حرب غزة.. وحسابات المكسب والخسارة
عام كامل مر على حرب الإبادة البشرية فى قطاع غزة التى يكتفى العالم بمشاهدتها على الهواء مباشرة دون أن يُحرّك ساكناً.. عام مضى على هجوم طوفان الأقصى الذى شنّته حماس على جنوب إسرائيل يوم 7 أكتوبر من العام الماضى وإحداث زلزال فى إسرائيل بعد أن تمكّنت «حماس» خلال ساعات من قتل 1200 إسرائيلى من بينهم ضباط وجنود.
وأعقبته إسرائيل بشن حرب ضارية على قطاع غزة خلّفت حتى الآن أكثر من 42 ألف شهيد، وما يقرب من 100 ألف مصاب قضت فيها على جميع مقومات الحياة فى القطاع المتكدّس بالسكان.. العدوان الإسرائيلى على غزة كان فاضحاً وكاشفاً للموقف الأخلاقى والإنسانى على المستوى العالمى، الذى اتسم بازدواجية المعايير والانحياز السافر لإسرائيل.. بينما كانت له فى الوقت نفسه تداعيات إيجابية، حيث تسبّب فى إحداث حالة من الحراك والتعاطف الشعبى العالمى مع القضية الفلسطينية التى عادت للواجهة بعد أن كاد يطويها النسيان.. حرب غزة حوّلت إسرائيل إلى دولة منبوذة ومعزولة عالمياً، وأعتقد أنها الخاسر الأكبر فى هذه الحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية ثم غزة.. 365 يوماً من حرب إبادة جماعية قضت على كل مقومات الحياة وخلّفت خسائر بشرية كبيرة معظمهم من الأطفال والنساء والعجائز، فى مشاهد نزعت الإنسانية عن حكام أمريكا والغرب الذين سيلاحقهم العار بعد أن تلطخت أيديهم بدماء الفلسطينيين الذين قتلوا بأسلحتهم الفتاكة وانحيازهم الأعمى لإسرائيل.
قد تندهش إذا علمت أن الجيش الإسرائيلى ألقى منذ اندلاع الحرب 83 ألف طن من المتفجرات فوق رؤوس المدنيين تسبّبت فى استشهاد نحو 42 ألفاً وإصابة مائة ألف آخرين معظمهم من الأطفال والنساء، وحولت مناطق وأحياءً سكنية كاملة إلى كومة من الركام. الخسائر المادية أيضاً ضخمة جداً تفوق خسائر برلين فى الحرب العالمية الثانية.. فلغة الأرقام لا تكذب وتكشف بوضوح خسائر الحرب خلال عام من الدمار الشامل.. أكثر من 42 ألف شهيد بينما بلغ عدد القتلى الإسرائيليين 2200 قتيل، وعدد الرهائن 251، بينهم 66 أحياء. الجيش الإسرائيلى يقول إنه قتل من عناصر «حماس» أكثر من 17 ألفاً، وتؤكد «حماس» أنها قتلت من الجيش الإسرائيلى أكثر من 1200 ضابط وجندى، حيث أطلق عناصرها أكثر من 9500 صاروخ.. المكتب الإعلامى الحكومى بقطاع غزة قدّر الخسائر المادية بنحو 33 مليار دولار. وقد بلغ عدد الفلسطينيين النازحين فى غزة 1.9 مليون، بنسبة 90 فى المائة من السكان، بينما بلغ عدد الإسرائيليين النازحين بسبب الهجمات من غزة أكثر من 58 ألفاً، وغادر ما يقرب من نصف مليون إسرائيلى تل أبيب، عائدين إلى بلادهم الأصلية. أما عن الدمار الذى حدث بغزة فحدث ولا حرج، فقد تمّت تسوية معظم بنايات غزة بالأرض وبلغ عدد المبانى المدمّرة أكثر من 120 ألف مبنى، وتم تدمير البنية التحتية ومحطات الكهرباء والمياه والمستشفيات ومراكز الإيواء والطرق الرئيسية والفرعية بنسبة 92 فى المائة وبلغت نسبة الفقر 100% بعد تضرّر 96% من الأراضى الزراعية ومزارع الماشية والبساتين.. الجيش الإسرائيلى دمّر 3 كنائس و611 مسجداً بشكل كلى و214 مسجداً بشكل جزئى، و206 مواقع أثرية و36 منشأة رياضية، كما دمر 125 مدرسة وجامعة بشكل كامل، و337 بشكل جزئى، فضلاً عن تدمير كامل لنحو 201 مقر حكومى، واعترفت إسرائيل بقصف 40 ألف هدف.
