كرسي الوزارة سحر السلطة وصنّاع التاريخ
من بين أكثر المناصب شغفا ورغبة من السياسيين، منصب الوزير، يحلم بهذا المنصب أو بكرسي الوزارة كل من يعمل بالسياسة، ويكون طموحه الأعلى أن يشغل هذا الموقع الذي يعد أكبر المواقع السياسية والتنفيذية لمن هم غير الملوك والأمراء والرؤساء.
ولطالما كان هذا المنصب أحد أهم المناصب في هياكل الحكم عبر التاريخ، حيث يمثل نقطة التقاء بين الحاكم والشعب، وبين الرؤية السياسية والتنفيذ العملي، هذا الكرسي لا يرقى إلى عرش الملك أو منصب الرئيس، لكنه يحمل من السحر والنفوذ ما يجعله هدفًا للطامحين والساعين إلى التأثير.
يعد كرسي الوزارة مركزًا حيويًا للقرار والتنفيذ، إذ يدير الوزير السياسات العامة ويؤثر على مصير الدولة اقتصاديًا، اجتماعيًا، وعسكريًا.
ورغم أنه ليس الحاكم الأعلى، فإن سلطة بعضهم تمتد أحيانًا إلى ما أبعد من نفوذ بعض الحكام، خاصة عندما يكون صاحب رؤية أو دهاء سياسي وغالبا ما كان ذلك في العصور التي كان يطلق على دائرة الحكم، البلاط، سواء الملكي أو السلطاني أو الامبراطوري.
وغالبًا ما يكون كرسي نقطة انطلاق لمن يطمحون للوصول إلى القمة، وقد شغل العديد من القادة العظماء كرسي الوزارة قبل أن يصبحوا حكامًا.
عبر العصور، برز عدد من الوزراء الذين لم يكونوا مجرد منفذين للأوامر، بل كانوا صناع قرار حقيقيين، أثّروا في مجرى الأحداث وشكلوا مستقبل دولهم.
من هؤلاء من برز في السياسة، ومنهم من قاد إصلاحات اقتصادية أو عسكرية، بينما آخرون حفروا أسماءهم في التاريخ بدهائهم وحكمتهم.
في العصر العباسي، لعب خالد بن برمك دورًا محوريًا في بناء الدولة العباسية، حيث كان المستشار الأبرز للخليفة أبو جعفر المنصور.
بفضل سياسته الحكيمة، تمكن من ترسيخ دعائم الحكم وإقامة نظام إداري قوي، مما جعله واحدًا من أشهر الوزراء في التاريخ الإسلامي.
وكذلك كان نظام المُلك الطوسي في عهد الدولة السلجوقية وكان له الفضل في ترسيخ دعائم تلك الدولة القوية التي عاشت ما يقرب من 150 عام سيطرت خلالها على مساحات شاسعة من قارة آسيا وكان لها الفضل في نشر الإسلام في مناطق جديدة بالهند وغيرها.
كان نظام المُلك يمثل القوة الناعمة للسلاجقة وخدم الدولة مع عدة سلاطين أشهرهم ألب أرسلان الذي وطئت جيوشه لأول مرة هضبة الأناضول والتي صارت حتى اليوم قلب الدولة التركية.
في فرنسا كان الكاردينال ريشيليو، وزير الملك لويس الثالث عشر، من أكثر الشخصيات نفوذًا في تاريخ فرنسا. لم يكن مجرد وزير، بل كان العقل المدبر الذي وضع أسس الدولة المركزية الحديثة، وحدّ من نفوذ النبلاء، وعزز سلطة الملك، مما جعل فرنسا قوة عظمى في أوروبا.
أما أوتو فون بسمارك، المستشار الألماني الأشهر، فهو لم يكن ملكًا لكنه صنع الأباطرة، بفضل دهائه السياسي وحد الولايات الألمانية المتفرقة في دولة قوية، وأرسى سياسات لا تزال تؤثر على أوروبا حتى اليوم، مما جعله أحد أعظم الوزراء في التاريخ الحديث.
ورغم أن محمد علي لم يكن ملكًا، فإنه استطاع أن يحوّل مصر إلى قوة إقليمية كبيرة، عبر إصلاحاته العسكرية والاقتصادية، وضع أسس مصر الحديثة، مما جعله شخصية استثنائية في التاريخ العربي.
ويعد هنري كسنجر من أكثر وزراء الخارجية نفوذًا في تاريخ الولايات المتحدة، إذ رسم ملامح السياسة الخارجية الأمريكية خلال الحرب الباردة، وأدار علاقاتها مع الصين والاتحاد السوفيتي بدهاء، مما أكسبه شهرة عالمية تتجاوز منصبه الرسمي. وصار لكيسنجر مبادئ في السياسة العالمية وفي الدبلوماسية تعد من المدارس في هذا المجال.
شهد التاريخ مئات الالاف من الوزراء لكن ليس كل وزير ترك أثرًا، فالنجاح في هذا المنصب يعتمد على الذكاء السياسي، القدرة على المناورة، والرؤية الاستراتيجية.
بعض الوزراء تمكنوا من تجاوز دورهم التقليدي ليصبحوا صنّاع قرار حقيقيين، بينما ظل آخرون مجرد أسماء في سجلات الحكومات.
القلة فقط استطاعت أن تحفر أسماءها في الذاكرة الجماعية، ويظل كرسي الوزارة محط أنظار الطامحين، لما يحمله من نفوذ وسلطة.