ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (1) رسالة إلى مصر

إلى هوانا وقلوبنا وعرق جبيننا.. رسالة إلى التاريخ والجغرافيا والأنفاس الصالحة.. قوة مصر الناعمة والقوية والحاسمة والباقية فى أضلاعها الأربعة، فى جدرانها الأربعة، فى الدين وفى الفن وفى الرياضة وفى المهاجرين، الأربعة جدران فى احتياج لتدعيم.. إنها موطن وعمقنا الحقيقى، ولأنها حماية للشخصية المصرية، ولأنها ينابيع الانتماء، تتعرض منذ السبعينات إلى مؤامرة، منذ أكتوبر ثلاثة وسبعين وقوتنا فى الجدران الأربعة تتعرض إلى حروب لا تنتهى، حروب متنوعة، القصد منها الهدم والنيل منها وإسقاطها، الجدار الأول: الدين، الذى يتعرض لبطش وتنمر ورصد من المتطرفين أصحاب الأفكار الجانحة القاسية لزعزعة تميز مصر وتفردها بمرونة شعبها واعتصامه بالوسطية الحامية التى تؤمن للمصريين سلاسة وانسجاماً مع الدين.

الجدار الثانى: الفن، الذى يرصد بعنف وقتال لهدمه وإسقاطه، وتحويل الأفكار الفنية التى تشبه المجتمع إلى أفكار عالمية فارغة، أفكار لا تخرج عن النمط الأمريكى والنمط التركى، حتى تصبح الشخصيات لا تشبه الشخصية المصرية، أعمال فنية تافهة إعلانية لا جذور لها ولا عمق، أفكار فنية مسخ ومقلدة، يصنعها مخرج إعلان لا يعى قيمة الدراما، وورش كتابة بالأجرة، ورش كتابة مقلدة تحت إشراف أسماء جاهلة، يحدث فى السينما.

كما يحدث فى النقد، كما يحدث فى المسرح، كما يحدث فى المسلسلات، كلها أعمال الفرجة الواحدة مثل الفيشار.. أين الفيلم الذى أنتج بالملايين؟ أين مسلسلات الورش؟ أين المسرحيات الدوارة؟ أين الأغانى التافهة؟ أين الفن المصرى؟ أين ذهب؟ ومن يتحكم فيه؟ لماذا أصبح التوجيه من الخارج ولماذا يكون شرط الأفكار أن يكون الفن غير محلى لا يمت للشخصية المصرية بشىء؟ أين الانتماء فى الفن؟ أين تأثير التفاصيل والأحداث المصرية؟ أين لون وأنفاس المصرى؟ أين ضحكته وسخريته؟ بل أين أحلامه فى الفنون وأين مستقبلها؟! المطلوب سرقة جدار الفن.. المطلوب تغيير جنسيته.. المطلوب.. عدم خروج كتاب ونجوم ومواهب مصرية الهوى مصرية المشاعر مصرية الانتماء شخصيتها مصرية.

الجدار الثالث: جدار الرياضة، مواهب الاسكواش تحرز البطولات فى صمت وخجل، ويسرق أبطالها ويتم إغراؤهم بالجنسيات الأوروبية، كذلك أبطال ألعاب القوى يسرقون ويتم تجنيسهم، فى أمريكا والخليج، وكرة القدم، عشق الغلابة، رأيتم ما حدث، تحت إشراف النقاد والمعلقين وكاذبى التوك شو، أما الجدار الرابع: المهاجرون، علماء ومواهب وطاقات وعائلات ونجوم ودكاترة ومهندسون و.. و.. و.. ولكى ينجحوا فى هدم هذا الجدار يجب أن يصنعوا التخويف والمسافات وزرع الاختلاف، ومما سبق، وعلى مدى أكثر من خمسين سنة يتم التآمر على جدران القوة للشخصية المصرية.

وما دفعنى للكتابة عن جدران الشخصية المصرية، الدين والفن والرياضة والمهاجرين، هو الخوف على هدم ملامح الشخصية المصرية، خوف على مصادر الانتماء والتكاتف والتميز، مصر بلادنا العزيزة، دائمة الطرح دائمة الخير دائمة الثمار، مصر ولادة، يخرج من حواريها وأحيائها وقراها ومدنها مواهب تفاجئ العالم وتحيى وتجدد النفاس وتنحت من جديد، ملامح الشخصية المصرية.. تحيا مصر عزيزة.. تحيا مصر حبيبة.. تحيا مصر أماً وأختاً وابنة.. تحيا مصر منذ بداية التاريخ وحتى قيام الساعة.