الجيش الإسرائيلى استخدم التجويع سلاحاً لقتل الفلسطينيين وسط إدانة أممية ودولية.. كما تعمّد استخدام التعطيش سلاحاً ويواصل منع دخول الوقود اللازم لتشغيل محطات المياه المتبقية فى القطاع.. وماذا بعد؟، فلم تضع الحرب أوزارها حتى الآن، وربما تستمر طويلاً، لكن دراسة أمريكية كشفت أن إعادة إعمار قطاع غزة ستتكلف أكثر من 80 مليار دولار، وأن إزالة الأنقاض وحدها ستتكلف 700 مليون دولار، حيث إن الحرب خلّفت 42 مليون طن من الأنقاض، وهو ما يكفى لملء ما يزيد على 1.3 مليون شاحنة، ووصفت وكالة بلومبيرج الأمريكية هذه الأنقاض بأنها تكفى لملء خط من شاحنات يمتد من نيويورك إلى سنغافورة، وقد تستغرق إزالتها سنوات بسبب وجود قنابل وألغام وصواريخ غير منفجرة، وكذلك الجثث التى لا تزال تحت الأنقاض، فضلاً عن مصاعب العثور على مواقع للتخلص من كل تلك الأنقاض.. وكشفت الدراسة أن أكثر من 70% من مساكن غزة تضرّرت بين تدمير كلى وجزئى، وأن الحرب أدّت إلى دمار اجتماعى كانت محصلته تمزيق الأسر وهو ما خلّف أكثر من 17 ألف طفل يتيم، حيث فقدت عشرات آلاف الأسر عائليها.
وإذا تحدثنا عن حسابات الربح والخسارة فى حرب غزة نستطيع أن نجزم بأن الجميع خاسرون، سواء إسرائيل أو حماس أو أمريكا أو حزب الله اللبنانى أو الحوثيون ودول الغرب ودول الشرق الأوسط التى تضرّرت بشكل أو بآخر، حتى إن استفادت بعض الدول مادياً بسبب ارتفاع سعر البترول.. أكثر المتضررين، بطبيعة الحال، هو الشعب الفلسطينى الذى فقد 10٪ من سكان غزة بين شهيد وجريح، وكذلك إسرائيل، ثم لبنان الذى تعرض لهجوم إسرائيلى غاشم تسبّب فى نزوح أكثر من مليون شخص وتدمير مئات الأبنية وتوقف الاقتصاد بصورة شبه كلية وسقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى. بعض الدول استفادت من الحرب بطريق غير مباشر نتيجة ارتفاع سعر برميل النفط.
نتنياهو أيضاً هو أكبر الرابحين، فرغم كسر هيبة إسرائيل، إلا أن الحرب أنقذته من السجن والإقالة. كما أن إسرائيل خسرت هيبة جيشها المدعوم من أمريكا وأوروبا بالأسلحة والعتاد والأساطيل، فلم يستطع تحقيق النصر حتى الآن، فقبل طوفان الأقصى كانت إسرائيل تبدو أمام العالم عصية حصينة على أعدائها، لكن بعد ذلك اليوم انكشفت الهشاشة فى منظومتها الأمنية، وخسرت أكبر عدد من سكانها فى عملية واحدة منذ تأسيسها قبل 76 عاماً. وبعد أن حصلت على تأييد دولى فى بداية الحرب، فقدت الكثير من التعاطف جراء العنف المفرط والعقاب الجماعى ضد سكان غزة.. الخلاصة أن الجميع خاسرون وندعو الله أن يحفظ غزة وفلسطين والأقصى، وأن تدور الدائرة على فلسطين وكل من عاونها.