأصبحت الصين عضوا رئيسيا في التحالف المناهض للفاشية، ومؤسسا هاما للأمم المتحدة ودولة دائمة العضوية في مجلس الأمن للأمم المتحدة.

يذكر أن الصين لعبت دورا فريدا مهما في عملية تأسيس التحالف العالمي المناهض للفاشية وصياغة "ميثاق الأمم المتحدة"، وفي بداية اندلاع الحرب الفاشية، دعت الصين إلى بناء التحالف العالمي المناهض للعدوان، وفي الأول من مارس 1937، قال الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونج، بوضوح خلال حوار مع الصحفي الأمريكي أجنيس سميدلي: "ندعو إلى تأسيس جبهات اتحاد المحيط الهادي، وإذا لم نفعل ذلك فربما سوف نتورط، كل على حدة، في صعوبات كثيرة".

وفي الأول من أبريل 1938، خلال الاجتماع الوطني المؤقت لمندوبي حزب الكومينتانج، تمت الموافقة على "منهاج تأسيس الدولة ومقاومة العدوان"، وطرح المنهاج السياسة الخارجية لتشكيل جبهة عالمية موحدة، بما فيها "اتحاد الدول والأمم التي تتعاطف مع حالة الصين، وبذل جهود مشتركة لتحقيق السلام العالمي والعدالة؛ وقيام اتحاد قوات لمقاومة العدوان الاستعماري الياباني، لوقف الغزو الياباني، وتحقيق ضمان سلام دائم في شرقي آسيا".

في 8 ديسمبر 1941، في يوم الهجوم الياباني على بيرل هاربور، قررت الحكومة الصينية إعلان الحرب ضد اليابان رسميا، واقترحت على الدول المناهضة للعدوان في منطقة المحيط الهادي تأسيس تحالف رسمي في أسرع وقت ممكن، وطالبت أعضاء التحالف بعدم عقد هدنة أو صلح مع اليابان بشكل منفرد، قبل تحقيق النصر الحاسم في الحرب في المحيط الهادي.

جهود الصين الإيجابية، أسرعت وتيرة تنظيم التحالف المناهض للفاشية في بداية 1942، وقع مندوبون من الدول المناهضة للفاشية، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والاتحاد السوفيتي السابق والصين وغيرها من 26 دولة، "إعلان الأمم المتحدة" في واشنطن، الأمر الذي جسد التأسيس الرسمي للتحالف العالمي المناهض للفاشية.

وبعد ذلك، نشطت الصين في تشكيل النظام العالمي الجديد بعد قهر الغزاة الفاشيين، وقدمت المقترحات والخطط المفيدة، وفي سلسلة من المؤتمرات الدولية، ناقشت وصاغت ووقعت على "إعلان الأمن العام" و"إعلان القاهرة" و"إعلان بوتسدام" وغيرها من الوثائق الهامة، بجانب المساهمة بحكمتها والتعبير عن موقفها في صياغة "ميثاق الأمم المتحدة".

بعد الحرب العالمية الثانية، عمل قطبا العالم آنذاك، الاتحاد السوفيتي السابق، والولايات المتحدة الأمريكية، على تقسيم المجتمع الدولي الذي كان موحدا في الحرب العالمية الثانية إلى عالمين، وبدأ القطبان فترة "الحرب الباردة" في مواجهة شاملة، ونظرا لتأثير تشكيل الحرب الباردة وتفكيرها وتأثير نظرية "الغرب هو مركز العالم"، كانت الكتب التاريخية الغربية عن الحرب العالمية الثانية تتجاهل دائما مكانة ومساهمات حرب مقاومة الشعب الصيني للعدوان الياباني، واعتبرتها مجرد جزء من مسرح الحرب في المحيط الهادي؛ وإن كانت هناك كتب تاريخية صدرت في فترة الاتحاد السوفيتي السابق، فإن ميادين الحرب في الصين لم تحصل على تقييم حيادي سليم، بجانب إهمال دور ومساهمات الصين في عملية تأسيس التحالف العالمي المناهض للفاشية، ولا شك أن هذا الفهم المنحاز يخالف الحقائق التاريخية، ويوفر مساحة لمزاعم القوى السياسية التي تحاول التستر على جريمة العدوان الياباني.

ومع تطور الصين وارتفاع مكانتها العالمية، والتعمق في دراسة حرب مقاومة الشعب الصيني للعدوان الياباني، كل ذلك جعل اهتمام الأوساط الأكاديمية العالمية يزداد يوما بعد يوم بميدان الحرب في الصين ومساهمات الصين الفعالة والمؤثرة، ويتفق عدد متزايد من المفكرين والخبراء على أن مقاومة الشعب الصيني للعدوان الياباني كانت البداية وجزءا هاما لمناهضة الفاشية والتصدي لها.

"الحليف المنسي: الصين والحرب العالمية الثانية 1937 - 1945"، بحث نشره رنا ميتر، الأستاذ في جامعة أكسفورد، يكشف فيه الحقائق التاريخية التي تبين أهمية الحرب الشعبية في الصين ضد العدوان الياباني الغاشم، وأنه لولا وجود هذه المقاومة الشعبية في ميادين القتال في الصين، لتغير تاريخ ومسار الحرب العالمية الثانية بالكامل.

بيريادارسي موخرجي، الأستاذ في جامعة نهرو بالهند، درس دليل هزيمة العدوان الياباني، وكشف حقيقة وأهمية تجربة الصين في حرب مقاومة الشعب الصيني ضد اليابان، وبمناسبة ذكرى انتصار المقاومة الوطنية في الاتحاد السوفيتي السابق، قدر المفكرون والخبراء الروس أهمية ومساهمات مقاومة الشعب الصيني ضد العدوان الياباني، التي ساعدت الاتحاد السوفيتي السابق في تفادي الحرب على جبهتين وتركيز قوته آنذاك على مناهضة العدوان الألماني.


مواضيع متعلقة