مع قراء رواية «جبل الطير»

عمار على حسن

عمار على حسن

كاتب صحفي

لا يكتب أى كاتب من فراغ ولا للفراغ، إنما لمن ينتظر أن يقرأوا سطوره، ولذا يظل لرأى هؤلاء ضرورة عند كل من يؤلف كتباً وينشرها، ليقف على ما فهموه مما كتب، وما كانوا ينتظرونه ولم يجدوه، وما يقترحونه ويمكن الاستفادة منه، فى تغذية مرتدة لا يجب أن تنتهى بين من يكتب ومن يقرأ.
هذا لا يعنى أبداً استلاب الكاتب حيال قارئه، فينتج له ما يريد أن يطالعه، ويمالئه ويداهنه ويجاريه، فلدى أى كاتب طريقة ووجهة نظر، لن تعجب كل الناس على أى حال، لكن للقارئ حقاً فى أن يصل صوته للكاتب، لا سيما إن كان قارئاً نابهاً ذواقاً، ورب «سامع أوعى من مبلغ»، ورب قارئ أوعى من ناقد أحياناً، أو هو ناقد لكنه لا يدعى هذا، أو لا يعرف.
لهذا أحرص دوماً على أن أجلس إلى بعض القراء لأتناقش معهم حول أى كتاب أو رواية لى قد رأت النور وصارت بين أيديهم فطالعوها، ودونوا على هامشها بعض ملاحظاتهم، التى مهما كانت لا تخلو من إفادة وتساعد على إجادة، لا يمكن نكرانها.
وحين صدرت روايتى «جبل الطير» حرصت على أن يجرى لها ما جرى على غيرها، فالتقيت مع بعض قارئيها بناء على طلبهم، بعد أن منحتنا مواقع التواصل الاجتماعى إمكانية يسيرة لمواعدتهم وجمعهم فى مكان واحد، على مقهى فى عالم الشهادة، وليس فى العالم الافتراضى.
وبدأ النقاش بأن قلت لهم حين سألونى عن علاقة هذه الرواية بروايتى «شجرة العابد» التى لاقت نجاحاً، أحمد الله عليه: «من قرأوا مخطوطة هذه الرواية وصفوها بأنها تفوق شجرة العابد»، ومثل هذا يسعدنى، لأن أكثر ما يضنى الكاتب ألا يكون جديده أقوى من سابقه».
فسألنى أحدهم: كيف تجنبت فى «جبل الطير» ما وقعت فيه مع «شجرة العابد» حين أسهبت فى الوصف فى البداية وملأت بهذا ثلاثين صفحة وكان هذا عيباً؟ وأجبته: تجنبته بفضل ملاحظات قراء نبهاء مثلك، وبعض النقاد أفادونى أيضاً، وإن كان بعضهم لم ير فى هذا عيباً، من زاوية أن الرواية تساهم فى التأسيس لواقعية سحرية عربية، حسبما قالوا. إلا إننى وجدت أنه من الأفضل أن ينجذب القارئ إلى موضوع الرواية من سطورها الأولى، وملت إلى الآراء التى تتفق مع رأيك.
وسأل آخر عن نقاط الاختلاف بين الروايتين، فأجبته: «جبل الطير» تختلف عن «شجرة العابد» ليس فى النوع إنما فى العالم والمكان والمدى الزمنى وطبيعة الحكاية، لكن نجاح الأولى شجعنى على أن أكتب رواية أخرى تنتمى إلى هذا اللون من الكتابة، فكانت «جبل الطير»، التى أعتبرها خطوة على طريق إبداع «واقعية سحرية» تنهل من الميراث العربى الضخم فى هذا الاتجاه والذى أهمله الروائيون وكتاب القصة فى العالم العربى طويلاً، وتنبهوا إليه أخيراً، وإن كان إنتاجهم السابق لا يتناسب مع ثراء التجربة العربية القديمة فى هذا المجال.
وسأل ثالث عما إذا كانت لدى حكاية أخرى من هذا النوع يمكن أن تظهر فى رواية مستقبلاً، فأجبته: لا تزال فى رأسى حكايات على درب الواقعية السحرية لم أكتبها بعد، وأتمنى أن يمنحنى الله عمراً وطاقة ووجداناً عامراً يمكننى من كتابتها فى المستقبل.
وشكا قارئ من ضخامة الرواية التى جاءت فى ستمائة وأربعة وأربعين صفحة من القطع المتوسط، فقلت له: «كل رواية تختار لغتها وحجمها، والمهم ألا يكون هناك إشباع للسرد، أو إغراق فى تفاصيل لا تخدم مسار الرواية ولا تضيف إليه، وحين تكتب رواية عن عالم ممتد عبر التاريخ ومركب فإن هذا الحجم لا يعد كبيرا أبداً، والمهم هو متى يكتمل المعنى وتتم الحكاية، ولدى رواية صغيرة لا تزيد صفحاتها على تسعين، وروايات أخرى لا تزيد صفحاتها على مائة وخمسين، وأخرى ضخمة، مثل «سقوط الصمت» وثالثة متوسطة الحجم مثل «السلفى»، و«شجرة العابد»، وفى كل هذا أنا لم أختر عدد الصفحات إنما طبيعة الحكاية هى التى اختارت».
ودار نقاش أعم من الرواية عن لماذا أكتب؟ ولمن أكتب؟ وما طقوسى فى الكتابة؟ فأجبت عن كل هذه الأسئلة، لكننى كنت حريصاً أشد الحرص على أن أنصت إلى تعليقاتهم وملاحظاتهم، فأفادونى كما أفدتهم.