«عشش السودانيين».. انتظار الموت تحت «أسقف خشبية»

كتب: رنا على

«عشش السودانيين».. انتظار الموت تحت «أسقف خشبية»

«عشش السودانيين».. انتظار الموت تحت «أسقف خشبية»

عوارض حديدة أغلقت «شارع همفرس» أمام المارة، وحتى الكوبرى الخشب. عشش متراصة بطول الشارع يجرفها بلدوزر محافظة القاهرة بمساعدة قوات الأمن. صراخ وعويل بجميع أرجاء المكان، ومن بين عشرات الأسر المنكوبة أسرة «سيد عبدالحارث»، 40 سنة، التى تهدمت عشته أمام عينيه، دون أن يتسلم وحدته الجديدة التى ستؤويه، فقرر الذهاب وغيره من المتضررين للاعتصام أمام محافظة الجيزة، رغم اعتراضهم على ضيق الوحدات التى لا تزيد على 45 متراً، لكنها بالنسبة لهم «أحسن من مفيش»، ويؤكد: «الحكومة استكترت علينا العشة ومع الوقت الشقق دى هتتحول لعشوائيات».هناك، فى هذه البقعة، المراحيض عبارة عن «خرابات» والمأكل «طقة» واحدة فقط، والمياه مقطوعة والحصول عليها يلزمه السير مسافات طويلة لملء «جراكن» تكفى الحاجة، أما الأطفال فقد فرض عليهم الواقع المرير، أن يعيشوا بلا تعليم أو رعاية صحية، أما الجمعيات الخيرية فلا تعرف الطريق إليهم، والإعلام والفضائيات «بتصور وتمشى» حسب قولهم، ويبقى حالهم من نصيب اسم المنطقة التى تؤويهم.«عشش السودانيين»، هى قطعة مستأصلة من ضواحى السودان الموحشة، حيث الفقر والمرض والجوع، لكنها على خريطة العاصمة المصرية ضمن ضواحى بولاق الدكرور، تغرس ثقافتها وتقشفها فى الأرض فترويها دموع الأسر الشقية التى ظلت على واقعها أكثر من 50 عاماً، فى انتظار وعود المسئولين بـ«شقة» من 4 جدران صلبة تؤويهم وتعوضهم عن «العشش» الخشبية التى يسكنون تحت سقفها فى انتظار الموت بعد أن يهوى فوقهم سطحها كعشرات الأسر الذين سبقوهم إلى العالم الآخر فى انتظار حياة أفضل وأكثر آدمية. ظلت هذه الأوضاع لسنوات، قبل أن تتغير وجهة سكان العشش بقرار المحافظة والشرطة بإزالتها ونقلهم إلى مساكن جديدة، قيل إن بعضهم رفضها، فيما رأى فيها البعض الآخر حلماً وأملاً فى حياة طبيعية، حتى لو كانت مجرد 45 متراً.

