ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (10) الفلاح

مقام وخصوصية المصرى كونه فلاحاً، فلاح خط المصرى العريض الذى تندرج تحته صفات وملامح أخرى كثيرة، ملمح الشخصية المصرية كفلاح يمثل الفيضان الذى يغمر جغرافية وتاريخ المصرى، الفلاح هو تاج الشخصية ومحل بريقها وركيزة قوتها، وأصل فروعها جذر المصرى العتيق وثمرته، كونه فلاحاً فى زمكانه، الفلاح من آلاف السنين مصرى، خلقه الله على أرض مصر المختارة، اسم مصر ورد وحسنات وجنة بين البلاد، ومن علامات الجنة الأنهار والثمار والأنس والكلمة الطيبة والابتسامات.

وكلها على أرض مصر تظهر وتتوارث، الأنهار علمت المصرى الزراعة، والأرض البسيطة السهلة الناعمة والسوداء علمته الحنان وأنجبت له الأمان. المصرى فلاح بالفطرة، ملامح الفلاح فى كل تفاصيل حياته، فلح أم لم يفلح، عمل بالفلاحة أم لم يعمل.

ملمح الفلاح يظهر فى المصرى مهما كانت طبقته الاجتماعية، مهما كانت وظيفته وزيراً أم عاملاً، تظهر ملامح الفلاح فى مزاج المصرى، فى احتفالاته وفى عزائه، فى نوع طعامه ومواعيده، يأكل المش ويأكل الكرات والفجل ويأكل البقوليات، يُخبرك بمعاد الصبحية ويقول لك نتقابل بعد المغرب، والمناخ مهم وأساسى للفلاح، مهم وأساسى للشخصية المصرية، يتحدث عن المواسم بدراية وتقديس، يتأمل الشمس ويخاف من حرارتها، يقدس النهر ويخلده، وهو يعلم أنه جنة المصرى ومأواه.

الفلاح أرض المصرى وسماه، حضوره وكنزه وشمله وعقيدته، الفلاح بلا أرض عاطل شارد مهمل مديون خامل ضعيف، الأرض بلا فلاح بور، شقية، عاقر بلا ثمار، جافة بغير مرونة، الأرض والفلاح روح وجسد، الفلاح ومصر قلب وذاكرة، الشخصية المصرية قديمة بقدم الأرض، سماها الله الأرض وسماها مصر، قلعة وحافظة الدنيا بالأرض، المصرى القديم رسم ونقش ولوّن وجمّل الجدران بالزرع، رسم القمح ورسم النخل ورسم الورد ورسم الأنهار.

الشخصية المصرية تتميز بكونها فلاحة الطبع، فلاحة الهوى، فلاحة الجمال، فلاحة التنوع، تتنوع الأرض بين ألوان الثمار وتنوع الأطعمة كما تتنوع الشخصية المصرية الحاضنة المرنة، ست الحسن والدلال، كان القماش المصرى من زرع الفلاح المصرى، الحرير المصرى والكتان المصرى والقطن المصرى. زرع الفلاح المصرى له خصوصية، فكما تشبه الثمار وطعمها الحلو ملامح المصرى كذلك القماش المصرى يشبه تفاصيل الشخصية المصرية.

القطن المصرى يشبهنا تماماً، فهو كالشخصية المصرية تحتاج إلى رعاية، وتحتاج إلى يقظة وإلى متابعة وإلى مثابرة، حتى حصاد القطن المصرى يحتاج إلى أيدٍ مصرية واعية مدربة تحبه وتتغزل فيه وتغنى له وترحب به وتحتفل.

كذلك القمح المصرى، يشبه الشخصية المصرية، يحتمل التخزين سنوات كما علمنا سيدنا يوسف، علمنا بوحى من الله الذى أراد بمصر النجاة فكانت على يد سيدنا يوسف الذى علمنا الاقتصاد لكنه لم يعلمنا الفلاحة لأنها جين مصرى خُلق به، فهو المصرى الفلاح الذى تأتيه بعد الفلاحة صفات من بوابة كونه فلاحاً، ورث المصرى اندماج ملامحه وامتزاجها مع الأرض، فهو سلة غذاء العالم.

وقت الأزمات العالم يتطلع إلى مصر، وقت الخلافة الإسلامية كانت مصر أرضاً وثمار نفع وجنة للأرض، وقت الاحتلال التركى كذلك كانوا يستغلون الفلاح وأرضه لدولة الاحتلال، كذلك الإنجليز صنعوا من مصر مخزن للغلال أيام الحرب العالمية الثانية، وسوّقوا القطن وصدّروه، حتى تم التكالب على الشخصية المصرية فى ترصد لإضعافها بخلخلة التناغم والانسجام بين الفلاح المصرى وبين أرضه.

سرقوا القطن طويل التيلة وزرعوه عند المعتدى، عطلوا المصانع وأجبرونا على استبدال مصانع القطن طويل التيلة إلى قطن متوسط وقصير التيلة، كما قيّدوا الفلاح وسجنوا أرضه وتجبروا وتكتلوا لمنع الفلاح من زرعه، منعوه من الفلاحة، بدّلوا عقيدته من فلاح إلى عامل ثم عطلوا مكن المصانع ليصبح الفلاح عاملاً بلا مصانع.

ثم فتحوا طريق الهجرة للعمل حتى يفصلوا بين الفلاح وأرضه، ليصبح الفلاح يرتدى ملابس المهاجر ويغير هيئته ويبدل سلوكة ويجدد تفاصيل حياته حتى تخاصمه الأرض، حتى يصبح الفلاح غريباً عن أرضه، حتى يصبح الفلاح بمكياج وألوان وطريقة حياة لا تناسب الأرض، كيف تعرف الأرض فلاحاً يرتدى القمصان والبنطلونات، كيف تقبل الأرض فلاحاً يتأخر عن لقاء حبيبته.

بعد أن كان يقدس الفجر ويصلى، لكى يذهب إلى حبيبته طاهراً مضيئاً، أصبح يستيقظ فى منتصف النهار، يذهب إلى الحقل بالتوكتوك، الحرب بين المصرى وبين عدوه هنا، فى تفاصيل حياته، فى تشويه ملامحه، فى تبديل معتقده، من فلاح حياته مثمرة، إلى مستهلك حياته مستهلكة.

أمى فلاحة من الصعيد، وجيرانى فلاحون من بحرى، وأهل البحر فلاحون يصطادون السمك، ومعارفى موظفين ومثقفين وفنانين قلوبهم فلاحة، وحبيبتى أجمل ثمرة من أرض النيل، مهما كانت الأيام ومهما بعدت المسافات، لن ينجح العدو ولا الجهل ولا الرويبضة ولا أصحاب المصالح ولا الفاسدون ولا كارهو مصر، لن ينجحوا فى فصل شريان فى قلب ووجدان الشخصية المصرية، الفلاح فى الشخصية المصرية له ملامح ثابتة راسخة تشكل كيانه الأساسى والمرجع لعنوان الكتاب المصرى، سلام وأمن على الشخصية المصرية، الفلاح صاحب الأرض الخضرة.. اللهم فاشهد.