ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (3).. القوة الناعمة

للشخصية المصرية ملامح منحوتة تختلف عن باقى البلاد، فكما أن الإنسان نموذج للكون، فالشخصية المصرية نموذج للعالم، الشخصية المصرية لها زمانها وتاريخها، ولها مكانها وجغرافيتها، أيضاً لها تفاصيلها النفسية، ولها بعدها الاقتصادى، ولها الأحداث والتفاصيل والفتافيت المتراكمة، لها أوقاتها الضعيفة، ولها أوقاتها القوية.. للشخصية المصرية عمدان لقوّتها، تتمثل قوة مصر فى المصريين بالخارج، نعم من عناصر قوتنا الناعمة الداعمة الراسخة يمثلها المصريون بالخارج، بجوار الدين والفن والرياضة.

تأتى قوتنا المتمثلة فى المهاجرين المصريين، فى العمالة المصرية بالخارج، فى الطلبة الذين يدرسون بالخارج، فى المهنيين والعباقرة الأفذاذ بالخارج، قوتنا فى كل مكان، طيور مصر المهاجرة، سكان أوروبا والخليج وأستراليا وأمريكا وبلاد أفريقيا وبلاد لا نعرف أسماءها، إنهم الأطباء والمهندسون والمدرسون والمهنيون والطلبة والطالبات، المصريون بالخارج يهاجرون إلى بلاد الدنيا.

وهم يحملون شخصيتهم المصرية فى قلوبهم، فى تصرفاتهم فى عباراتهم وجلسات سمرهم، فى تعبيراتهم عن حواراتهم عن سمرهم، مزاجهم المصرى يتنفس بأنفاسهم، يصنعون من أماكنهم صلة بالوطن، يستمعون إلى أم كلثوم إلى عبدالحليم إلى ياسين التهامى وإلى الشيوخ وإلى أصوات الحكمة وإلى نكات السخرية وإلى كوميديا وإلى حلول جاءوا بها من أمثال الجدة، وحكمة خرجت من أب يتألم، يحملون أوطانهم فى القلوب.

المصرى له سمات تختلف عن غيره، فتفاصيل حياته متراكمة منذ مصر القديمة، نفس المزاج، نفس الألعاب، نفس الفطرة، ونفس الوسطية فى كل شىء، التطرف مستور فى حياة المصرى، والرضا متأصل فى نظرته للحياة، كل مهاجر مصرى عبارة عن مصر بكل ما تحمله من تاريخ وجغرافيا وفن ودين، المصرى مهما عاش بالخارج، مهما تغيرت لكنته، ومهما عاش فى حياة وقوانين ولغة فهو يحمل الجين نفسه، يضحك من قلبه ويسخر بذكاء.

يحمل بيئته المصرية ريفية كانت أم من المدينة، يطبخ بمذاق مصرى، ويربى أولاده مثلما عاش وتربى، المهاجر المصرى يغير فى محيطه الاجتماعى مهما كان، يحول محيطه إلى تفاصيل مصرية، يحمل تلاوة المقرئ المصرى، وينسجم مع ذكرياته التى تستيقظ معه متى استيقظ، ملايين المصريين مهما اختلفنا معهم واختلفوا معنا نجتمع على حب مصر والانتماء الغريزى لها، مصر نور يسكن القلوب المصرية، تعرف المصرى من صوته من ضحكه من نكاته من منطقه ومن أنسه وقدرته على السمر.

المصرى يعبر المكان والزمان إلى مصر بمجرد تذكرها، خياله عامر بالشوق إلى نورها، مهما كانت حالتها الصحية والنفسية والاقتصادية، ومهما تكالب عليها الكاره والعدو والغيرة، مهما حاولوا سرقتها وتقليل شأنها، ستظل مصر بأبنائها تتجدد وتستوعب وتحضر وتفاجئ كل من يريد بها السوء، ليقصم الله مؤامراتهم ويتحول التراجع إلى تقدم وتلاحم وانتصار، قوة مصر الكامنة أسوار وحصن ودفاع عنها، حواديت المصريين عن حياتهم وتفاصيلها ترد الغائب.

وتصل المنقطع وتشفى الغريب من غربته، فلا تستغرب من صبى مصرى ولد فى بلاد غريبة، وتجده يتحدث بالعامية المصرية ويفهم اللمحة المحلية، ويبتكر أنساً وحكاية عن شوقه لبلاده، لا تستغرب من أى مسافر وحلمه فى العودة يزيد، إننا نعيش فى وطن نتنفس هواءه، وكلما ظنوا أنهم غالبون تنقلب عليهم الآية وينصر الله بلاداً استقبلت الأنبياء وعاش فيها الرسل والأولياء.