لا صمدوا ولا تصدوا
دعوة للتذكر والتدبر في تصريحات مرتبطة بما يحدث في المنطقة من توترات وصراعات، استعاد الرئيس عبدالفتاح السيسي سيرة الرئيس الراحل أنور السادات، وأكد أنّه سبق عصره وهزم خصومه حتى وهو غائب وغير موجود.
وفي إشارة لما فعله الرئيس الراحل وتوقيعه لمعاهدة السلام مع إسرائيل، وسط رفض من جانب بعض الدول العربية وقطيعة، قال «السيسي» خلال افتتاح محطة قطارات بشتيل، إنّ «السادات» تعرض لانتقادات وقطيعة من بعض الدول بسبب اتفاقية السلام مع إسرائيل، مشيرا إلى أنّ الرئيس الراحل كان صاحب رؤية عصرية ثاقبة وسبق عصره ورد الزمن على خصومه بعد سنوات طويلة، وأثبت أنّ ما فعله كان هو الصواب.
التاسع من نوفمبر عام 1977 أعلن الرئيس أنور السادات في مجلس الشعب استعداده لزيارة إسرائيل ومخاطبة شعبها عبر برلمانهم (الكنيست ذاته).
لم يستوعب العرب واليساريون والناصريون وقتها خطوة الرئيس السادات الذى كان تفكيره سابقا عصره بمئات السنوات.
فور إعلان السادات توالت الانتقادات والهجوم على مصر والسادات وكانت، ولا تزال، أحد مبررات انتقاد المبادرة هي أنّها جاءت استجابة لضغوط واشنطن، أو على الأقل بإيحاء منها.
غير أن الوثائق البريطانية تقطع بأنها كانت فكرة ساداتية خالصة استهدفت -كما قال السادات نفسه- كسر الحاجز النفسي بين العرب وإسرائيل.
كان اللافت في الأمر عدم حضور الدول العربية (سوريا، الأردن، لبنان، منظمة التحرير الفلسطينية) مؤتمر الميناهاوس في ديسمبر 1977 ما أضاع عليهم فرصة تحرير الأراضي المحتلة بالكامل، فى حين أن مصر استردت كامل أراضيها في أبريل 1982 وربحت قضية التحكيم الخاص بمنطقة «طابا» في مارس 1989.
اجتمع العرب ببغداد في مؤتمر القمة العربية عام 1978، أعلنوا رفض مبادرة السلام وأصدروا قرارات بمقاطعة الحكومة المصرية ونقل جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس، وهكذا تكونت جبهة الصمود والتصدي (العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، الجزائر، منظمة التحرير الفلسطينية)، وفيما بعد خرجت تسريبات بأن «صدام حسين» هدد الحكام العرب بالقتل إذا لم يوافقوا على قرارات المؤتمر.
تصدرت العراق وسوريا وليبيا المشهد واحتضنوا الكُتاب المصريين اليساريين والناصريين وفتحوا لهم المجال في وسائل الإعلام هناك للهجوم على الرئيس السادات، وكذلك فتحوا لهم خزائنهم بحيث تتناسب العطايا طرديا مع قسوة الهجوم وشراسته، وبالطبع كانت منظمة التحرير الفلسطينية وباقي فصائل المقاومة تساند هذه التوجهات حتى تبقى القضية قائمة دون حل حقيقي أو حتى لا تتضرر مصالحهم الشخصية، من وجهة نظري.
وبعد اغتيال الرئيس السادات استمر حكام دول جبهة الصمود والتصدي في خداع شعوبهم والمتاجرة بالقضية الفلسطينية، واستمرت المزايدات على الحكومة المصرية بقيادة الرئيس السابق حسني مبارك، بسبب عدم السير وراء مغامرات الفصائل الفلسطينية، وجاءت أحداث يناير وحكم مصر الإخوان ولم يفعلوا شيئا للقضية الفلسطينية بل ما شاهدناه هو ارتماء الإرهابيين في أحضان الأمريكان وكأن زمن السامي البريطاني رجع مرة أخرى لمصر، حيث كانت تحكمنا أغلب الوقت السفارة الأمريكية من خلال وكلائها بمكتب الإرشاد.
