ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (9).. الغَزَل
- الإجراءات القانونية
- الإدارة العامة
- شرطة التموين والتجارة الداخلية
- قضية تموينية
- إدارات
- الإجراءات القانونية
- الإدارة العامة
- شرطة التموين والتجارة الداخلية
- قضية تموينية
- إدارات
الغزل ملمح أساسى فى تفاصيل الشخصية المصرية، الغزل قاسم مشترك بين المصرى وبيئته، أنهار النيل داخل نسيج الأراضى المصرية، غزل بين المصرى والحياة، أنهار النيل حياة المصرى، يتغزل المصرى فى النيل بالشعر، بالقصص، بالرواية، يتغزل بالأفلام التى يجمع فيها المصرى والنيل، الناس والنيل وفيلم «ابن النيل». كما ظهر الغزل بين العشاق والنيل شاهد وحاضر، الغزل بين المصرى وبين البحر والمطر، يتغزل المصرى فى الجبال، فى الشمس، فى القمر، وفى النجوم، الغزل طابع وملمح قديم، منذ مصر القديمة، يتغزّل المصرى فى بيئته، يتغزّل فى وطنه، فى الورد والطبيعة، تجد زهرة اللوتس غزلاً منقوشاً على الجدران. القط المصرى، والتمساح، والصقر، رموز غزل بين المصرى وبيئته. المصرى صنع الناى بالغزل، حفر البوص لتسمع غزله فيها، تغزّل فى أنبيائه وصنع الموالد وأقام الاحتفالات، مدح المصطفى وتغزّل وأنشد القصائد والأبيات.
يتغزّل فى أهل البيت، يشد الرحال، ويرفع لهم الرايات، يتغزّل فى الكعبة، فيصنع المحمل ويتسابق الحرفيون، القصاب والخطاط والنساج، يغزلون بالغزل كسوة الكعبة، يتغزّل بشرف كل مختار من العمال، يتوافد الصانع المصرى بغزل وشوق، يتجمعون حول القماش المصرى فى دار كسوة الكعبة بحى الخرنفش بعد أن يأتى قماش الكسوة القباطى، من صعيد مصر منذ عهد سيدنا عمر بن الخطاب وحتى الستينات 1962 آخر محمل يحمل كسوة الكعبة، عرفت منهم عم حسين القصاب الذى حكى لى كيف عاش عمره بعد آخر خيط له فى كسوة الكعبة، لا يتحدّث ولا يتسامر إلا عن رحلة المحمل وتغزّله فيه.
المصرى يتغزّل بلا سبب غير الحب، يحب النيل ويغنى أسطورة الغزل «يا ليل ويا عين»، وهى أسطورة بين ليل التى خطفها النيل وظل عين ينادى على ليل ويتغزّل فيها، ولا أحد إلى الآن يعلم هل هو غزل وعشق يمزج الحب بين ليل وعين، أم هى أسطورة خلّدها المصرى من الخيال والغزل، يتغزّل المصرى فى الأيام الحلوة ويصفها بالبيضاء، ويتغزّل فى التقلية ويسميها ورد. ويتغزّل فى الشاى، ويسميه «خمسينة»، ويسميه «على ميه بيضة». يتغزل فى الطعام ويسميه «غدوة»، ويسميه «لقمة». يتغزل فى الأسماء سمر سوسو، ومصطفى يسميه درش، حتى النقود يسميها ويتغزل فيها اللحلوح والجندى وأبوكارتة وأبومادنة، المليون أرنب، والغنى يافت، والفقير أشفور.
لم يترك المصرى شيئاً إلا وتغزّل فيه، حتى الموت تغزّل فيه وناجاه وعاتبه، وخاصمه عند الله وترجاه، تغزّل فى الحياة وتغزّل فى المرأة، تغزّل فى بيته وسكنه، وتغزّل فى أرضه وقارنها بعرضه، تغزّل فى ملوكه وفى رؤسائه، تغزّل فى قارئ القرآن، فمن يجد استحسان المصرى يعلو شأنه، ومن يتجاهله المصرى يخفت قنديله، تغزّل فى أم كلثوم، وسماها الست، وتغزّل فى عبدالحليم وسماه العندليب، من يحبه ويتغزل فيه يسامحه مهما أخطأ، يعرف جمال الفتاة عندما تعلو أصوات الغزل، ويرسب فى الاختبار من يتبدّل فيه الغزل إلى هجاء، لذلك تجد الألتراس فى المدرجات عندما يتغزّل فى لاعب تُضاء شمعته، ومن يتم ذمه وسبه تُسلب مهارته.
الغزل أنفاس حياة، يتنفّسها النجم فيتلألأ، يخشى زوالها النجم حتى لا يهوى، كم من ثرى وكم من صاحب منصب، دفع ما يملك ليحظى بغزل العامة، وما نال إلا الصمت والتجاهل، غزل المصرى مطمع جرّبه أوباما بأن ألقى تحية السلام وهو على غيرها يقصد، فلم يجد من الناس سوى الصد. يُشفى الحبيب بنظرة غزل من حبيبته، والعذول بنظرة الغزل بين حبيبين يشقى، هكذا حضن المصرى لبلاده فيه الغزل بزيادة، وهكذا الغزل فطرة المصرى مهما عانى وصبر، يتغزل الأب بابنته فيعلو قدرها، وتتغزّل الأم بابنها مهما منه جرى.. الشخصية المصرية مزاجية، مزاجها غير مقنّن، لكن بالغزل يتجدّد الوصل، سلام على الشخصية المصرية، وسلام على من فيه تتغزل.