ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (12).. الساخر
الشخصية المصرية شخصية ساخرة، والسخرية المصرية تجمع بين الكوميديا السوداء والتمرد. الساخر يتمرد على واقعه، يتمرد على إحباطه، يتمرد على نفسه، على مستقبله، على ماضيه.. على قيده وعلى يأسه. الساخر ذكى نبيه شديد الحساسية، لكن السخرية لا تخلو من شجاعة تُخفى ضعفاً. الساخر تاريخ طويل من السنين المحملة بالأوجاع، الساخر مصري صميم. السخرية في الشخصية المصرية قاسم مشترك بين المصري القديم والمصري الحديث، من ملامح السخرية تحقيق السعادة، والوجود وتجاوز العثرات. السخرية مفتاح سحري لإظهار المشكلات، ولغة ذكية بين المصريين. منذ المصري القديم والسخرية علاج نفسى.
السخرية المصرية تلغي الطبقية وتتقارب بها الثقافات، بالسخرية يعبر المصري المسافات والأمكنة، كلما كان أكثر سخرية كان نجم محيطه، السخرية سلاح يخشاه الفاسد والمتغطرس والكاذب، يقاوم المصري بالسخرية من معضلاته، وينشر بالسخرية سحره ويعالج أمراضه، المصري القديم حرم التاريخ من سخريته، وترك الكهنة والملوك تنقش بجدية تفاصيل حضارتهم، لكن لم نرَ نقشاً أو رسماً يوثق سخرية المصريين.
قاوم المصري المستعمر التركي بالسخرية، فظهر علي الزيبق، قاوم المصري الاحتلال الفرنسي والإنجليزي بالسخرية، فظهر كُتاب بعد يعقوب صنوع مثل بديع خيرى وكتابة مسرحيات وأفلام «الكوميديا السودة»، وظهر بيرم التونسي، واستحدث المصري من القراقوز التركي الأراجوز المصري وخيال الظل، ويظهر الضيف أحمد ثم عادل إمام، ويظهر لينين الرملي وأنيس منصور وأحمد رجب ومحمود السعدني ورأفت الميهي وماهر عواد، مع وجود أرضية من المصريين على المقاهي وفي وسائل المواصلات وفي أفلام عادل إمام وسمير غانم ومحمد صبحي.
السخرية يومية يشترك فيها المواطن المصري، ويتلقفها الجمهور من البلاد العربية، وأصبح حكم المصري ورأيه يسجل باللسان، عن طريق النكتة، عن طريق المقلب، عن طريق التواصل بين الناس بالتورية والتلميح وبالاستعارة وبالتفخيم، وبالترميز والمونولوج والإحالة واللعب بالأزمان واستغلال الإشكال وإعادة تدوير حكايات التاريخ.
النكتة الساخرة تخرج من فم الساخر كالطلقة الماضية، إذا واجهها أحد قُتل بفعلها، وإن تركوها قُتلوا بانتشارها. يفعل الفيلم الساخر ما لا يفعله أي نوع غيره، عاش نجيب الريحاني بأدواره الساخرة، وعاشت المونولوجات مثل «كلنا عايزين سعادة»، وعشرات المونولوجات لإسماعيل ياسين وشكوكو، وكلما كان الفن الساخر عميقاً يرصد بجرأة ويبالغ ويهجو ويتندر ويفترش الأرض ويرقص ويسخر، عاش صاحبه في قلوب المصريين.
وللشعب المصري علامات في سخريته، إذا انتشرت نوادره الساخرة وزادت النكت اطمأن على صحته النفسية، وإن احتجب المصري وكتم سخريته، وقلت نكته تأكد من مرضه. تسخر الأم من أولادها، ويسخر الأخ من أخيه، وتسخر المدرسة من تلاميذها، ويسخر الطلاب من المدرسين، والموظف يسخر من مديره، والقاهرى من الصعيدي، والإسكندراني من بحري، والفلاح من أبناء المدينة، الطالب من المدرس، والمدرس من ناظر المدرسة، الدكتور من الممرض، والمريض من الدكتور، الفقير من الثري، والمثقف من الجاهل.
الفن المصري تميزه في فن السخرية، المسرحية الناجحة مسرحية ساخرة تستفز الجمهور، الفيلم الناجح الذي يتبناه الجمهور في حياتهم، ينفعلون معه ويُدخلون عليه التعديلات، تستمع إلى أصوات السخرية في المدارس والمقاهي وفي الأسواق والمجالس، الابن الساخر يخشاه الأب، والصنايعي الساخر يلمع بين أقرانه. الشخصية المصرية المعلم الأول للسخرية في العالم، السخرية نبض المصري، ينتعش بسخريته، ويأخذ حقة إذا ظُلم بالسخرية، ومن أعجب الأشياء استحالة أن يجد المصري فرصة في السخرية ويكتمها، حتى لو سخر من نفسه، وليس شرطاً أن يسخر المصري من أحد يكرهه، بالعكس إن تجاهل المصري السخرية من شخص علامة لإبعاده وإشارة لسقوطه من حياته، بل إن المصري إذا زاد في توقير شخص وأقام السدود والمسافات فهو دليل مؤكد على نبذه من حياة المصري، كما أنه إذا سخر من شخص وقلده وتتبعه يمكن أن يكون دليل حب وقرب.
المصري الساخر ينتخب ويختار من يريد السخرية منه، يلتقط بمهارة وفطرة وعبقرية الأحداث والشخصيات التي يريد النيل منها، وإذا سألته وأجابك بسخرية فاعلم أنها انتشرت في المدينة كلها. السخرية عند المصري تدعمه نفسياً وتحلق به فوق الركام.. سلام على المصري الذي أشهد أنه بالسخرية ينتصر على الأحزان.