حكومة إنقاذ (أنبوب الغاز)
دائماً ما تلعب الجغرافيا دورا هاما فى كتابة سطور التاريخ... وخصوصاً عندما يتعلق الأمر (بمصادر الطاقة).
ولأن الطاقة دائماً ما تختلط فيها قطرات الدماء بخطوط النفط.. مثل ما حدث فى العراق التى استحوذت الشركات الأمريكية على نفطها بعد الغزو.. ثم ليبيا المنقسمة شرقاً وغرباً بين شركتى البترول الإيطالية إينى والفرنسية توتال..وامتداداً لسوريا التى تقطعت أوصالها بين هيمنة الشرق الروسى والإيرانى والغرب الأوروبى والأمريكى.
قصة السيطرة على منابع النفط تعود إلى مذكرة صدرت عقب أسابيع من أحداث 11 سبتمبر من مكتب وزير الدفاع الأمريكى دونالد رامسفيلد... كشف النقاب عنها بعد ذلك الأمين العام المتقاعد لحلف شمال الأطلسى ويسلى كلاركن.. أوصت المذكرة باستغلال أحداث سبتمبر للسيطرة على مصادر الطاقة فى سبع دول بغضون خمس سنوات، بدءاً من العراق وانتقالاً إلى سوريا ولبنان وليبيا والصومال والسودان وإيران.
يروى بعدها روبرت كينيدى، ابن شقيق الرئيس الأمريكى الأسبق جون كينيدى، فى مقابلة مع مجلة «بوليتكو» أن واشنطن اتخذت قراراً بالعمل على مشروع يصبح فيه الغاز القطرى بديلاً عن الغاز الروسى الذى يتحكّم برقبة أوروبا اعتباراً من عام 2000، وقال فى المقابلة إن القرار الأمريكى اتُخذ بعد 10 سنوات بالتخلّص من الرئيس الأسد.
فى التوقيت ذاته ومع بداية الألفية الجديدة طرح اتحاد مكون من شركات غربية فكرة إنشاء خط غاز يبلغ طوله حوالى 1500 كيلومتر بتكلفة تتجاوز 10 مليارات دولار ليغذى شرايين أوروبا بالغاز المستخرج من حقل بارس الجنوبى فى قطر ونقله بالأنابيب عبر السعودية ثم الأردن ومنها إلى سوريا، حيث موانئ طرطوس أو بانياس، ويُنقل بعدها بناقلات الغاز لتركيا ومنه للأسواق الأوروبية عبر شبكة تورك ستريم.
إلا أن المشروع لم يرَ النور لاشتراطات صعبة من بعض الدول.. وعلى رأسهم سوريا التى رفضته مراعاة لمصالح حليفها الروسى.لكن الآن وبعد سقوط نظام بشار الأسد عاد المشروع للواجهة مرة أخرى، واكتسب زخماً إعلامياً.وبتحليل بسيط سنعرف من هم أبرز المستفيدين من إنشاء خط الغاز؟
أولاً: سوريا.. توقع تقرير من البنك الدولى أن تتراوح تكاليف إعادة الإعمار فى سوريا بين 250 و300 مليار دولار؛ وبذا سيوفر المشروع دعماً مالياً تحتاجه سوريا فى هذا التوقيت.كما قد يعزز من إعادة تشغيل حقول النفط المتوقفة التى -إن عادت لمستويات إنتاجها قبل 2011 والبالغة نحو 400 ألف برميل يومياً- قد تحقق عوائد تناهز 15 مليار دولار سنوياً، وهو ما تُعد سوريا فى أمسّ الحاجة إليه حالياً.ثانياً: قطر.. التى تملك احتياطيات تُقدَّر بنحو 14% من الاحتياطى العالمى للغاز الطبيعى، بحسب مجلة «أويل آند جاس».
إلا أنها لم تكن محط اهتمام أوروبا لكون نقل الغاز المسال مكلفاً مادياً، وهو ما سيختلف بوجود خط أنابيب عبر سوريا.ومن الممكن أيضاً أن تشارك قطر فى تطوير بعض حقول الغاز السورية فى المتوسط بما لها من خبرة بهذا المجال.
ثالثاً: تركيا.. فى تصريحات لوزير الطاقة التركى ألب أرسلان بيرقدار قال إن المشروع يمكن أن يمضى قدماً مع تحقيق الاستقرار فى الأراضى السورية، مؤكداً الحاجة إلى توافر الأمن أولاً.
كما كشف عن رغبته فى المساهمة فى إعادة تأهيل حقول النفط والغاز الطبيعى المتوقفة بسبب الحرب.
بالإضافة لكونها مركزاً رئيسياً لنقل الغاز إلى الاتحاد الأوروبى، مما سيزيد من قوتها الاقتصادية والجيوسياسية
أبرز الخاسرين:
أولاً: روسيا... بخلاف أن نظام الأسد كان ضامناً لتثبيت أقدام الأسطول الروسى بمياه المتوسط الدافئة... فبالتأكيد سيهدد الأنبوب الصادرات الروسية وسيقلص من نفوذها على الدول الأوروبية... إلا أن البعض الآخر يرى أنها ضحت بنظام الأسد لأنها لا ترى فى المشروع تهديداً حقيقياً، فهى تسيطر على سوق الغاز الصينى عبر خط أنابيب قوة سيبيريا، إضافة إلى تصدير الغاز السائل عبر بحر الشمال باستخدام تقنيات متطورة.
ثانياً: إيران.. بخلاف فقدانها سياسياً أهم حليف فى المنطقة العربية بالتأكيد سيؤثر هذا الأنبوب على خططها لتصدير الغاز عبر العراق وسوريا، لكنها قد تستطيع تجاوزها من خلال تعزيز صادراتها عبر الأنابيب التى تربطها بتركيا، وهو ما قد يساعدها فى تقليص الآثار السلبية لهذا المشروع على اقتصادها.
ثالثاً: الولايات المتحدة.. قد تعارض واشنطن المشروع، لكونها تُصدِّر الغاز المسال لأوروبا عبر السفن التى تجوب الأطلنطى ذهاباً وإياباً.. ولأن تكلفة الغاز القطرى ستكون أرخص بكثير عندما يُنقل عبر الأنابيب... بخلاف التأثير السياسى الذى ستفقده لدى حلفائها الأوروبيين... خصوصاً أن الغاز الأمريكى ظهر كبديل عن الغاز الروسى عندما توقفت موسكو عن ضخ صادراتها.
ورغم كل هذه التعقيدات السياسية والاقتصادية، يظل المشروع فى دائرة الاحتمالات، ويبدو أن تنفيذه سيظل صعباً فى الوقت القريب.
إلا أن قوى إقليمية على الساحة السورية أسهم المشروع فى كونهم باتوا جزءاً من معادلة مؤثرة فى موازين المنطقة الاقتصادية عبر دخولهم كلاعبين فى مجال الطاقة والسياسية عبر وجودهم على رأس الداعمين لحكومة سوريا الجديدة.