الدعوة السلفية.. وتوظيف الدين من أجل الدنيا (٢-٢)

الحاصل أنه ومنذ فعاليات الثلاثين من يونيو كان قادة الدعوة السلفية وحزب النور في وادٍ، وتابعوهم وقواعدهم الجماهيرية في وادٍ آخر، فبينما كان أولئك القادة حريصين على الظهور في صورة المؤيدين لتطورات الثلاثين من يونيو، كان المنتمون للدعوة السلفية وحزب النور، المضللون بشعارات الدين، ومظاهره، كانوا هم الأسبق في الانضمام إلى مسيرات ومظاهرات واعتصامات الاخوان، في رابعة والنهضة وغيرها !، وكانوا هم الشركاء الأساسيون في ارتكاب وقائع العنف وإسالة الدماء، وهو ما أكدته أوراق مئات القضايا المنظورة أمام الجهات القضائية حتى الآن! ورغم تلك الازدواجية "الفجة" في نهج قادة الدعوة السلفية وحزب النور وانكشاف مدى عدم سيطرتهم على قواعدهم الجماهيرية، إلا أنهم ظلوا على نفاقهم، وخصوصًا خلال مضي الدولة في تنفيذ بنود خطة خريطة المستقبل، فقد كانوا شركاء في وضع تعديلات دستور 2014، وخرجوا للرأي العام يعلنون تأييدهم للدستور الجديد، ويعلنون عزمهم على حث كوادرهم وقواعدهم الجماهيرية على الخروج إلى لجان الاقتراع للتصويت بـ"نعم" على الوثيقة الجديدة للدستور، ولكن ما حدث كان شيئًا آخر تمامًا، فقد امتنعت كوادر الدعوة السلفية وحزب النور عن المشاركة في التصويت، بصورة تكاد تقترب من الإجماع على عدم المشاركة في التصويت، وشهدت بعيني رأسي هذا الامتناع، في محافظة الإسكندرية، مركز الثقل الجماهيري الأكبر للدعوة السلفية، يومها هاتفت الشيخ برهامي لمعرفة مكان اللجنة التي سيدلي أمامها بصوته ومعرفة موعد توجهه للجنة، وعندما توجهت إلى المكان التقيت الشيخ برهامي قبل التصويت وبعده، وكانت مفاجأة، لقد دخل وحيدًا وخرج وحيدًا، إلا من حارسين يؤمنان تحركاته، وفي باقي لجان التصويت بالإسكندرية، رصدت وغيري من المتابعين اختفاء كل السلفيين، وهذا النهج تكرر بصورة متطابقة خلال الانتخابات الرئاسية ! الحقيقة أن انتهازية الدعوة السلفية كانت واضحة جدًا وبشكل سافر خلال السنوات الأربع الماضية، فهذه القيادات التي تعرف نفسها بقيادات الكيان السلفي هم من أعلنوا رفضهم خروج الشعب ضد نظام مبارك، وعددوا المبادئ الشرعية (المغلوطة) التي تؤيد ما يقولون، ثم ما لبثوا أن غيروا مواقفهم تمامًا بعد تنحي مبارك، وأشاعوا زورًا وبهتانًا أنهم كانوا من بين الثائرين وواصلوا كذبهم وادعاءاتهم ونافقوا المجلس العسكري ونافقوا الإخوان وشاركوهم السيطرة على برلمان 2012 وللأسف سقط كثيرون من نواب حزب النور في فضائح أخلاقية، كشفت وأيدت أنهم وحزبهم أبعد ما يكون عن الدين، أيضًا تكشفت انتهازية الدعوة السلفية وعلى لسان ياسر برهامي نفسه، في تسجيل مرئي يتباهى أمام مريديه بأنهم خلال مناقشات لجنة كتابة دستور 2013 نحجوا في تمرير المواد التي يرونها مؤكدة لما يصفونه بهوية مصر الإسلامية، واعترف برهامي في ذلك التسجيل كذلك بإنه ضلل الجميع لحين الانقضاض في الخطوة التالية على منصب شيخ الأزهر الشريف وخلال تولي الإخوان حكم مصر بواسطة محمد مرسي، ثار قادة الدعوة السلفية، ليس غيرة على الدين ولا على ما يقولون إنه الشريعة الإسلامية، ولكنهم ثاروا من أجل المصالح الشخصية والمكاسب الخاصة، وكلنا يذكر كيف انقسمت الدعوة السلفية وانقسم القيادات السلفية وانشقوا عن حزب النور ليشكلوا حزب الوطن، ولم يقع ذلك الخلاف إلا بسبب الرغبة في الحصول على مكاسب سياسية أكبر، أو بالأحرى، المكاسب الواهية التي لوح بها لهم قادة الإخوان المسلمين! الخلاصة أن التيار السلفي، وفي مقدمته الدعوة السلفية وقياداتها وعلى رأسهم برهامي وغيره، ليسوا إلا انتهازيين راغبين في توظيف الدين لتحقيق مكاسب دنيوية شأنهم شأن الإخوان وغيرهم، ممن يتمسحون بالدين للسيطرة على كثيرين من المغلوب على أمرهم، ممن يصدقون المظاهر التي ينسبونها للدين ويتمسك بها أولئك السلفيون وغيرهم!