إشارات «ترامب» والصفقة الخاسرة
ثلاث إشارات مؤثرة، دشّن بها دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي الـ47 للولايات المتحدة الأمريكية، ولايته الجديدة كاشفا عن ملامح علاقة فائقة التميز لبلاده مع دولة الاحتلال الإسرائيلي خلال الأعوام الأربعة القادمة.
جاءت الإشارة الأولى في خطابه الأول بعد لحظات من تنصيبه رسميا كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، حيث عبّر فخورا بكلمات قصيرة، استعرض فيها منجزه التاريخي بالإفراج عن الرهائن المحتجزين في غزة منذ السابع من أكتوبر سنة 2023، قائلا: «قبل يوم واحد من رئاستي أعدت الرهائن لعوائلهم في الشرق الأوسط»، واصفا نفسه بأنّه «صانع سلام».
أما الإشارة الثانية فهي توقيعه بعد ساعات من تنصيبه قرارا تنفيذيا يلغى به قرار الرئيس السابق جو بايدن بفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية. وجاء هذا القرار ضمن قرارات تنفيذية متلاحقة أصدرها «ترامب» فور توليه السلطة، وصل عددها إلى 100 قرار تنفيذي، أثارت أغلبها جدلا واسعا.
وكان «بايدن» قد أصدر في مطلع فبراير الماضي أمرا تنفيذيا يهدف إلى معاقبة المستوطنين اليهود المتطرفين الذين يهاجمون الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، مستهدفا فرض عقوبات مالية وقيود على التأشيرات بحق الأفراد الذين يتبين أنهم هاجموا أو أرهبوا الفلسطينيين أو استولوا على ممتلكاتهم.
وإلغاء قرار «بايدن» ضد المستوطنين كان ضمن باقة من الحوافز التي أغرى بها «ترامب» صديقه «نتنياهو»، للموافقة على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وفقا لما أكده الإعلام الإسرائيلي.
وقد رحّب «سموتريش» وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بقرار «ترامب»، حيث كتب عبر حسابه على منصة «إكس»: «العقوبات أضرت بمبادئ الديمقراطية والعلاقة المتبادلة بين البلدين الصديقين»، أما «بن غفير» الوزير المستقيل اعتراضا على «صفقة غزة»، فقد عبّر عن فرحه قائلا إنّ «الأمر يتعلق بتصحيح الظلم الذي طال سنوات عديدة، حيث تم تبني سياسة مشوهة من قبل الحكومة الأمريكية وكذلك من قبل المسؤولين المحليين».
بالطبع، نقرأ هذه التعليقات الإسرائيلية في مصر وبعض البلاد العربية، ونكاد أن نفقد عقولنا، أهكذا يصفون أمريكا حليفهم في كل العهود، وخاصة «بايدن» الذي أعطى بلا حدود، وأكمِل بنفس السجع واختر كلمة مما بين القوسين (اليهود، والتلمود، وخيانة العهود، إلى آخر الوجود).
أما آخر الإشارات الثلاث، التي جاءت عفوية في نهاية يومه الأول في البيت الأبيض، حيث قال ترامب إنّه ليس واثقا من صمود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
جاء ذلك عندما وجّه له أحد الصحفيين سؤالا لدى عودته إلى البيت الأبيض «عمّا إذا كان طرفا النزاع في غزة سيلتزمان بالهدنة ويمضيان قدما للتوقيع على اتفاقية كاملة؟»، فرد ترامب قائلا: «هذه ليست حربنا، إنها حربهم. لكننى لست واثقا».
ثم استطرد موضحا أنّ حماس باتت «أضعف» بعد الحرب، وقال «رأيت صورة من غزة. غزة أشبه بموقع هدم ضخم»، مؤكدا أنّ القطاع يمكن أن يشهد عملية إعادة إعمار «رائعة» إذا مضت الخطة قدما. وأشار أخيرا، إلى أنّ موقع غزة «الفريد على البحر.. طقسها رائع.. يمكن القيام بأمور رائعة فيها».
كلمات تصدر عن رجل أعمال (مستثمر عقاري) ممن كنا نصفهم بـ«أغنياء الحرب»، الذين يبدعون في التربح من القتل والدمار، ويجنون ثرواتهم من أشلاء الضحايا وأنقاض المباني المدمرة، لا يمكن أبدا أن تصدر عن رئيس دولة سياسي مخضرم. للأسف، لم يمنحنا الرئيس الجديد لبلاده التي تمثل القوة العظمى المهيمنة على الكوكب، أي بصيص أمل في أن يفصل بالعدل في قضيتنا، أو أن ينحاز ولو كلاميا للحق العربي المغتصب، ولا أن ينصف شعبا تعرّض لأبشع الجرائم التي أدانها المجتمع الدولي.
يتحدث «ترامب» عن غزة فارغة من البشر ويسرح بخياله في روعة موقعها، كأي مستعمر يتأهب لينقض على فريسته، فهو لا يشغل باله بآلاف الشهداء والمصابين، ولا بالدمار الشامل لـ70% من مباني ومساكن القطاع المنكوب، لهذا لم يذكر أي كلمة عن أكثر من 2 مليون إنسان مشردين في الشوارع، هم لا يشغلون عقل رجل الأعمال الذي يحكم العالم بمنطق الصفقات التجارية، يبدو أن غزة في عهد ترامب ستصبح مشروعا تجاريا.
يجري ذلك ولم تمض إلا ساعات قليلة على وقف إطلاق النار في غزة، في صفقة يدرك الجميع أنّها هدية «نتنياهو» للرئيس الأمريكي الجديد وينتظر مقابلها الكثير. وهي أيضا هدنة هشة تتجرعها حكومة الاحتلال الإسرائيلي المتصدعة بمرارة من أجل تخفيف الضغط الداخلي من أسر الرهائن، لكن لا شك أنّ النية مبيتة للعودة من جديد للقتال، وكالعادة تعطيها حماس المبرر وتجهز لها الأرض وتمهدها بالظهور الاستعراضي لقواتها على الأرض فور بدء الهدنة، والتباهي بالقدرات البشرية والسلاح والعتاد والتسابق الإعلامي بإعلان النصر، وكأنها تغري «نتنياهو» وعصابته من جديد للمزيد من القتال، والعودة إلى الحرب في مشهد عبثي غير مفهوم.