قلبى مع الأجهزة الرقابية

نشرت جريدة «الوطن» حواراً مهماً مع المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات، يوم الثلاثاء الماضى 11 أغسطس 2015 العدد 1199. الجهاز المركزى للمحاسبات، أياً من كان القائم عليه، يسير على أشواك سببها كشف الفساد، وأشواق الإصلاح. أوضح ذلك المستشار جنينة بقوله «إنه يواجه حرباً شرسة منذ تعيينه رئيساً للجهاز».
لا أظن أن الكراهية الشخصية وحدها أو مجالات التنافس تفعل كل ما نقرأه عن المستشار هشام جنينة من اتهامات، ولكن السبب الرئيسى، هو ميدان العمل الإيجابى الذى يقوم به الجهاز وأهمية كشف الفساد. كما أننى أعتقد أن أى رئيس جهاز رقابى يراقب الفساد أو يضع يده على الفساد، وتصبح لديه ملفات من الفساد الكبير، فى الوطن العربى عموماً، تمس شخصيات كبيرة وهى ملفات ضخمة، وكذا من يقف فى وجه الفساد حتى رؤساء الجمهوريات أو القضاة وغيرهم، سيواجه نفس التحديات، وسيجد نفسه فى مأزق كشف الفساد يسير على الأشواك، ولا تنقذه أشواق الإصلاح، إلا إذا سانده المسئولون الكبار فى الدولة وسانده الشعب.
السعى لتحقيق مهام الجهاز الرقابى الذى يرأسه المستشار جنينة أو غيره من الأجهزة الرقابية وذلك سواء أكان رئيس الجهاز راغباً فى الإصلاح الحقيقى أو عاملاً على إنفاذ المهمة المكلف بها الجهاز الذى يرأسه، يسبب لهذا المسئول حرجاً شديداً، ويؤرق ضميره اليقظ، حتى يصبح رؤساء الأجهزة الرقابية جميعاً، خصوصاً بعد الثورة، موضع مواجهة مع أصحاب الفساد السابق، وأهل الفساد الحاضر أو الجديد.
الدستور الجديد ينص فى المادة (217): «تقدم الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية تقارير سنوية إلى كل من رئيس الجمهورية، ومجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، فور صدورها. وتبلغ الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية سلطات التحقيق المختصة بما تكتشفه من دلائل على ارتكاب مخالفات، أو جرائم، وعليها أن تتخذ اللازم حيال تلك التقارير خلال مدة محددة، وذلك كله وفقاً لأحكام القانون».
الرجل قال أكثر من مرة إنه سيقدم استقالته فوراً إذا شعر بعدم ثقة الرئيس السيسى. هناك اتهامات كثيرة وعتيدة ضد المستشار جنينة، ولا يدرك القلق الذى تسببه تلك الاتهامات الباطلة إلا من عانى من معين هذه الاتهامات، وهناك فى الإعلام نجد إما متطوعين أو مدفوعين، ومن هم على استعداد من خلال بعض البرامج الإعلامية، خصوصاً التلفازية، أن يشوه بعض أهل الموضوعية والإنصاف ويشوه من يحاربون الفساد.
أشرت فى عدة مقالات سابقة إلى هذا الجانب اللاأخلاقى عند بعض الإعلاميين. ويطيب لى هنا من حين لآخر أن أذكَّر بحكم المحكمة العليا التى قضت بحل الحزب الوطنى الذى كان ينتمى إليه بعض أو معظم هؤلاء، وأتعجب كيف جاء حكم المحكمة التى برأته فى ضوء حكم الحل؟ كيف يتفق هذان الحكمان؟ من أخطر ما ذكره الحكم بحل الحزب الوطنى ما يلى: «ومن حيث إن إسقاط النظام يستتبع بالضرورة وبحكم اللزوم والجزم سقوط أدواته التى كان يمارس من خلالها سلطاته بحيث لا ينفك عنها، وأهم هذه الأدوات ذلك الحزب الحاكم الذى ثبت بيقين إفساده للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية»، وهو أحجم عند إقراره عن الكشف عنه، وبحق المجلس الأعلى للقوات المسلحة حتى لا يتهم بأنه اغتصب سلطة هذه المحكمة المنوط بها دون غيرها الكشف عن حل الحزب وتصفيته وتحديد الجهة التى تؤول إليها أمواله وذلك احتراماً منه للسلطة القضائية ولمبدأ الفصل بين السلطات ومن ثم واجب على هذه المحكمة الكشف عن ذلك السقوط وما يترتب على ذلك من آثار. ومن حيث أنه إذا كانت ثورة 25 يناير 2011 المجيدة قد أزاحت النظام السياسى وأسقطته وأجبرت رئيس الجمهورية السابق، الذى هو رئيس الحزب الوطنى الديمقراطى، على التنحى فى الحادى عشر من فبراير فإن لازم ذلك قانوناً وواقعاً أن يكون الحزب قد أزيل من الواقع السياسى المصرى رضوخاً لإرادة الشعب، ومن ثم فلا يستقيم عقلاً أن يسقط النظام دون أدواته، وهو الحزب، ولا يكون على هذه المحكمة إلا الكشف عن هذا السقوط، حيث لم يعد له وجود بعد الحادى عشر من فبراير لسنة 2011 على نحو ما سبق البيان. هل هناك من يعقل أو يقف فى ظهر الأجهزة الرقابية لكى تقوم بدورها كاملاً فى كشف الفساد حتى لا يستفحل كما استفحل من قبل؟
أنا كمواطن يريد أن يتقدم الوطن، وكمواطن يعلى مصلحة الوطن العلبا، ويخاف على صورة الوطن، خصوصاً فى الخارج، أرى أن الفساد يجب أن يتوقف، ولن يتوقف دون كشفه وكشف أسبابه وحيثياته، والذى يقوم بذلك الأجهزة الرقابية. والله الموفق.