صوت «الست» وحضورها الطاغي
ليلة ساحرة بكل التفاصيل والمعايير.. ليلة «الست».. أم كلثوم الحاضرة بيننا بتأثيرها الطاغي في احتفالية الهيئة الوطنية للإعلام بمرور 50 عاماً على رحيل كوكب الشرق. البادرة التي جمعت بين تكريم أبطال مسلسل «أم كلثوم»، ثم الأداء الرائع للصوت الساحر ريهام عبدالحكيم التي قدّمت باقة من أجمل روائع «الست». الاحتفالية واحدة ضمن أفكار ورؤى كثيرة يحملها رئيس الهيئة الكاتب الصحفي أحمد المسلماني. الطموح والتوقعات بالتأكيد ما زالا يحملان الكثير من المبادرات. إذا كانت هذه البداية القوية مع أحد أهم رموز الإبداع المصري فإن ماسبيرو العائد بقوة كأهم منبر عربي للإبداع والثقافة قادر على تكرار هذا النجاح المتمثل في تكريم رموز مصر التي أشرقت إبداعاتها لتضيء العالم العربي وتُشكل مخزون رصيده الثقافي والفني.
ليس غريبًا أن يظل اسم وصوت «الست» عبر العقود في مكانة استثنائية. أم كلثوم ظاهرة خارقة بكل المقاييس الفنية، الاجتماعية، السياسية. إذ تُشكل رحلتها نقطة تحول اجتماعي غيّرت خلالها طفلة «طماى الزهايرة» التي طافت بصحبة والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي قرى ونجوع مصر لتنشد المدائح النبوية في مختلف المناسبات.. ثم تحرص على إحكام أصابعها الرقيقة على أجرها -العشرة قروش- كي لا تسقط وتسرع فى العودة إلى المنزل لتناول طبق «المهلبية»، وهي المكافأة التي تنتظرها من يد الوالدة مقابل قبول الطفلة الذهاب للإنشاد مع والدها وشقيقها. هذه القروية البسيطة أصبح كبار زعماء وقادة العالم ينحنون لتقبيل يدها احتراماً وتقديراً لمكانتها.
«الست» موهبة اجتاحت كالإعصار كل الحدود والفوارق الاجتماعية. الأكثر إثارة للإعجاب أن أم كلثوم رغم أحاديثها الصحفية والإعلامية المحدودة دائماً كانت تُصر على الإشارة إلى جذورها الريفية، بل حرصت على سرد تفاصيل الرحلة بكل لحظات المرارة والسعادة وكأنّها تشير بكل الفخر إلى تأكيد فكرة أن الموهبة الصادقة مع الإصرار قادران على تخطى كل الحواجز الطبقية التي يصنعها المجتمع.
فنياً، تعلمت أم كلثوم الدرس مبكراً مع تجاوز المنافسة الشديدة التي قابلتها بعد قطف أولى ثمار النجاح فى القاهرة، حتى وصل أن بعض المشكلات كانت أقسى من تحمل الأسرة الريفية بكل تقاليدها المتحفظة. «الست» حوّلت هذه الصعوبات إلى تحديات لا تستوجب التراجع عن الرحلة، لكن هي مبررات تدفع إلى الإصرار نحو المزيد من العمل. حين ذهبت مطربة إلى الكاتب الكبير مصطفى أمين تسأله كيف يمكنها أن تصبح أم كلثوم.. رد بهدوء «اركبي حمار وطوفي قرى ونجوع مصر للغناء مقابل 10 قروش».. الرد الساخر يغلّفه الكثير من المعاني والإشارات.
طبعاً الكاتب الكبير لم يُلخص الرحلة في جملة ساخرة كان يشير فيها إلى تحمل المشقة ثمناً للوصول. نهم أم كلثوم على تشكيل شخصيتها عبر الثقافة والمعرفة، وحرصها على التقاط كل النصائح من عمالقة الموسيقى والشعر، وغير ذلك، كلها عوامل شكّلت الأسس الأولى. لعل أحد الأمثلة دفْع الشاعر أحمد رامي أم كلثوم إلى القراءة والتمعن في معنى كل كلمة من أبيات القصيدة.
وسياسياً قصة العشق المتبادل ربطت بين الست ومصر، فكانت بلا حدود أو حسابات. لم يتراجع عطاؤها يوماً، كانت الإجابة عن دهشة البعض من ضخامة عائدات حفلاتها المخصّصة للتبرّع تأتى بتلقائية وصدق على لسانها «ليس كثيراً على مصر وجيش مصر». شموخ أم كلثوم ومكانتها الاستثنائية يشكلان عبر حرصها الشديد على ألا تكون مادة إعلامية، إذ يكفى إبداعها الشهري كمادة إعلامية حتى موعد الحفلة القادمة، كما حافظت بحسم على حياتها الشخصية. أم كلثوم كانت الرائدة في العطاء لمصر بكل ما تملكه من تأثير وحد قلوب ومشاعر الشارع العربى في أول خميس من كل شهر.