كنز الفوائد في تنويع الموائد

كاتب صحفي

تراثنا المصري لم يكن طبا وهندسةً وكيمياء فحسب، بل تناول نواحٍ متعددة من جوانب الحياة الواسعة، فكان أدبا يزهو بين نثر وشعر، وكان علما يسمو بين فلك ورياضيات وبصريات، وفنا يزخر بألوان من النقوش والزخرفة وفن العمران، وروائع من الموسيقى والغناء، وصناعة تتألق بنفائس الملبوس والمأكول والمشروب وألوان الطيب والعطور.

احتل الطعام والشراب مكانا بارزا في وعي المصريين عبر العصور، فبدأ المصريون علاقتهم بالطعام عبر الجمع والالتقاط مثل سائر البشر في العصور القديمة، ثم أقدم الإنسان في لحظة سعيدة وفريدة على استخدام مكونات معينة وطرق طهي مخصوصة ليتحول الطعام من مجرد وسيلة للبقاء على قيد الحياة لمتعة من متع الحياة الكبرى.

طالعت مؤخرا كتابا خطه أحد المصريين الظرفاء ممن عاشوا في العصر المملوكي، وموضوعه يتعلق بفنون الطهي وتقديم المأكولات وآداب المائدة، للكتاب عنوان مسجوع كعادة هذا الزمان «كنز الفوائد في تنويع الموائد».

لا نعرف اسم مؤلف الكتاب، لكننا نتعرف على مصريته الصميمة من خلال عاميته المصرية اللطيفة واستخدامه لأوزان مصرية مثل القدح والرطل وإشارات لعسل بنها وعسل سرياقوس وأنواع أسماك مصرية مثل البلطي والبوري والبيساريا وخضراوات مثل القلقاس والبامية والكوسة، ولا يخلو الأمر من استخدام لطيف للعامية المصرية بما لها من خصوصية، فالكاتب عندما يتحدث عن وصفة بها استخدام للبيض يستخدم التعبير العامي «نفقش» وهي كلمة مصرية دارجة تعني كسر البيض قبل استخدامه.

يتعرض الكتاب في لغة رشيقة لآداب الطهي، فيلزم للطباخ أن يعتني بنظافته الشخصية فيغطي رأسه ويقص أظافره ويخصص سكينا لتجهيز الخضراوات وآخر للحم دون خلط في الاستعمال بينهما.

يضم الكتاب نحو ثمانمائة وعشرين وصفة للطعام ما بين المشوي والمقلي والمسلوق، ويتطرق لطرق تجفيف فواكه الصيف لاستخدامها في الشتاء وطرق تخزين الخضراوات لحين استخدامها في غير أوانها، ولم ينسَ الكاتب أن يذكر عدة وصفات لما نعرفه في زماننا بالصوصات، ويشير إليها بلفظة زمانه «الصلوصات».

تخلو جميع وصفات الكتاب من استخدام الطماطم ولا عجب، فإنسان العصور الوسطى لم يعرف هذه الفاكهة العجيبة قبل اكتشاف العالم الجديد منذ عدة قرون، وهذا يجعلنا نفهم ماهية بعض أكلاتنا العريقة مثل الفتة المصرية الشهيرة المقتصرة على إضافة الثوم والخل ومثل البامية ذائعة الصيت في صعيد مصر والمعروفة بالويكا، وكذلك القلقاس الأخضر المختلف تكوينا ومذاقا عن نظيره المطهو باستخدام الطماطم.

من عجائب وصفات «كنز الفوائد» وصفة شوربة العصافير التي لا بد أن تُطهى في قدر زجاجي مخصص لهذا الغرض يتم استيراده من الأندلس، وبالطبع فهو يتحمل الحرارة المرتفعة، لا يزال بعض المصريين يأكلون هذه الأكلة النادرة، لا سيما في بعض الأحياء الشعبية التي تقف بها بعض العربات الصغيرة لا تبيع سوى العصافير الصغيرة في قراطيس من الورق الأبيض النظيف مع قرطاس أصغر حجماً للملح والتوابل، رأيت بعيني هذه العربات في ميدان باب الشعرية الذي أعتبره عاصمة غير معلنة للطعام المصري الشعبي.

وتعجبت لتطابق حجم العصافير التي وصفها مؤلف كنز الفوائد مع ما يأكله المصريون ليومنا هذا، يبدو أنّ هذه الطيور من ذلك النوع الذي يعيش في أحراش البحيرات والمستنقعات المصرية، واليوم تتسابق الشعوب لإعداد ملفات ترفعها لهيئة اليونيسكو لتوثيق أكلاتها الشهيرة لتكون مقوما من مقومات الجذب السياحي يتم تضمينها في البرامج السياحية، نالت مدينة غازي عينتاب شهرة عالمية بعد إدراجها على قائمة اليونيسكو للمدن الإبداعية لتفردها في صناعة حلوى البقلاوة التركية، وتسابقت دول المغرب العربي لتسجيل الكسكسي باعتباره تراثا مغاربيا مشتركا.

ما زال سجل مصر خاليا من تسجيل روائع مطبخنا المتفرد العريق، وهو أمر ضروري لا بد أن تعتني به وزارتا الثقافة والآثار في منطقة تعج بمعارك إثبات الوجود وسياسات السطو والاستيلاء الثقافي.