وتمر الأيام وتنهار دول جبهة الصمود والتصدي وينتهي قادتها نهاية مهينة (صدام حسين، معمر القذافي، علي عبدالله صالح، بشار الأسد) وينام الرئيس السادات مرتاحا في قبره محاطا بكل التكريم.
وتأتي ثورة 30 يونيو وتعود مصر للمصريين ويعود الدور المصري في القضية الفلسطينية واستمرار المساندة واعتبار القضية أمنا قوميا والتمسك بحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية، كما دعمت مصر مناصرة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والانتقال من مرحلة تهدئة الأوضاع وطمس الهوية العربية والقومية والسيطرة على الصراع إلى إيجاد حلٍ عادلٍ للقضية وإقامة الدولة الفلسطينية، فتم تكثيف الجهود بقوة لحقيق الهدف المنشود.
وبعد السابع من أكتوبر 2023م وما عرف بطوفان الأقصى، وما تلا ذلك من العدوان الإسرائيلي الغاشم على أهالي غزة تحت ذريعة الدفاع عن النفس، وممارسة جميع الانتهاكات التي حرّمها القانون الدولي والإبادة الجماعية والتهجير القسري مع تأييدٍ مطلقٍ من المجتمع الدولي، والسكوت غير المبرر عن المذابح التي تحدث والسماح لإسرائيل بالاستمرار في غيها وجرائمها والكذب وقلب الحقائق وانتهاك القانون الدولي وجميع الاتفاقيات وحقوق الإنسان، ما أدى إلى تغير المعادلة وعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة وأضحت في بؤرة الاهتمام الإقليمي والعالمي.
ومع ذلك تتعرض الدولة المصرية لحملة تشويه داخليا وخارجيا من أبواقٍ إعلاميةٍ إسرائيليةٍ وأصحاب الأجندات المغرضة لتحول كل موقف مصري إيجابي لدعم القضية ورفض تصفيتها إلى عكسه تماما.
ورغم ما تعانيه مصر من نكران الجميل من البعض إلا أنها تشدد دائما على أنّ القضية الفلسطينية كانت وما زالت القضية المركزية للأمة العربية، وذلك في تأكيد إدراك صانع القرار المصري بمحورية هذه القضية، ودور مصر التاريخي والمسؤول نحوها، فضلا عن أنّه مهما تعدَّدت الأزمات الدولية والإقليمية، وبلغت حدة تطوراتها، فإن تلك القضية لا يمكن إهمالها، أو التراجع عنها، أو التهوين من شأنها؛ فلا سبيل إلى استقرار منطقة الشرق الأوسط، بل والعالم كله، على نحو ما أكدته التطورات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، دون التوصل إلى حل عادل ودائم وشامل للقضية الفلسطينية.
ومما لا شك فيه أنّ السياسة الخارجية المصرية - ارتباطا بالقضية الفلسطينية - تتأثر بالبيئة العالمية والإقليمية المحيطة، خاصة في ظل إقليم يشهد الكثير من الاضطرابات، والصراعات، والتوترات، والنزاعات، والتشابكات بين قضاياه، ناهيك عن تدخل عديد من القوى الإقليمية والدولية.
ولا شك أيضا أنّ هذه القضية تتقاطع مع المصالح الاستراتيجية العليا للدولة المصرية، وهو ما يقتضي ارتفاع التكلفة رغم محدودية الإمكانات وعلاقاتها بمتطلبات التنمية وضرورات تعزيز مؤسسات الدولة الوطنية كسبيل لتفعيل دور الدولة المصرية ومكانتها، وهو ما يتطلب قدرا لا يستهان به من الفاعلية، والنشاط، وتكامل الأدوات. وهنا لا بد من الإقرار بأن مصر تحملت، منذ بداية الصراع عام 1948 وحتى الآن، عبء القضية الفلسطينية على أكتافها، وقدَّمت الكثير من التضحيات في سبيلها.