{long_qoute_1}

ممر ضيق على جانبيه عشش متراصة، يجاورها الماعز والإوز التى يتاجر فيها أهالى «عشش السودانيين»، ما عدا «سيد أحمد على» 51 عاماً، الذى جاء على العشش صبياً يافعاً كى يعمل «فواعلى» فى أحد العقارات إلى أن تقدم به العمر، متذكراً كيف بناها بسواعده حتى يتمكن من إيواء أبنائه الأربعة وحماته وأبناء زوجته الثلاثة من زوجها السابق، 11 فرداً جميعهم داخل حجرة واحدة، لا تدخلها الكهرباء أو الماء إلا «بطلوع الروح»، وفق قوله، ومع ذلك يظل الجد الخمسينى محملاً بهموم الجبال التى انقسمت 3 أركان، أولها بناته الغاضبات من أزواجهن، وثانيها أحفاده الذين أصابهم الضعف والوهن، وثالثها مصاريف تعليم ابنه الأوسط «خلف» ذى الـ14 ربيعاً الذى أجبره والده على ترك الدراسة بسبب كثرة النفقات، لكن «ولاد الحلال اتبرعولى بمصاريفه وشنطة وهدومه وربنا يقدرنى على الباقى، عشان يكبر وبشهادته يريحنا».«العيشة زفت.. شدينا الحزام لحد ما هنتخنق» بتنهيدة اهتز لها قفصه الصدرى، سرد عم «سيد» واقعه وحالته التى استمرت 45 عاماً تعانى من حالات هبوط مختلفة، صحياً، مادياً واجتماعياً «بناتى رجعولى محملين، وأجوازهم مش سائلين وولادى أرزقية.. وأنا بحاول ألاقى شغل بس السن واقف قدامى»، لذلك لجأ الرجل الخمسينى إلى تراثه الصعيدى فى خبز العيش الشمسى الذى استبدله منذ أشهر بالعيش البلدى «معندناش بطاقة تموينية، ومش هعرف أجيب غير الرغيف أبو نص جنيه لـ11 نفر.. أأكلهم منين؟».تتعثر فى الظلام، قدماها لم تأخذا بعد على جغرافية الحجرة المظلمة التى ورثتها عن أمها، حيث عادت إليها وحيدة، مغلوباً على أمرها، وسط بيئة وأعراف لا تقتنع بـ«المطلقات» مهما كبر أو صغر عمرهن، ستظل كل منهن مطمعاً و«لبانة» فى فم من لا يرحم، فبعد أن طلقها زوجها بسبب غلاء المعيشة، تركت «حمدية» خيرات منزل الزوجية واستبدلته رغماً عنها بحجرة موحشة حيث الظلام والقوارض والسرقة المتكررة من أبناء المنطقة، ولسان حالها يقول: «هتحمل غصب عنى.. لأن اللى تطلق مترجعش بيت جوزها».حال بنات السيدة حمدية فؤاد، 60 عاماً، لم يختلف كثيراً عن واقع أمهن المكلومة، التى اضطرت لتحمل بناتها الأربع بعد أن هجرهن أزواجهن، وعلى كتف كل واحدة منهن «عيل»، وفق قولها، بعد أن تحدت زوجها وطالبته بالطلاق «على كبر» بسبب الشجار المستمر على مصروف المنزل «الراجل عاوز ميصرفش، ولا يتعب والدنيا بتغلى ومحدش حاسس، ومطلوب منى أمسك على نفسى وعلى البيت وبرضه أجيب كل اللى يطلبوه تعبت فاطلقت»، عام حكم جماعة الإخوان قضته «حمدية» على مضض داخل حجرتها حيث دوى طلقات الرصاص المنتشر فى أرجاء السماء، تنتظر أن تخترق واحدة منهم عيشتها الهشة لترديها صريعة دون أن يشعر بموتها أحد، كما حدث مع أمها وشقيقاتها اللائى توفاهن الله بعد صراع مع المرض وضيق ذات اليد التى تعجز عن شراء وسداد نفقات العلاج «ماتوا قدام عينى من الغُلب والفقر، دفنتهم وجيت نمت على نفس السرير اللى ماتوا عليه».285 جنيهاً هو كل ما تبقى للأم المطلقة من صندوق الشئون الاجتماعية. لا تدرى كيف تنفقها، لأن مع بداية أول كل شهر تتبخر «المعونة» فى سداد الديون وقسط البوتاجاز المستعمل الذى سُرق منها قبل أن تتمكن من تغطية ثمنه «جبته عشان أعمل عليه شوية عدس وفول واسخن بيه الأكل فى الشتا خرجت أقبض فلوس الشئون، رجعت لقيت قفل الأوضة مكسور واتسرق البوتاجاز وفوقه البطانية والملاية اللى بنام عليهم».