إسلام الفصائل الشيعية إلى تراجع

ماهر فرغلى

ماهر فرغلى

كاتب صحفي

كانت الرؤية الأمريكية، بدءاً من عهد بوش الابن ثم عهد أوباما وبايدن، ترى أن العدو الحقيقى للغرب هو الإسلام السنى؛ لأنه الذى ضربها فى عقر دارها على يد تنظيم القاعدة، وأنه لا بد من إعطاء فرصة للإسلام الشيعى لكى يقود المنطقة، أو على الأقل يفككها، وبناء عليه سمحوا له بالسيطرة على العراق، ولبنان، وتركوه فى سوريا، ومنعوا طرده من اليمن.

بناءً عليه، فقد وجد صنّاع القرار الإيرانى الفرصة إلى تنفيذ مشروع ولاية الفقيه، وإلى استحداث أذرع عسكرية مؤدلجة، وصبغها بأسماء ذات دلالات مذهبية، وتجييش وعسكرة المجموعات السكانية فى الخارج وفق ذات الاستراتيجية، إما ضد الأنظمة السنية الحاكمة، وإما دعماً للأنظمة الشيعية، دون أدنى اعتبار لما ستؤول إليه أوضاع الدول المستهدفة جرَّاء الاقتتال الطائفى وتفشى الإرهاب، وتفاقم النزاعات الانفصالية، والنزوح الجماعى غير المنظم.

فى عام 2006، تشكّلت، بدعم إيرانى، عدة فصائل شيعية مسلحة، توحدت فيما بعد لتشكل حزب الله - العراق، الذى صنّفته أمريكا عام 2009 منظمة إرهابية، وظهرت حركة «عصائب أهل الحق» العراقية، التى يترأسها قيس الخزعلى، وكانت تعمل كإحدى سرايا جيش المهدى، بقيادة مقتدى الصدر، لكنها استقلت عنه تماماً بعد الإعلان عن حل جيش المهدى عام 2008، كما ظهرت حركة «النجباء» العراقية، التى أسسها أكرم الكعبى، عقب انشقاقه عن «عصائب أهل الحق» عام 2013.

ونجحت الخطة فى السيطرة على العراق، وقامت «طهران» بصناعة تشكيلات ومجموعات مسلحة إما تابعة للحرس الثورى مباشرة أو غير تابعة له، منها على سبيل المثال فصائل زينبيون وفاطميون فى سوريا، وفصائل العراق (حمزة سيد الشهداء شمالى غرب كربلاء)، (كتائب الأئمة بالنجف)، (كتيبة الغدير بكربلاء)، (لواء بنى هاشم)، (لواء صاحب الزمان)، (كتيبة ولى العصر)، و(فيلق على بن أبى طالب).

وبعيد الانسحاب الأمريكى من العراق 2011، ظهرت ما تسمى بـ«فصائل المقاومة»، وهى الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، إلى العلن، مع محاولات إعلامية للترويج أنها أجبرت قوات الاحتلال الأمريكى على الانسحاب، لتثبيت وجودها العسكرى والسياسى، منها كتائب حزب الله العراقى، وجيش المختار، بقيادة واثق البطاط، ولواء أبوالفضل العباس، بقيادة أوس الخفاجى، وكتائب الإمام على، بقيادة شبل الزيدى، وسرايا الخراسانى، وفرقة العباس، بقيادة هيثم الزيدى.

فى عام 2016، استغلت إيران سيطرة «داعش» على الموصل، واستندت لفتوى الجهاد الكفائى، وجمعت الميليشيات لتشكل «الحشد الشعبى الشيعى»، لتكرار تجربة حزب الله فى لبنان، ولإكمال حلقات القوة الصلبة التابعة لإيران فى العراق وسوريا ولبنان واليمن، فبعد أربعة أيام من الاستيلاء على الموصل العراقية. 

أصدر آية الله العظمى على السيستانى، أكبر مرجعية دينية شيعية فى العراق، فتوى تحض العراقيين على التطوع للقتال ضد مسلحى التنظيم، وبعدها توافد عشرات الآلاف من الشباب، ومعظمهم من شباب الجنوب الشيعى الفقير وضواحى بغداد، على مراكز التجنيد ومعسكرات الجيش ومقار الميليشيات، وكان بعضهم يرتدى عصابات خضراء تحمل شعار «كتائب حزب الله»، التى شكلها القائد العسكرى أبومهدى المهندس عام 2006، وهو الذى أصبح القائد الرئيسى للمظلة الجامعة للميليشيات الشيعية، المعروفة باسم قوات «الحشد الشعبى».

ويتكون الحشد الشعبى من نحو 67 فصيلاً، وفى عام 2019، تم تنظيم فصائل الحشد فى شكل ألوية، وعددها 64 لواء، موزعة على 8 محاور، فيما تتعدد ولاءات تلك الفصائل، فمنها من يتبع المرشد الإيرانى، ومنها من يتبع مرجعية النجف، بينما يتبع البعض مراجع شيعية أخرى.

ولما حدثت الثورة السورية، جلبت إيران نحو 100 ألف مقاتل من أفغانستان والعراق وباكستان ولبنان، تم تدريبهم فى العراق ومعسكر بازوكا فى إيران، وبعضهم تم إرساله لسوريا واليمن، كجزء من (قوات شيعية عابرة للحدود) تحت اسم (الجيش الشيعى الحر) الذى يتكون من: لواء حيدريون، الذى يتشكل من شيعة العراق، ولواء حزب الله، ولواء فاطميون، الذى يتشكل من الشيعة الأفغان، ولواء زينبيون، الذى يتكون من شيعة باكستان.

كان قاسم سليمانى، رئيس ما يسمى فيلق القدس، هو من يقود تلك الميليشيات جميعها، ويعاونه أبومهدى المهندس، الذى كان الحاكم الحقيقى للعراق قبل مقتله مع «سليمانى»، وكلاهما كان يشرف على الدعم غير المحدود لتلك الميليشيات مثل دعمهم لفيلق بدر، الذى تغير اسمه فيما بعد إلى «منظمة بدر» بعد إصدار قانون حل الميليشيات، ويترأسه هادى العامرى.

كانت السياسة الإيرانية لعسكرة التشيع برضا الغرب، الذى رفض بقوة دخول التحالف العربى إلى الحديدة لتحريرها من الحوثيين، حتى أصبحت هذه الفصائل والميليشيات أرقاماً لا يمكن تجاوزها، بل وسيطرت على دولة بحجم لبنان.

وتغيرت السياسة الآن، حين تجاوزت تلك الفصائل والميليشيات الخطوط الحمراء، وكان لا بد من تقليم أظافرها، ومع بدء أحداث غزة، وإعلانها عما يسمى وحدة الساحات، ثم ما يسمى جبهات المساندة، بدأت إسرائيل، وداعمتها الرئيسية الولايات المتحدة، فى القضاء على حزب الله فى لبنان، وضرب قيادة الميليشيات فى سوريا، وقصف الحوثيين فى اليمن، وظهر أن السياسة الجديدة هى تراجع دعم الإسلام الشيعى من أجل إحداث توازن حقيقى فى المنطقة.