وهب حياته كاملة لأبنائه الثلاثة: «محمد، أحمد، أسماء» بعد أن طلبت الزوجة الطلاق كرهاً فى الحياة داخل ضواحى عشش السودانيين من شدة الفقر داخلها وقلة حيلة زوجها، رغم الشقوق وعلامات الانهيار التى تحوم حول حجرته الرطبة، جلس «عبدالعظيم» وحيداً بعد أن تعب فى تربيتهم سنين من حوله وبقيت والدته السيدة الثمانينية تسهر على خدمة فلذة كبدها المصاب بثقب فى القلب، حتى يحين دوره فى عملية «القسطرة» التى انتظرها 5 سنوات دون جدوى، وكلما تسأل يأتى الرد بارداً كالصقيع: «لسه دورك مجاش.. فوت علينا بعدين».على سرير بالٍ، يرقد عبدالعظيم عطيتو، 58 عاماً، وإلى جواره مجموعة أكياس بلاستيكية تحوى حفنة من أدوية القلب والكبد والروماتيزم، يتناولها كمسكنات لمواضع آلامه حتى يأتى دوره لعمل عملية القسطرة لقلبه الضعيف الذى أرهقه حال أبنائه بعد أن فشلوا فى حياتهم العملية والأسرية «ولادى عواطلية فضلت أصرف عليهم لحد ما تعبت حتى البت اللى حيلتى جوزتها واحد وبعد 3 سنين دخل السجن، وهى بتسرح بفجل وجرجير عشان تربى عيالها بدل ما يتشردوا، لو كان عليا عايز أخلصها من اللى هى فيه بس العين بصيرة والإيد قصيرة»تخرج «آمال» من مطلع الفجر، تحمل على رأسها أقفاص العيش البلدى الطازج، جلبابها الأسود تكسوه الردة والدقيق فيتحول لونه إلى الأبيض، تجلس تحت أشعة الشمس الحارقة إلى آخر النهار من أجل يومية لم تتجاوز الـ15 جنيهاً تتقاضاها نظير بيع أقفاص العيش كاملة، لكن بعد أن استخرج أغلب المواطنين فى منطقة بولاق الدكرور البطاقة التموينية الذكية، لم يعد يشترى منها أحد، تستهلك الوقت الضائع بالشارع فى التفكير بصوت مرتفع يتعجب له المارة ظناً بأن السيدة الأربعينية قد أصابها مس من الجنون، وهى تقول: «هأكل عيالى منين؟».تتحدث آمال حسين، 40 عاماً، والوهن يضعف من نبرة صوتها عن سنوات الزواج التى وصفتها بـ«نار جهنم» حيث تزوجها رجل صعيدى لعب بعقلها طمعاً فى حجرتها وشبابها، ثم ظهر وجهه الآخر، فأساء معاملاتها أمام جيرانها داخل أزقة عشش السودانيين، اعتاد ضربها وسبها بأقذع الألفاظ، لم يراعِ حرمة البيوت وأسرارها، ورغم ذلك تحملت الزوجة الأربعينية فى صمت خوفاً على أبنائها من التشرد، فكلما نظرت فى عيون طفليها «على» و«حازم» ربطت على قلبها حجراً يباعد بينها وبين الطلاق إلى أن أتى اليوم المشئوم «لقيته بيجرنى أنا وعيالى برا الأوضه عاوز يطردنا منها رغم إنها ورثى من أبويا وأمى ولولا جيرانى، كان زمانى بسف تراب، خرجوه وغار على بلده بعد ما رمى عليا يمين طلاق».اللواء محمد الشيخ، سكرتير عام محافظ الجيزة، يدرك كل هذه الأوضاع السلبية، ويؤكد: «تم إجراء مسح شامل وبحث اجتماعى لعدد العشش والمقيمين فيها»، مشيراً إلى أن تسليم الوحدات لا يشوبها شائبة أو خطأ فى التسليم أو التخصيص للمنتفعين بالوحدات، حسبما يقول: «لما المحافظة أعلنت بدء إزالة العشش وعمل حصر للسكان الأهالى سكّنوا أبناءهم وأبناء أبنائهم معهم» هكذا علق اللواء جمال عبدالمنعم، رئيس حى الدقى، مشيراً إلى أنه تم عمل حصر من قبل الشرطة والأجهزة الأمنية على مدار أشهر عديدة لبيان المستحقين الفعليين للشقق، حسب وصفه «لم يتم التسليم على أساس عدد الأسر فى العشة الواحدة، وفوجئنا بمطالبات بتوفير وحدات إضافية».


مواضيع متعلقة